في وداع شهر رمضان المبارك التحدي والإستجابة – حسن عاتي الطائي

في وداع شهر رمضان المبارك التحدي والإستجابة – حسن عاتي الطائي

ها هو شهر رمضان المبارك يلوح لنا بيديه الممتألقتين بالنور والعطاء مودعا بعد اتصال روحي عميق حميم بيننا وبينه واستئناس بهي بهيج طافح بالمحبة والإيمان بوجوده الكريم الذي بث في نفوسنا وقلوبنا الإطمئنان والسلام والولاء الشامل الكامل لله الواحد الأحد تاركا في قلوب المؤمنين والمحبين اثارا لاتمحى من العواطف الرقيقة المحملة بالصدق والعرفان بالجميل حيث غمرنا و شملنا ببركته وسروره وحررنا من قيود ذنوبنا واثامنا ونزوات نفوسنا واطلق اسرنا من عبودية الشر والظلام ..ان هذا الشهر البالغ العظمة الذي نتطلع جميعا للالتقاء به ومعانقته مجددا باذن الله تعالى ليس مجرد شهر من الشهور يجيء ويذهب دون ان يترك اثرا او لايلتفت اليه احد ففيه السماء تمطر ذهبا وتتوارى خجلا منه كل العملات الرديئة والمزيفة.. تشرق شمسه البيضاء في كل قلب وتلقي بظلالها الخضراء في كل مكان تصل اليه حاملة على كتفيها الخبز والامل والصباح الذي لاليل فيه توزع مالذ وطاب من فاكهة المستقبل على من يكون جديرا في الدخول الى جنات عدن التي وعد بها الله عباده المؤمنون اذا كان الصائمون فيه قد اعطوه حقه من التقدير والاحترام وأدوا واجباتهم التي فرضت عليهم كما ينبغي مثلما امر رب العباد …وكما يذوب الجليد المتراكم حينما تلسعه اشعة الشمس هكذا تذوب فيه الذنوب وتتحرر القلوب من الاوهام والشرور فيما الكلمات التي تمجد الله العلي العظيم تكتسب موقعا مميزا في النفس والضمير لها رنينها اللذيذ الذي يبعث على السعادة والراحة والانتشاء والتطلع الى السموات العلى ..ان هذا الشهر العجائبي بكل مافيه وبما يوحي به لايمنحنا البركة والبهجة والراحة الداخلية فقط.. انه ينقذنا من السقوط في بئر الجحيم ومهاوي الردى ويمدنا بالحيوية والصفاء ويطهر انفسنا وضمائرنا من اليأس والخوف ويسلّحنا بالرجاء لكي ننال رضا الرب الكريم الرحيم ودخول جنته الوارفة الظلال التي تنتظر عباده المخلصين ويعلمنا كيف نزرع وكيف نحصد وكيف نعطي ونسامح وكيف ننير الدروب المسربلة بالظلام امام الاخرين لكي لا يضلوا الطريق ويحثنا على البذل والتضحية والارتفاع على الجراح بروح ثورية انسانية نخترع فيها ابجدية جديدة للتفاهم والانسجام مع انفسنا ومع غيرنا نترجل معها عن صهوة الياس والخراب والهواجس المريبة التي تعترينا بين الحين والحين وكل عوامل التعرية والتاكل التي تحاصرنا وتقرض ايامنا وليالينا وتقرص مشاعرنا وتؤرق احلامنا ..كما ان عظمة هذا الشهر الذي ليس كمثله شهر وايامه التي ليست مثل اية ايام فرصة استثنائية باهرة لاتعوض منحها الله البارئ المصور الخالق العظيم الرحمن الرحيم لعباده اجمعين ليجددوا به شباب حياتهم وينفضون فيه عنهم غبار ذنوبهم ومازقهم وليعلنوا فيه ولاءهم الابدي لوحدانيته وربوبيته فهو الواحد الاحد الفرد الصمد الذي ليس كمثله شيئ معتمدين على رحمته التي وسعت كل شيئ .. ان النجاح في هذا الشهر الساحر الجميل القسمات الموشى بالعذوبة والحيوية والمسكون بالاشراقات الباهرة والتجليات السامية الذي نودعه الان بحب غلاب ولهفة عامرة بالسمو والاخلاص لايكمن فقط في تحدي الانسان لنفسه الامارة بالسوء والانتصار على رغباتها واغراءاتها واغوائها وكبح جماح الشهوات والنوازع السوداء فيها ذلك لان هذا الشهر الفاخر العاطر ليس مجرد طقس من الطقوس التي يمكن القيام بها بصورة ميكانيكية مجردة من المشاعر والاحاسيس او فريضة عابرة يتم التعاطي معها دون الالتفات الى ماترمز اليه او ماتمثله من مثل عليا واهداف وغايات نبيلة سامقة هي في حقيقتها تجسيد شامل لحقيقة وعظمة ديننا الاسلامي العظيم الذي انزله الله تعالى على نبينا العربي الكريم (ص)الذي كسر عزلة الصحراء التي استعمرتنا واستبدت بعقولنا واستنزفت قدراتنا وقوانا وتحولت بقوة صبرنا وايماننا الى بحر متلاطم الامواج من الاخضرار الذي غمر حياتنا بالسرور والانطلاق ..السؤال الذي يفرض نفسه الان ونحن في حالة الوداع هل كان كل واحد منا او جميعنا في مستوى التحدي والاستجابة هل تذوقنا حلاوة التحدي واستجبنا لدواعي التوحد مع الله تعالى وغادرنا مواقع الانكسار وتخلينا فيها طوعا عن كل مايمنعنا من الاتحاد مع قيم السماء الرحيمة التي تدعونا للحق والثبات على طريق الايمان حيث تضمحل وتتبدد قوى الظلا م .. نتمنى ذلك ونطمح ان يتقبل ربنا منا ما استطعنا ان نقوم به في هذا الشهر الملائكي العجيب طامعين في عفوه وغفرانه ورحمته ….ايها الشهر المبجل الذي يوزع الهبات والعطايا ويبشر بالنعيم المقيم اننا اودعك والدموع تتدحرج على صفحات وجوهنا تعبيرا عن حبنا لك وايماننا بعظمتك بينما الامل يخفق في قلوبنا مثل طير تمرد على قفصه وانطلق محلّقا في الفضاء متشبثا بحريته….