قاص ومترجم مجهول وصوت قصصي متميز – نصوص – علي ابراهيم الدليمي

ملف خاص (وفاء وإستذكار) لحامد علي الجبـوري  1-2

قاص ومترجم مجهول وصوت قصصي متميز – نصوص – علي ابراهيم الدليمي

مدخل أستذكاري:

طيلة معرفتي الطويلة به (كجيران) كنت أعرف عنه إنه مدرس لغة إنكليزية فقط ، في إحدى الإعداديات في منطقتنا، ذو أخلاق إنسانية عالية، متعاون ومتعاطف مع جيران وأبناء المحلة بشكل ملحوظ ، إلى عام 2001 تقريباً، بحديث عابر معاً، كشف لي عن إهتمامه الكبير، بالقصة القصيرة، كتابة وترجمة.

ناولني مجموعة (مخطوطة) منها، وطلب مني أن أطلع عليها وأعطيه رأئي فيها بحكم ممارستي وعلاقتي بالأدب  والصحافة… وعندما قرأتها، كانت رائعة، تنم عن وعي ممتاز لماهية القصة وحبكتها، وفيها هوية شخصية بارزة، فنشرت له بعضاً منها في الصحافة وقتذاك، ومايزال لديِّ عدد أخر، أقدمها هنا، وفاءً وإستذكاراً منا له جميعاً، مع لمحة مقتضبة عن تجربته، ولكني كنت أتمنى أن يقرأها، هو الكاتب بنفسه، بعدما سمعت عنة مؤخراً… أنه قد توفي أثر مرض عضال..وبعد أن أنتقل مسكنه، إلى منطقة بعيدة، إنقطعت عندها أخباره.

قراءة في إبداعه

القاص والمترجم، حامد علي حسين الجبوري، (مواليد بغداد1952) بكالوريوس أدآب، صوت قصصي متميز وحاذق، حد البراعة في طريقة تناول وطرح نصوصه القصصية القصيرة، التي تقترب، أو بالأحرى متأثرة ومتلامسة بكتّاب القصة القصيرة في الغرب.

فعالم قصص، الجبوري، والمساحة التي يتحرك فيها شخوصه، وحيثياتها الدقيقة التي يستلهمها، يكشفها القارئ، وكأنه يقرأ قصص مترجمة من الخارج، بما تحمل من خصوصية (الزمكانية) التي تتمتع بها الأجواء، الغير محلية.

فالقاص حامد الجبوري، قد ترجم إلى العربية، الكثير من القصص القصيرة، من الأدب العالمي، للعديد من عمالقة القصة، دون تحديد إسم معين وكان ذلك بمثابة المعين النابض، والمؤثر الإندفاعي الكبير والمباشر، الذي أسس عليها بنيان تجربته القصصية الخاصة، وهذا ما أنسحب تأثيره بالتالي، حد العظم، بكتاباته اللاحقة الذي نشر بعضها بأوقات متباعدة.

وللقاص الجبوري، تحت يدي، مجموعة من قصصه (المخطوطة) الناضجة الثمار، التي تحمل مزايا اسلوبه الخاص، ذات الحبكة التي تتسم بخصوصية ذكاء السرد الدرامي، وانسيابية استدراج القارئ في إنهاء القصة، بضربة فنية مفاجئة، بصياغة إبداعية متوازية، مابين الطرح الفكري، وبصمته الادبية الخاصة… فضلاً عن قصص قصيرة مترجمة.

وإذ أستل واحدة من قصصه (الإنسانية) المعبرة لاقدمها هنا، مع بعض القصص المترجمة، اعود واكرر أن الثيمة التي ستؤخذ على كتابات الجبوري، حسب القراء، إنها مسرودة (بنفس) غربية، كان الأجدر به ان يتناولها ويطرحها بروحية أو نفس محلية، وهو المتمكن من ذلك بشكل جدير جداً لو أراد أن يتخذها فعلاً، لكي ترتقي مكانها الطبيعي، ذات الهوية والملمح المحلي، بين ابداعنا القصصي العراقي، بشكل خاص، والعربي عموماً… ولكنه تعمد إلى ذلك التميز،  ليغرس تجربة قصصية جديدة، ويرسخها ليرسم له وسمة وخصوصية حاضرة.

إذن لنقرأ واحدة من قصصه (العملية الأخيرة)… وبعضاً من القصص التي ترجمها بنفسه، وسنقارن تخرجه من معطف الأدب العالمي برمته.

العملية الأخيرة

قصة: حامد علي الجبوري

في أول ساعة من بداية العام الدراسي الجديد، يكون كبير الأطباء قد بلغ الثمانين من عمره، ولايجيز له القانون، الاستمرار في مهنة الطب، فقد أمضى خمسين عاماً في مستشفى الطؤارئ المركزي، حصل على لقب كبير الأطباء قبل عشرين عاماً، فقد زوجته وأبنته الوحيدة، وداره الأنيقة في الحرب، التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية، ضد الإنسانية، ومن حينها أتخذ من المستشفى بيتاً له… فلديه غرفة صغيرة ضمن جناح الأطباء المقيمين، ليس لديه ساعات عمل محددة، فالصدرية البيضاء، وغرفة العمليات والمشرط هو كل عالمه المادي.

