قائد كتيبة قتيبة مشى برجليه إلى الشهادة – عبد الستار الراوي

من أوراق دربونة زنكو الكرخية

قائد كتيبة قتيبة مشى برجليه إلى الشهادة – عبد الستار الراوي

عرفته الفحامة صبياً ودوداً، وفتى شهماً، ورجلاً شجاعاً، اتسمت حياته بشمائل إنسانية نديّة: الصدق، المروءة، المحبة.

في نحو السادسة من عمري أصبت بجرح نافذ في قدمي اليسرى وأجريت لي عملية جراحية عاجلة وتطلب علاجي مراجعة المستشفى، فكان ابن عمي هادي يحملني على ظهره إلى (خستخانة خضر الياس)، والخستخانة هي المستشفى باللغة التركية، واستغرق العلاج ثلاثة أشهر ذهاباً وإياباً إلى أن برئت وشفيت وتمكنت من المشي والوقوف على قدمي، مرة أخرى.

أنهى هادي عبد الجبار الراوي دراسته الابتدائية في مدرسة (الزوراء)، والثانوية فى (الكرخ). انكب على (الكتاب). فلم يفارق يديه، وكان طموحه الوحيد أن يصبح ضابطاً فى الجيش، وقد دخل (الكلية العسكرية)، وتخرج فيها وظفر لاحقاً بشهادة (الأركان)، وتدرج في الترقية إلى رتبة رائد. كان وحدوياً وكانت فلسطين أحد همومه القومية، وكان يمنّي النفس أن يكون فى طلائع تحريرها.. وفى حرب تشرين الأول 1973  تحققت أمنيته على الأرض، كان يندفع بكتيبته (قتيبة) وهو يلاحق العدو في جبهة القتال جنباً إلى جنب مع القوات العربية السورية.

يقول الفريق الركن رعد مجيد الحمداني، في كتابه (قبل أن يغادرنا التاريخ):

((يوم 14/10/1973 وعندما اشتدّت رحى المعارك، وأصبح سقوط (دمشق) وشيكاً في قبضة العدو الصهيوني، كثف العدو من غاراته الجوية، محور القنيطرة – تل الشعار وقد تمكن العدو بفعل الغارات الكثيفة من استعادة جبل الشيخ من القوات الخاصة السورية وعلى ما يبدو كان العدو قد صمم على تدمير القوات العراقية لخطورة تأثيرها على الجبهة… حينها علمنا باستشهاد آمر كتيبة دبابات قتيبة الرائد الركن عبد الهادي الراوي الذي تقدم بدبابته مسرعاً نحو دروع العدو حينما اشتدت عليه نيران العدو الذي تسبب في تدمير عدد من دباباته في الجهة اليمنى من منطقة تل عنتر)).

قرر هادي أن يجعل من كتيبته التى يقودها الخط الأول للدفاع عن المدينة العربية فاستبسل في القتال هو ومن معه من رفاقه الضباط والجنود في معركة ضارية سقط فيها عشرات الشهداء، وكان آمر الكتيبة الرائد هادي عبدالجبار واحداً منهم هوى داخل دبابته مضرجا بدمائه، بعد أن أصيب بجروح بليغة.. وحين حاول جنده سحبه إلى مكان آمن، رفض الإخلاء أو الإســـــــــعاف وأصر على البفاء في ساحة المعركة وسط رجاله المقاتلين وبقي بينهم وهو يحتضن بندقيته إلى أن أغمض عينيه إلى الابد.

وهكذا قضى فتى (زنكوّْ) شهيداً، كما يموت القائد الشجاع، الذى يؤثر الموت على الحياة من أجل أن تتواــــــــصل المعركة ويتحقق النصر.

لا تزال صورته وضيئة متألقة بالمكرمات، تفرض حضورها حتى اليوم، فقد أحاط الأهل والمحبين والأصدقاء بحنوّه ورعايته.

أذكر إلى الآن همته التلقائية وكيف كان يتطوع لتدريس أولاد دربونة  (زنكو)، يراجع معنا الفروض المدرسية، ويعيد علينا (القراءة والحساب)، وليس هذا فقط، فقد كانت شهامته مضرب مثل بين أهل الفحامة ، إذْ كان يحرص طوال موسم الصيف على تعليمنا (السبـاحة)، فينزل معنا إلى (الشط)، يتفقدنا واحداً واحداً ، يسبح مــــعنا وإلى جوارنا، وبفضل إعداده وتـــدريبه اكتسبنا مهارة (السباحة) لذلك ظل قريباً من قلب جيلنا، وهو يتابع خطواتنا في الرواح والمجئ، يصطحبنا صباح كل يوم إلى مدرسة (الزوراء )، ويعود بنا بعد انقضاء الدوام.

في بدايات العام 1968 جاء مصر مبتعثاً في دورة عسكرية قصيرة أمدها ثلاثة أسابيع، وكنا نقيم وخالد حبيب الراوي وادموند ايليا بشارع بغداد في مصر الجديدة، كان يأتينا كل يوم عقب انتهائه من الدوام، بعد انقضاء دورته العسكرية صحبته إلى الاسكندرية، وتجولنا في انحائها، أبدى رغبته في زيارة قصر الملك فاروق في رأس التين وحضرنا عرضا مسرحيا، والتقى الفنان محمود المليجي والفنان فريد شوقي، وكان يمني النفس أن يحظى برؤية الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الذي كان يمثل في وجدانه قيمة نضالية كبرى.

تحية إلى روح الشهيد هادي عبد الجبار في مطلع شمس .

والسلام على الشهداء

****

{ اتخذت (جولدا مائير)، قراراً باحتلال دمشق، حيث عارض هذا القرار (موشى دايان) وقد كلف (أليعازر)، باسئتناف الهجوم. وفي صباح يوم 11/10/73 استؤنف الهجوم والتقدم باتجاه (دمشق) وتهديدها.. في صباح يوم 11/10/1973 كان قادة العدو الإسرائيلي يعتقدون أن نجاح قواتهم في (خرق) الخط الدفاعي السوري الأول سيؤدي إلى انهيار الجبهة كاملة، ويرجع هذا الاعتقاد إلى خبرة حرب (حزيران 67)، وقد رسّخت في أذهانهم أن (خرق) أي جبهة عربية في نقطة من النقاط سيؤدي إلى انهيار الجبهة بنحو آلي .. والحقيقة أن (الخرق) الإسرائيلي حدث في القطاع الشمالي من الجبهة يوم 11/10/73 و تعمق هذا الخرق، في اليوم الثاني.

مشاركة