
قاسم سبتي يطلق صوتاً من الرماد
الكتاب شاهد عبر التاريخ
أحمد كاظم نصيف
لم يكن قاسم سبتي فنانا تشكيليا مجردا، يرسم ويستعرض النظريات التشكيلية، ثم يقدم لمشاهديه خلاصة تجاربه الفنية، بل قبل هذا – وهنا ما يميزه – صاحب موقف واضح وصريح، مفرط أحياناً في صراحته ووضوحه وبساطته، شجاع لا يحفل بما يلقى عليه، وإنما يعتني غاية العناية بأن يكون مجتهداً في فهم واقعه، وأن يكون مؤثراً ومقنعاً في آن، وأن من المؤكد إن وعي الفنان سبتي وموقفه الواقعي واهتمامه بما يدور حوله من مناخ سائد، والتصاقه الشديد بالقضايا الكبرى، ولا سيما الثقافية منها، كان له بالغ الأثر في تقربه من لغة الشعب وتوظيفها في أعماله الفنية، وليست الدعوة إلى استخدام هذه اللغة بالجديدة، وانما هي جزء من معطيات الحركة الرومانسية في تاريخ الأدب والفن.
رماد الكتب المحترقة
في معرضه الأخير (حروف مخبوءة)، قدم الفنان قاسم سبتي تجربة عميقة وجادة ومجدية؛ وفيها امتدادات كثيرة، وهي الثانية، بعد معرض (أقنعة النص) الذي طاف به الكثير من مدن العالم، في سلسلة توثيقه لـ(بيوغرافية) المدينة وتقديم سيرة واقعها المعاصر، نتيجة الاحتلال الذي حرق الكتب وبعثر الثقافة، ومزق أوصال حضارة تمتد عميقاً عبر التاريخ؛ وفي هذا المعرض ومن خلال ثلاثين عملاً فنياً جسدت الأفق الملبد بالدخان الذي سيظل في رئاتنا ومخيلاتنا إلى أمد بعيد، ورصدت توجه الفنان في توظيف هذا الحدث ومعطياته الدرامية إلى عمل فني، قدم فيه وقائع حقيقية تدين الفعل الشرير والحروب والظروف السياسية وتأثيرها على المجتمعات والثقافات والسلام، وثمة مظاهر جديدة في تركيب وبناء أعماله الفنية (اللوحة)، إذ كانت هناك ترجمة للواقع، للبيئة، للمكان، هذه الأعمال الفنية فيها العديد من الأفكار، حتى إنها تحيل المشاهد إلى عالم الأدب (قصة، رواية، شعر، مسرحية)، على العموم هي تشكل نص أدبي، إنها تقدم مشهداً متواصلاً وليس لقطة عابرة، هذا الكورال الايقاعي، إن صح التعبير، يحيلنا إلى (معرض الشهيد) الذي قدمه الفنان كاظم حيدر في ستينات القرن الماضي، إذ قدم الفنان حيدر عرضاً مسرحياً من مشاهد متواصلة تتوالى في (22) لوحة، ولم يقدم لوحة مصورة صماء جامدة؛ في هذا العرض الفني المبهر، يقول الفنان قاسم سبتي بمعنى دقيق، كيف استحال هذا التراث الفكري الثقافي إلى رماد؟ وكيف كان يمارس مهمته في تعليم المجتمع وتنويره؟ بمعنى آخر، يريد أن يقدم لنا الفنان سبتي حكاية تفضي إلى كيف كان الكتاب، وماهي وظيفته، وكيف تم تأليفه، وتصميمه وإخراجه وطباعته؟، وكيف استحال كل هذا الجهد الفكري الخلاق إلى حرائق؟ وما هو مصير الأجيال عندما تجد تراث أمتها عبارة عن ركام؟ بعد أن مزق وحرق، كيف يفكر هذا الجيل وهو مجرد من أهم مصادره الفكرية؟ “رماداً صارت، فالعمر يباب”(1)? وأسئلة كثيرة قلقة وحائرة قد يطول بنا الحديث لإحصائها، وهذا يشكل بحد ذاته نداءً إلى ضمائر القائمين على نشر العلم والتعليم والثقافة والوعي والسلام في العالم، والاشارة إلى فراغ المحتوى الفكري، فقد حرق الاحتلال مكتبات الفكر، وحرق تراث أمة من ملحمة كلكامش إلى تراث حسين علي محفوظ وجلال الدين الحنفي وعلي الوردي، وعبد الجبار عبدالله، وحرق دواوين الشعراء، من المتنبي إلى الحبوبي ثم السياب وعبد الوهاب البياتي ونازك الملائكة وبُلنَد الحيدري، والجواهري وجواد كاظم وعبدالرزاق عبدالواحد ومظفر النواب وحسب الشيخ جعفر، وحرق التراث الموسيقي والنوتة التي كتبها زرياب، وروحي الخماش ومنير بشير، ومقامات رشيد القندرجي ومحمد القبانجي ويوسف عمر، وألحان جميل عباس وطالب القره غولي وكوكب حمزة، وحرق واقعيات وطبيعة الواسطي وعبدالقادر الرسام وجواد سليم وفائق حسن، ونواعير نوري الراوي؛ وغدت ممزقة مخطوطات الأدب واللغة والطب، وحوّل الكتاب إلى جثة هامدة مهشمة؛ لتكون هذه الجريمة المعادل لجريمة حريق وتدمير ملجأ العامرية(2) وكيف تفحمت به أجساد الطفولة والنساء والشيوخ وأصبحت أشلاء!