تشير عقارب الساعة إلى السادسة مساءً، ولم يبق له إلأ ست ساعات فقط ليغادر المستشفى، إلى حيث لايدري.

استدعى المدير، كبيرالأطباء، فوراً للتوجه إلى صالة العمليات الكبرى، إذ أخفق الملاك الطبي عن إيقاف النزيف من رأس الشاب المصاب بحادث مرور.

عالج كبير الأطباء، الموقف بحكمة وبراعة ولم يفتح فمه بكلمة واحدة، فليس لديه مايقوله.

دخلت إبنة المصاب، وشكرت كبير الأطباء، على إنقاذ أبيها من الموت، الذي سمح لها بزيارة أبيها، بعد أن فاق من تأثير المخدر، وقفت الفتاة بصمت تام، وهي تنظر إلى وجه أبيها، سقطت دموع ودموع من  عيون الفتاة، حت أبتل وجه الأب، وهو يشير إلى كبير الأطباء بالشكر والامتنان والإعتراف بالجميل… أراد أن يقول، شكراً سيدي كبير الأطباء، ولكن لم يستطع، وبدلاً من ذلك أنهمرت عيناه بالدموع، إذ فشل من نطق كلمة شكراً، إلتفتت الفتاة لتقل شكراً، نيابة عن أبيها فلاحظت دموع كبير الأطباء تملاء تجاويف وجه، التي صنعتها الثمانون عاماً، رمت الفتاة نفسها إلى الكبير الحنون المنقذ، وقبلت يده وجبينه.

جاء مدير المستشفى والملاك الطبي وملائكة الرحمة، لتوديع كبير الأطباء… بكى الجميع لبكائه، فذاك يقبل يده، وتلك تقبل جبينه.

لم يتكلم أحد أبداً، وكأنهم وجدوا راحة عجبة في سقوط الدموع بلا هوادة.

همِّ كبير الأطباء بالخروج، ولكنه سقط مغشياً عليه، أدخِلَ غرفة الأنعاش، وبقيِّ تحت العناية المركزة.

وفي اليوم العاشر من العام الجديد، تماثل المصاب للشفاء التام، ودعى الله ان يشفى كبير الأطباء، الذي كان السبب في شفائه، أستأذنت الفتاة وأبوها للدخول على كبير الأطباء، لتقبيل اليد الحنون الماهرة، التي أنقذت ماأنقذت من البشرية.

غير ان يد المنون، كانت أسرع، فقد خرجت الفتاة وأبوها، وخرج نعش، كبير الأطباء، انهارت الدموع من الآف العيون، قبلت الفتاة وأبوها، النعش.

وهكذا وهب كبير الأطباء، نفسه للآخرين ولآخر لحظة، وسمي المستشفى من بعده، مستشفى كبير الأطباء.

البريء

قصة: ليو تولستوي

ترجمة: حامد الجبوري

قالت الزوجة بصوت خافت مرتجف:- لويس لاتذهب هذا اليوم إلى سوق موسكو التجاري، فقد رأيت حلماً مزعجاً، رأيت شعرك الأشقر تحوّل إلى رمادي باهت هش.

ضحك الزوج، وقال:- هذا فأَل حسن، ولن أنسى أبداً هديتك المفضلة.

أعدَّ الحوذي العربة الفخمة، وأتجه وسيده إلى حيث السوق المركزي، فكان يوماً مربحاً.

لم يكن من عادة لويس السهر الطويل، فقد نام مبكراً في فندق صغير ومريح، ونهض مبكراً أيضاً، عند ظهور أول خيوط الفجر، وأمر الحوذي بالانطلاق في الرجوع إلى بيته، ليقدم القلادة الفاخرة، إلى زوجته وحبيبته (صوفيا).

وعند منتصف الطريق، أوقفه ضابط شرطة مع أربعة من رجاله، وسأله عن إسمه الكامل ومهنته وبضاعته، ومن اين جاء وإلى أين متجه…؟.

أجاب لويس على أسئلة الضابط ، بدون إكتراث، وقال له:- ولكن لماذا كل هذه الأسئلة، سيدي الضابط ، وكأنني من اللصوص وقطاع الطرق… فأجابه:- أنت متهم بقتل التاجر الذي كان معك في نفس الفندق، فقد قتلته، وأخذت أمواله وخرجت مبكراً، وأرجو أن تسمح لي بالتفتيش. فتش الضابط حقيبة لويس، وعثر فيها على أداة الجريمة، سكينة ملطخة بالدم الآدمي، وهي نفس المواصفات التي حددها الطب العدلي، والتحقيق الجنائي.

حكمت عليه المحكمة العليا بالسجن مدى الحياة مع الأشغال الشاقة، ونقل إلى سجن سيبريا.

كان لويس هادي الطبع، دمث الأخلاق، مطيعاً للأوامر، راضياً بالقضاء والقدر…تعلم في السجن، صناعة الأحذية، والقلائد، والحقائب.

