قبل دخولي صالة العمليات كتبت قصيدة أخاطب فيها العراق

ذكرياتي 34

قبل دخولي صالة العمليات كتبت قصيدة أخاطب فيها العراق

عبدالرزاق عبد الواحد

ها أنت تتذكر أولادك ياعبد الرزاق فتعود إلى الكتابة تتذكر بيت سلام في أريزونا .. تتذكر بارق وسيارته التي دعمها يوم وصولنا لهم.. وكان قد وعدنا  ان يجول بنا بها.. تذكرت ابنك سلام الذي كان يدير شركة إلى جانب وظيفته ،  ومسؤوليته الكبيرة لصيانة أجهزة أكبر ناطحة سحاب في أريزونا ،  وفوزه على أمريكا كلها في اختصاصه كان الثالث في جميع أمريكا .. وكّرمته شركته تكريماً عظيماً ..

ولكنه كان متعباً ياعبد الرزاق .. في يوم من الأيام اضطرت سيارة المرور إلى إيقافه لأنه خرج بسيارته عن الشارع ووجده شرطي المرور نائماً فيها وهي تسير! .. كان العمل في شركته الخاصة بعد دوامه في ناطحة السحاب يذبحه ذبحاً ومع ذلك كان يصَّر على أن لايتركه . حين ناقشته قال : ياأبي .. نحن في بلاد غريبه .. أريد أن أضمن لأولادي أن لايحتاجوا لأحد من بعدي .

واشتريت بيتاً جميلاً واسعاً ياسلام ليسكن أبوك أمك معك فيه .. ولكنك كنت متعباً إلى الحد الذي لم تستطع معه أن تخرجهم في زورقك الجميل ،  وفي بحيرتكم الجميلة رغم أن ولدك بارق أنفق يومين في تنظيف الزورق لهذا الغرض !

ولكن ….

هاأنت تعود إلى الكتابة ياعبد الرزاق .. لم يبق لك إلا أن تكتب ،  مادمت لم تعد تستطيع كتابة الشعر بسبب صدمة الأعصاب التي مرت بك لخطأ طبيب من أطبائنا العراقيين في عمان ّ كانت ليلة رهيبة على زوجتك بشكل خاص عدت متعباً من بيت صديقك الحميم ابو رؤوف ـ كفاح قصاب باشي ـ ثلاث ساعات وأنت تقرأ الشعر وصلت الى البيت متعبا اتصلت بالطبيب فنصحني بأخذ حبة مهدئة ثم حبة أخرى بعد اتصالٍ ثانٍ وهنا حصلت الكارثة …

تخشبت على الكرسي واستحال لونك أزرق غامقاً وأنت متصّلب كتمثال أزرق من الطين !

ونقلني الصديق أبو رؤوف الى أقرب مركز إسعاف .. وأدخلت بعدها في مستشفى الخالدي وأنقذني الله من موت ٍ محقق .تسعة أيام وأنا في المستشفى .. زارني جميع العراقيين الموجودين في عمان … وامتلأ المستشفى بسلال الزهور حتى نثرت في جميع طوابقه .. وجاء من علب الحلويات مايملأ سيارة بيك أب !

وكــــانت الإلتفاته الكبرى إلتفاتة الصديق الحبيب الأستاذ سعد البزاز

الذي أرسل عشرة آلاف دولار منبهاً (أنّ هذا ليس المبلغ الأخير بل إذا إحتاج وجود عبد الرزاق إلى أكثر من ذلك فسيصله مهما كان المبلغ).

تسعة أيام أجريت لك خلالها عملية هي التي أكملت إطباق الظلام عليك !

بعد أجراء الأشعة الطبقية أكتشفت أن المرارة لديك مليئة بالأحجار فقرر إخراجها طبيب الباطنية جاء بجراح أردني وأدخلك صالة العمليات .

في صالة العمليات سمعته يقول للجراح الشاب : أدخل الإبرة في الكبد لكي نضع الصوندة فيه .. سمعته رغم البنج وأدخلا صوندة في الكبد تخرج من منطقة الخاصرة بأنبوب بلاستيكي معلق في نهايته كيس يقطر فيه إفراز المرارة ! شهران وهذا الكيس معلق في خاصرتي

وأتناول انتي بايوتك شديد الفعالية حبتين كل يوم .

في اليوم التاسع من وجودي في المستشفى جاء ولدي سلام من أمريكا وقطع لي ولأمه تذكرتين درجة أولى مع مرافق صحي ينتظرني في المطار وأوصلنا إلى باريس.ثلاث محطات فضائيه صورت وجودي وعمليتي في مستشفى الخالدي ،  وكان شاباّن يرافقاني طوال اليوم أحدهما محمد أبن صديقي رافع العاني وغدير الشمّري الشاعر البدوي المعروف.

دخلت في مستشفى أظن أن أسمه كان مستشفى النبي دانيال أو شيء من هذا القبيل .. وقابلت فيه جراحاً إيطالياً شاباً .. بعد أن أطلع على أوراقي قال وهو يضحك .. مادمت قادماً إلى باريس ،  لماذا أجريت هذه العمليه هناك ؟ إن سحب المرارة بالناظور أسهل من شربة كأس الماء !

قلت : الحظ شاء لي هذا

قال 🙁 إذا تريد تنتظرني أنه راح أروح لأهلي  في عطلة أعياد الميلاد ،  وراح أتأخر شهرين تريد أوصيلك صديق جراح يجري لك العملية ؟) .. قلت 🙁 لا ..راح أنتظرك إلى أن ترجع) .

وأنتظرته شهرين ،  مع هذا الأنتي بايوتك والكيس المعلق في خاصرتي . وعاد ،  وأجرى لي العملية.

قبل أن أدخل في صالة العمليات .. أقصد قبل يومين من إجراء العملية ،  كتبت هذه القصيدة ،  أخاطب فيها العــــــراق :

خوفاً على قلبك المصدع من ألَمي

سأطبقُ الاّن أوراقي على قلمي

نشرتُ فيك حياتي كَّلها علماً

الاّن هبنّي يداً أطوي بها علمًي !

ياما حَلمُتُ بموتٍ فيك يحملني

به ضجيجُّ من الأضواء والظَّلمِ

آهلي  وصحبي ،  وأشعاري منثَّرةً

على الجنازة أصواتاً بلا ؟؟؟

إلا عراق تُناديني .. وهاأنذا

أصحو بأنأين بقاع الأرض من حُلُمي

فأبصر الناس لاأهلي ولا لُغتي

وأبصرُ الروح فيها ثلمُ  نُثلِمِ

أموت فيكم ولو مقطوعةٌ رئتي

يالائمي في العراقيين لاتَلُمِ !

ــــــــــــــــــــــــــــــ

أكثر من ثلاثين رساله جاءتني على الهاتف  🙁 لو تموت ماننطيك إيد يطوي بيها علَمك )! .

مشاركة