قصة قصيرة (1)
قالوا عني لقيطة
عندما وعيت على الدنيا وجدت نفسي اعيش في قصر كبير ذي اثاث فاخر لم ار مثله في البيوت الاخرى التي كنا نزورها انا وامي.. كنت حينها في الرابعة من العمر تقريبا بينما كانت امي في ريعان الشباب شقراء جميلة رشيقة.. وسمعت انها كانت في السابعة والعشرين من العمر.. اما انا فكنت سمراء حنطاوية و كانوا يقولون عني جميلة بعيوني وشعري الكستنائي الطويل.. اما والدي فكان يمتلك سوبر ماركت كبير جدا فلذلك كنا لا نراه الا في ساعات متاخرة من الليل.. اما عني فلم اكن اراه لاني انام قبل عودته.. واكثر الاحيان تاخذني امي اليه في المحل عندما اطلب منها ذلك..
وكان يستقبلني بفرح كبير ويقبلني ويلاطفني كثيرا ويسالني عما اريده واشتهيه فكنت اقول له لا شيء الا اني اشتاق اليه.. فكان ياخذني الى صدره ويقبلني ويعطيني الكثير من النقود ويطلب من امي ان تشتري لي ما اريد.. وكانت علاقة امي بابي حميمة جدا وكنت ادرك ذلك تماما ولاسيما بعد ان تقدم العمر بي ووصلت الى الدراسة المتوسطة وحياتنا جميلة رائعة هادئة ليس فيها ما يعكر صفوها واستقرارها ولقد فهمت اني امي لا يمكنها ان تاتي لي باخت او اخ والامر متعلق بوالدي.. الا اني لم ارى امي يوما متذمرة من هذا الامر او تتحدث عنه.. وحتى ان قال احد ان تاتي باخ او اخت لي كانت تقول: لا كافي، علينا سالي .. الا اني وخلال بعض المناسبات التي كنت احضرها مع امي عند اقاربنا او معارفنا كنت اشعر بان هناك بعض عيون النسوة ترقبني ولا تخلو من الهمسات ادرك انهن يتحدثن عني ولكن لا اعرف ماذا يقلن..!
ولكن امي تقول لي عندما اخبرها بذلك: انها عيون حاسدة لا غير لما ترتديه من مخشلات ذهبية وما انت عليه من جمال.
وما اسمعه من امي كان يرضيني تماما.. اما ما ذهبت اليه من انني جميلة فلقد اخذت اتحسس جسدي ووجدت ان كل شيء عندي بدأ ينضج ويكبر .. ولاحظت ان امي حريصة ان لا اتعرض لمثل هذه المواقف فلذلك تبتعد بقدر امكانها من هذه المناسبات.. وحتى عندما يزورنا احد المعارف او الاقارب من النساء كانت ترفض ان اجالسهم وتطلب مني القاء التحية والدخول الى غرفتي وكانت تقول لي: عليك ان لا تسمعي احاديث الكبار.. لم تبخل علي امي بشيء وكانت لي اما واختا وصديقة ولاسيما بعد ان وصلت الى الثانوية.. فكانت تاخذني معها اينما ذهبت ولم تتركني يوما لوحدي او مع احد فانا لا افارقها الا عند ذهابي للمدرسة او عند النوم ليلا.. وهي بنفسها من يذهب بي الى المدرسة وهي من تكون بانتظاري عند الانتهاء منها..
اما ابي فكان قد خصص لنا يوما يتفرغ به لياخذنا في نزهة حرة الى الاماكن العامة او بدعوتنا الى العشاء في احد النوادي او المطاعم.. او ياخذنا لمشاهدة فيلم في السينما.. وهذه الامسيات هي من اسعد لحظاته عندما يقضي معنا وقتا طويلا فكان حبه لامي كبير جدا وبالمقابل كانت امي تنتظر هذه الاوقات التي يتفرغ بها الينا..