أشترى كتاب “حياة الرهبان” عكف على دراسته، كلمة، فكلمة، بل نفذ كل عبارة، وكان يساهم في الأناشيد الكنائيسية، صباح كل يوم أحد، مع رهبان السجن.

لقد أصبح لويس موضع الإحترام والتقدير من قبل السجناء، والحراس، وضباط السجن، الكل يناديه بـ ” الأب لويس” أو “الراهب لويس” أو “القديس”.

نظر الأب لويس، إلى وجه (الفريد) وهو السجين الجديد، ونظر الفريد إلى وجه الأب (لويس)، وعرف كل منهم الآخر.. تذكر، الأب، السكينة الملطخة بالدّم الآدمي، التي طالما رآها بيد “الفريد” عندما كان نائماً معهم، بنفس ذلك الفندق المشؤوم… ولكن ما فائدة الكلام بعد ست وعشرين عاماً؟.

ذات ليلة قارست البرد، رأى الأب، سقوط تراب من إحدى جوانب غرف السجن، وإذا به يقع نظره على المجرم العتيد “الفريد” وهو يحفر نفقاً ليهرب منه، حاول، الفريد، الإختفاء، ولكن دون جدوى.

تقدم الفريد نحو الأب، وقال له:- إسمع أيها الأب لويس، سوف أهرب عن قريب، وسوف أساعدك بالهرب معي، أما إذا أخبرت الشرطة عن سر هذا النفق، سوف أقتلك قبل أن تقتلني الشرطة.

نظر الأب إلى الفريد، وقال:- لقد قتلتني قبل ست وعشرين عاماً، ماذا تريد أكثر من ذلك؟.

قال:- نعم أيها الأب… وستكون القتلة النهائية ان تكلمت.

أكتشف رجال الشرطة، النفق، ونكر جميع السجناء معرفتهم بالفاعل.

تقدم ضابط السجن، نحو الأب، وقال له:- نحن جميعاً، نثق بك، ونعرف صدقك، بالله عليك اخبرنا عن إسم السجين الذي حفر النفق.

وقف الأب، مرتجفاً ما عساه أن يقول، الحقيقة، ان الأب لم يعر أهمية لتهديد المجرم”الفريد” ولكن فكر بمصير الفريد، لو عرف الضابط حقيقة الأمر، ربما يقتله.

كرر الضابط سؤاله، غلى الأب، وهدد بالضرب بالسياط والسجن  بزنزانة منفردة، وسط سقوط الجليد.

فكر الأب ثانية بحياة الفريد، حتى لو كان الفريد هو السبب، لكل تعاسته وضياع زوجته وأولاده.

–           لن أتكلم، ولن أذكر إسم السجين، فليس ذلك من مصلحة السجين، وها أنا أمامك، فافعل ماشئت، سيدي الضابط !.

أنهال الضابط والحرس بالضرب المبرح، بالعصى والهراوات، على جسد الراهب، وغطت الدّماء معظم أجزاء جسمه النحيف، وسكب الماء على جسمه العاري، توسل به زملاؤه السجناء، أن يتكلم، ولكن دون جدوى.

ضربه الضابط بالسوط الغليظ على فمه، حتى سقطت أسنانه، وملئ فمه دماً، وقال تكلم أيها القديس قبل أن أقتلك، تكلم بحق السماء.

قال الأب:- ليس من مصلحة السجين، فلا تتأخر في ضربي.

أمر الضابط، بنقل السجين، إلى زنزانة منفردة في وسط السجن، بلا غطاء، ولافراش، ليكون عبرة لغيره.

بعد منتصف الليل، رأى الأب، المجرم الفريد، واقفاً بجانب الزنزانة، مرتجفاً، ويريد أن يفعل حاجة.

نهض الأب، وقال:- ماذا تريد مني؟! قتلتني قبل ست عشرين عاماً، وسكت، ورأيتك تحفر النفق، وتحملت ماتحملت، وسكت، لأجل أن تعيش، أذهب من هنا، قبل أن أنادي الحرس.

–           جئت أطلب العفو أيها القديس، فقد تحملت من أجلي الكثير، الكثير، وفوق طاقة البشر!.. جئت أعترف أمام الجميع بالذنب الأول، فأنا صاحب السكين الملطخة بالدّم، وأنت دفعت الثمن، وأنا الذي حفرت، وأنت تحملت السياط… يجب أن أشنق، وأموت، وأنت تخرج بريئاً، مرفوع الرأس، أيها الأب الرحيم.

–           أسكت، قال الأب… سوف تقتل، وأنا لست بحاجة إلى الخروج، فقد ماتت زوجتي، ولم يعرفني أولادي، ولم أعرف أحداً خارج السجن.

لم يتمالك الفريد نفسه، فقد أرتمى على جدران الزنزانة، مقبلاً يد الأب، جهش بالبكاء، والعويل.قال له الأب:- أسكت فقد تكون هذه عقوبة لي من الله، وأنا أستحق أكثر منها، تكفيراً لذنوبي، أسكت.. أسكت.. قبل أن تقتل.