قاسم أبو البصل .. متظاهر في كل حين – حسين الذكر

296

قاسم أبو البصل .. متظاهر في كل حين – حسين الذكر

لا اعرف كيف تفكر الحكومات العراقية المتعاقبة حينما تمنح ملايين الدنانير مع امتيازات جمة تجعل من البعض ممن خدم ستة اشهر او سنة او اربع سنوات برلمانية سلطانا في بلدنا فيما تناست الكادحين ممن قضوا عمرهم في خدمة الجيش مكلفين ومن ثم عملوا في ميادين الحياة الصعبة كالبقالين والحمالين وأصحاب البسطيات والجوالين والعمالة… وغيرهم بالآلاف والملايين، بعد ان ظلوا خارج الحسابات بلا رواتب بلا معين الا من وجه الله .. ومن حصل منهم على راتب ما يسمى – فضحا وخزيا  – بالضمان الاجتماعي التي توزع بعد الذل والهوان والاستغلال البشع من طوابير الفاسدين مرتبات مخزية لا تهش ولا تنش. بمئة الف او مائتين شهريا .. في بلد نفطي ثرواته يعيش عليها الغرب والشرق فيما أبناؤها الحقيقيون بلا سكن بلا معاشات بلا وطن .. بعد ان صادروا الوطن ..

في الخمسينات …. حتى الستينات من القرن الماضي وقبل سن قانون التقاعد كان العاملون في الشركات الاهلية او ما يسمى زمن البيكات يحظون برعاية ارباب العمل الذين لا يتركون المخلصين من عمالهم حتى بعد موتهم .. وقد ذكر الصديق صباح السياب ان والده شاكر محمود الزمط كان يعمل في شركة فتاح باشا للنسيج المملوكة الى بيت فتاح باشا وأولاده.. وقد توفى عام 1963 بعد رحلة علاج الى لندن على حساب ال باشا الذين منحوا راتباً تقاعدياً لاسرته .. وقد توقف الراتب بعد تاميم الشركات الاهلية وابعاد أصحابها الى الخارج في زمن الرئيس الراحل عبد السلام عارف.. يضيف الصديق صباح .. ان راتبهم قد قطع اثر ذاك .. وعانوا كثيرا لانهم خمسة أطفال وام ثكلى .. وبعد ان نشر خبرهم في احدى الصحف المحلية .. وتسربه الى آل فتاح باشا وهم خارج العراق بادروا الى إعادة الراتب من حسابهم الخاص ولم ينقطع حتى كبر الأولاد ودخلوا معترك الحياة ..

(قاسم أبو البصل) كما يطلقون عليه في سوق مدينتنا العزيزة .. يعمل في بسطية متواضعة لبيع انواع الخضروات خصوصا البصل لدرجة غلبت عليه التسمية .. كنت دائم التردد والشراء منه حبا فيه وكونه انساناً شريفاً لا يغش ويحمل شعورا وطنيا عاليا فضلا عن كونه طريفا في نقده للأوضاع اذ يمرر كلمات ساخرة دون ان يخدش الحياء او يسيء للذوق العام وقد افتقدته خلال أيام التظاهرات التي كنت أتوقع سيكون اولهم فيها لما يحمله من صبر وضيم وسوء حال مر به خلال سنوات خلت .. بعد السؤال عليه تبين انه مريض .. فهببت اسال عنه حتى وصلت بيته المتواضع خمسين متراً بغرفة ومطبخ لا اكثر وقد سر بزيارتي كثيرا حتى قال  : (لو لا ما ورثناه من والدي لكنا في الشارع) . ثم تحدث عن نفسه ومرض زوجته وابنته التي تخرجت وهي بلا تعيين .. حتى ابكاني حينما قال : (احمد الله عندي صحتي اكد على عيالي .. وكم كنت فخوراً بتخرج ابنتي برغم انها عاطلة امامي تبكي كل حين بعد ان حجزت التعيينات لازلام السلطة ومن يواليهم) .. ثم سالته عن غيابه عن التظاهرات فقال .. انا متظاهر كل حين وفي كل مكان بعملي وبيتي وفي الجامع … كل من يراني يعرف سوء حالي الذي يستحق التظاهر حتى تسود العدالة الاجتماعية ونشعر ان العراق بلدنا .

مشاركة