وتمضي الايام تباعا ونحن في امن وسلام وقد حققت نجاحا في الثانوية وتخرجت بمعدل جيد.. ووعدني والدي بشراء قطعة ذهبية بنجاحي.. وفعلا قدمها لي وهي عبارة عن قلادة تحمل اسمه وقال لي مداعبا: حتى اكون دائما معلقا في عنقك.. فاجباته: انت في القلب يا اعز بابا بالدنيا.. اما امي فقد قدمت لي خلخالاً وكانت تقول لي : ان الخلخال سيضيع مع جمال ساقيك.. لامي خمسة اخوات واربعة اخوة.. وجرت العادة ان يجتمعون كل يوم خميس في بيت جدي لامي.. وكان متوفى الا ان جدتي كانت في الوجود وهي قلب كل هذه العائلة الكبيرة والجميع ياخذ مشورتها وياتمرون بامرها.. الا اني لم اكن ارتاح لهذه الزيارات الاسبوعية فاني لم اجد من خالاتي عاطفة او مودة ولا اعرف السر في هذا.. وكاني كما كانت تقول امي .. انه الحسد لا غير.. لان امورنا المالية غير امورهم.. فلذلك كانت امي كثيرا ما تمد يد العون لاخواتها او اخوانها.. ما عدا خالي الكبير كان يعاملني بلطف وحب ومودة.. وكان يعاملني وامي باهتمام كبير وكانت اموره المادية جيدة جدا لانه يمتلك معارض لبيع الاثاث وكان هو المسؤول ورب العائلة.. بعد موت جدي كما كانت ابنتا خالي معي في المدرسة.. فلذلك كانت علاقتنا معهم حميمة جدا.. كنا نجهز نفسنا للسفر مع والدي الى دولة الكويت بدعوة من صديقه ابو فاضل الذي كان ينزل عندنا ضيفا مع عائلته عندما يزور بغداد.. وانهالت على امي الطلبات من الخالات وبناتهن في شراء ما يرغبن به من الكويت… ووعدتهم امي بذلك.. وحزمنا حقائبنا ولم يبق سوى تذاكر الطائرة على ان يذهب والدي لقطعتها في اليوم التالي.. وكالعادة كانت امي تنتظر ابي ليلا وتجهز له العشاء قبل قدومه بلحظات فكانت تعرف الاوقات التي يصل بها الى البيت.. وكنت يومها في غرفتي اطالع كتابا لجرجي زيدان عندما دخلت علي والدتي وهي قلقة جدا.. واخبرتني ان والدي قد تاخر على غير عادته.. فنهضت وانا اطمئنها ان تاخيره قد يكون بعطل اصاب سيارته.. او تاخر في المحل.. فقالت: اتصلت به ولا احد يجيب ومعنى ذلك تم اغلاق المحل.. وكانت امي حائرة لا تعرف ماذا تفعل.. وقد اخذ القلق منها ماخذه.. حتى انا قد اصابني ما أصابها وطلبت منها الاتصال بخالي الكبير.. فاتصلت به وما ان رفع سماعة الهاتف حتى اعطيتها لها.. واعلمت خالي بالامر.. فقال لها انه سيتصرف بالذهاب الى احد عمال المحل وكان يعرف مكان سكناه للاستفسار منه.. والتوجه لهم.. ومرت الدقائق قاسية مريرة وامي تذرف الدموع بغزارة وهي تقول: ان قلبي يعصرني اللهم سترك اللهم اجعل العواقب سليمة.. واخذت امي تدور في الصالة ثم تخرج الى الباب وتعود وانا جالسة انظرها والدموع تملأ عيني وبصمت حتى لا اثيرها اكثر مما هي فيه وانا اصبرها بان خالي ذهب ليستطلع الامر.. وقد قاربت الساعة الثامنة صباحا.. عندما وصل خالي لنا.. واعلمنا بان والدي قد اغلق المحل وخرج بسيارته.. ولابد ان تعطلت سيارته.. وما هي الا لحظات حتى رن الهاتف وجفل الجميع وهرولت امي لترفع السماعة.. وهي تقول بلهفة: نعم .. نعم.. ماذا.. مستشفى.. وكادت تقع ارضا.. فسارع خالي لاحتضانها واخذ السماعة منها وفهم ان والدي تعرض لحادث سيارة وهو راقد في مستشفى اليرموك.. وكانت المستشفى قريبة منا.. فاخذنا خالي الى هناك.. وعلمنا ان سيارة حمل كبيرة قد تصادمت مع سيارته وان حالته خطرة وحرجة جدا.. وانه ادخل لاجراء عملية جراحية مستعجلة.. خرج منها الى العناية المركزة.. وكنا نراه من وراء حاجز زجاجي ولقد كان مغطى باللفافات والجبس حتى ان رأسه قد ناله الضماد.. وعلمنا انه تعرض الى كسور عدة في الساق والاضلاع وان يده اليسرى قد تهشم عظم الساعد فيها.. مع ارتجاج في الراس.. وجرح عميق عند البطن.. وكانت امي منهارة تماما.. وهي شاردة الذهن وكنت خائفة عليها جدا.. لاسيما وقد جفت دموعها واراها تدمدم مع نفسها.. وخالي يسال هذا الطبيب ثم ذاك ليقف على حالة ابي.. اما انا فكانت افكاري مشتتة تماما.. وحادثة ابي كانت كارثة بالنسبة لي فكنت اشعر باني قوية وشامخة بوجوده لا اخاف ولا اخشى شيئا.. الا اني اليوم فقط قد احسست وكان سيفا قطعني نصفين.. وحالة امي تؤلمني فلم يسبق لي ان رايتها مكسورة كما هي عليه الان.. واعلمنا الطبيب ان مرت 24 ساعة بسلام على والدي فانه سيعيش وبقينا في المستشفى .. في ردهة الانتظار وخالي يذهب بين فترة واخرى للاطمئنان عليه.. وعند الساعة السابعة صباحا شاهدنا الاطباء والممرضات يهرولون صوب العناية المركزة وقد لحقنا بهم ولكن منعونا من الدخول.. الا ان خالي استطاع الدخول ليطلع على الامر..
محمد عباس اللامي – بغداد


