أدوات التشكيل الجمالي
لقد اشتغل الفنان قاسم سبتي في هذا المعرض على ثلاث تقنيات فنية “الرسم والطباعة والكولاج”، قدمها في ثلاثين لوحة مدهشة، يقف المشاهد حيالها مشدوهاً ومسحوراً، إذ حولت المأساة التراجيدية الملحمية (حرب، قتل، تدمير، حرق، دخان، رماد) إلى متعة بصرية، تبنى فيها الفنان الدلالة الفكرية العامة التي تطرحها اللوحة، وهي التوق إلى بعث الحياة التي غدت جافة وقاحلة نتيجة الحروب؛ واعتمد سبتي على لغته التراثية التي استمدها من مصادره وتجاربه الأولية (دراسته المبكرة، كيف مارس الفن، مَنْ كانوا أساتذته، بمنْ تأثر)، إذ يقول الفنان قاسم سبتي: “أنا ابن فائق حسن”؛ وهذا نموذج لغة لم تُسمع، ولم تُقرأ، وانما تبصرها بالمشاهدة فقط، لغة تصويرية فيها دلالات رمزية وبصرية وفكرية عميقة، “والمعروف أن سوسير(3) قد انتهى إلى عدة أمور عدها مسلمات لا يمكن النقاش فيها، منها أن: لا علاقة بين اللفظ – الصوت – ومعناه، أو اللفظ والشيء، وانما هي تسمية اعتباطية، وأن ليس للألفاظ في الأصل معنى، وانما رمز إلى المعاني بهذه الأصوات و”الصور” المحدودة في أية لغة، وأن بين الألفاظ في داخل التركيب علاقات وأن ليست اللغة جوهراً، ولكنها صورة شكلية، ليست هي الكلام ولا العكس، وان كانا متضامنين”(4)? والفنان سبتي الذي فيه عذوبة ماء الفرات، والكثير من صفاء ماء دجلة، ربما لأنه وليد منطقة (الكسرة)، قد حرص غاية الحرص على توظيف هذه اللغة في توثيق هذا الحدث توثيقاً تشكيلياً (صورياً) أسهم في رسم ملامح البطل “الكتاب”، ليظل شاهد اثبات عبر التاريخ، وقد قام بتوظيف هذه اللغة المكثفة والافادة منها لخدمة موضوعه، ثم كيف وظف المشهد الفني لخدمة اللوحة ومدى إسهامها في نمو وبلورة الموقف من الحدث، فكانت الأعمال تتجدد فيها أبدية المعنى من صيغة الزمن في العمل الفني، وفيها حداثة وشفافية متوقدة، وقد تكون هذه ظاهرة فيما يتعلق بالبنية الفنية أو تكنيك اللوحة نفسها، ولا ترتبط بمدرسة فنية تشكيلية معينة، وإنما يؤكد سبتي من خلالها انتمائه الذاتي والشخصي لمدرسة الفن التشكيلي العراقي وتاريخها المعروف بخصائصها المميزة.
