قبور العظماء في الأفواه أو الأنفس

خطاب إلى محسن الخفاجي

قبور العظماء في الأفواه أو الأنفس

حسن علي خلف

لأنك مميز تسبقنا بمراحل  وخطواتك أوسع وبريق سنائك أكثر ألقا ، سبقتنا حتى بالرحيل أيها الالق الشجاع الذي يبهر الإبصار.أيها الجبل العالي والقامة العراقية التي ما فتئنا نفخر بها ، وتسمو بها المدينة . لأنك تحب الشمس غادرت وطن الظلام، وطن البؤس والقهر بمعطف خبّأت في جيوبه كل النهارات ، بل كل الأم وطن يبكي من فرط الألم  .. وطن أثخنته الجراح وأناخت كلكله المؤامرة . رغم انك من أشجع فرسانه ، تقاتل الظلام بالكلمة الشجاعة التي لا اعرف أنا أن أصوغها ربما من فرط خوفي . انك  مثال لاجتماع الإرادات، واستجابة القدرات مع حسن المقصد ميزته العمل الدؤوب مع الإصرار والمثابرة، وأجمل ما فيه العناد والمشاكسة .

 محسن الخفاجي

إن الذي غادر الحياة إنما هو جسده  أما روحه  وجذوة حماسه وكبرياؤه وعناده  فباقون معنا نكاد نلامسهم كلما شرعنا بالكتابة أو التحدث أو الخطاب .فرحيله جعلنا نقف كل منا على دكته  وفي صومعته ومحرابه نتساءل ، فاني وجدت نفسي مثله أعيش للآخرين. والآخرون هم كيانك وسبب وجودك وتقدمك ،فكان الخفاجي هكذا لا يأبه ببهارج الدنيا ولا مراتبها صعودا أو نزولا . بل كان ثابت على مثل هو أخطها لذاته ، ولم يقو احد على زحزحته عنها .ومعلوم أننا عندما نعيش لذواتنا فحسب ،  تبدو لنا الحياة قصيرة ضئيلة ،  تبدأ من حيث بدأنا نعي وتنتهي بانتهاء عمرنا المحدود، أما عندما نعيش لغيرنا فإن الحياة تبدو طويلة عميقة تبدأ من حيث بدأت الإنسانية وتمتد بعد مفارقتنا لوجه الأرض.هكذا كانت فلسفته عندما نتجاذب أطراف الحديث أثناء زياراته القليلة لمكتبتي ، أو حينما ألقاه في مقره العتيد مقهى الأدباء. فكان عظيماً في كُلِّ ما قال أو  فعل حكيماً في كل فكرة أراد البناء فوقها. فكان بناؤه رصينا وكنت أغبطه ، لا ادري من أين كان يستل الكلمات ويرصفها لتصفق له بلاغة اللغة ودلالة الألفاظ وحسن البناء وبهاء الجمل في رمزيه أخاذة تأسر المتلقي. تواضَعْ وعجزنا عن تقليدِه فأصبحْ مثلا تكرهه الكبرياء ونفرت منه العجرفة  وخاصمه الغرور حتى وهو يحصد جوائز الأدب متفوقا . نذر نفسَه للنَّاس وحمِل همومَهم وأصبح حمال همّ، يا عجباً رغم مرضك – ووحدتك – وآلامك  كنت  تسابقَ الرَّيحَ فتسبقها .  اختفيت بسرعة البرق وكلمح البصر. وأقسَمْتَ على ما يبدو أن تكون فوق العنان, فيا ساكنَ السماءِ ها هي أجراسُها تقرعُ .. والأجراس يا أخي لا تُقرع إلا لعظماءِ الرِّجال. برحيلك خسرنا شخصا نبعا دافئا ، وخسرت المدينة طودا شامخا تفخر به ، وخسر العراق قائدا شجاعا يقول الحق ولا يبالي . بل خسرت الأجيال عطاء يندر أن يجود به احد . لأنك ينبوع دافق يسقي الحياة بهجة ويرسم أمام المتعلمين دوائر النجاح ومربعات التقدم ، وتعلم الناشئة خطوات الإصرار والمثابرة – فكنت تربويا فنانا أديبا شاعرا مسرحيا كاتبا صحفيا بل قل موسوعيا تحمل بلدك في حدقات العيون وتبكي إذا بكى العراق – ولكن يبقى هنالك أشخاص يعبرون في دنيا البشر.. يأبون أن يكون مرورهم عادياً أو عابرا . فما بناء الحضارة إلا تراكم بصماتهم ونتاج مدادهم . وعادة ما يكون هؤلاء جسور لعبور الخير ، وأرواح تطوف حولنا تدفعنا للأمل والتفاؤل فكنت واحدا مميزا منهم يا أيها الذكرى . يرحمنا ويرحمك الله .

مشاركة