الفن وحده بديل الحياة
ليس ثمة مبالغة أن نقول إن الفنان قاسم سبتي يؤدي دوره في تاريخ الفن التشكيلي العالمي، كونه يبعث برسالة سامية من أجل السلام، ولا يريد العودة إلى “أطوار التوحش والهمجية، فيما يسمى بعصور ما قبل التاريخ (التي استغرقت أكثر من 99% من حياة الانسان والتي تقدر بنحو ملوني عام)، دخلت البشرية في أخطر تجربة وامتحان ما تزال تعانيهما بانتقالها إلى طور الحضارة الناضجة، وقد تحقق ذلك لأول مرة في تاريخ الانسان بانتقال وادي الرافدين ووادي النيل من عصر ما قبل التاريخ في أواخر الألف الرابع قبل الميلاد إلى حياة التحضر والمدنية، بمختلف عناصر الحضارة الاساسية المميزة كظهور المدن وأنظمة الحكم والكتابة والتدوين والقوانين المنظمة للحياة الاجتماعية والفنون المختلفة والآداب، والممارسات الدينية ومؤسساتها العامة كالمعابد والكهنة، وأسس العلوم والمعارف، والممارسات التقنية (التكنولوجية) وأجهزة الري والزراعة، وبداية السيطرة على البيئة وتسخير امكاناتها، وعند ذاك شرع الانسان ينظر في هذا الكون العجيب، ويفكر في الحياة الاجتماعية الجديدة في معانيها وقيمها وموقعه منها”(5)? ليعبر على أن الفن وحده بديل الحياة، وأن الانسان لا بد له من أن يعيش السلام وليس الحرب والقتل، وللتوضح أكثر فهناك قصيدة للأديب الفرنسي بوريس فيّان عنوانها (سيدي الرئيس)، كما اشتهرت كأغنية أنشدها كثر من المطربين الفرنسيين وعلى رأسهم سيرج ريجياني، وللقصيدة عنوان آخر هو “الهارب من الجندية” لكنها اشتهرت باستخدام بيتها الأول كعنوان، هي التي صيغت كرسالة احتجاج قوية موجهة إلى الرئيس الفرنسي لدفعه الشبان الفرنسيين المجندين إلى القتل والقتال والموت في الحرب الجزائرية، حيث تقول في مقطعها الأول: “سيدي الرئيس/ أكتب إليك رسالة/ ربما ستقرأها/ إن توفّر لك الوقت/ لقد تلقيت أوراق تجنيدي العسكرية/ كي أذهب إلى الحرب/ قبل مساء الأربعاء/ سيدي الرئيس/ أنا لا أريد أن أفعل هذا/ فأنا لست في هذه الأرض/ كي أقتل البائسين/ وليس لكي أغضبك/ أقول لك هنا/ أني اتخذت قراري وقُضي الأمر/ سأفر من الجندية/ فأنا مذ ولدت/ رأيت أبي يُقتل/ رأيت إخوتي يرحلون/ وأطفالي يبكون/ وأمي تعاني/ هي التي اليوم في قبرها/ تسخر من قنابلكم ….؛ حين نشرت هذه القصيدة وأنشدت باتت في فرنسا على كل شفة ولسان، وكان ذلك إبان السجالات الكبرى حول الحرب في الهند الصينية والحرب الجزائرية، ومن هنا بات يكفي – وما يزال الأمر كذلك حتى اليوم – أن تقول في فرنسا عبارة “سيدي الرئيس” حتى تبدو وكأنك تمارس أقصى درجات الاحتجاج ضد السلطة العليا في البلاد في زمن الحرب(6).
الهوامش
1- محسن اطيمش، “محمد عفيفي مطر- الأناشيد”، ص25? دار الشؤون الثقافية العامة، 1992م.
2- ملجأ العامرية الذي قصفته الطائرات الأميركية في ليلة شتائية ملتهبة يوم 13 شباط عام 1991? ففي الساعة الرابعة والنصف فجراً قصفت طائرة أميركية الملجأ المحصن ضد الضربات النووية، بقنبلتين، لم تنجح الأولى باختراق سقفه لكنها أضعفته مما سهل نفاذ الثانية إلى الداخل، القنبلتان من عيار ألفي رطل، مقدمتيهما كتلة معدنية تقاوم الكونكريت والحديد، قادرة على اختراق الجدار دون انفجار، وبعد أن تصل الحيز الداخلي تنفجر لتحدث أكبر قدر من التدمير والقتل داخل المكان، في الملجأ كان يسكن أطفال ونساء وشيوخ، خرج بعضهم لأمر ولم يعودوا تاركين أهلاً لم يودعوهم وعاشوا بعد المحرقة على ذكراهم، قتل في الملجأ 408 أشخاص، بينهم 261 امرأة و52 طفلاً رضيعاً، أصغرهم يبلغ من العمر سبعة أيام، لكن لم يعثر رجال الانقاذ له على أي أثر ولم يحتفظ أهله بأية صورة، ولكنه لو عاش لأصبح اليوم عمره 28 عاماً، الجزيرة، “زياد طارق رشيد”، تقارير وحوارات، 12 / 5 / 2005م.
3- الأديب السويسري فرديناند سوسير، من أشهر علماء اللغة في العصر الحديث.
4- د. رشيد عبد الرحمن العبيدي، مباحث في اللغة واللسانيات، ص244? دار الشؤون الثقافية العامة،2002م.
5- طه باقر، ملحمة كلكامش، ص 10/11? ط4? دار الحرية للطباعة- بغداد، 1980م.
6- قصيدة ” الهارب”، “سيدي الرئيس”، للأديب الفرنسي بوريس فيّان، ترجمة د. منجي الشملي.

















