في مندلي كتبت ديواني الأول وتعلمت تدخين النرجيلة (مذكرات عبدالرزاق عبدالواحد)

ذكرياتي   -5-

في مندلي كتبت ديواني الأول وتعلمت تدخين النرجيلة

عبدالرزاق عبد الواحد

كانت الكلمات التي أنطقها لايكاد يفهمها أحد مرةً سمعت المعلمين يقولون للأستاذ شاكر محمود المعلم المراقب يوم الخميس : (ياأستاذ شاكر خطية هذا الطالب حجيه ماينفهم وانت كل خميس تطلعه هوَّنفسه يقرأ قصيدة العلم ),سمعته يقول لهم :(أنتم تشوفه شلون يقراهه؟… روحه كلها تصعد ويَّ العلم وهو يرتفع !).

في مندلي كتبت ديواني الأول (طيبة) وهي أول قصيدة فيه :

في قريتي تجفُّ البذورْ

           وحيثُ لايُزَرعُ إلا القيورْ

وحيثُ تلهو برؤوس الورى

كلٌّ الخرافات ، وكلٌّ الشّرورٌ

حيثُ يعيشٌ النّاسٌ من دونِ دورْ

     أقواتٌهم مافي الثّرى من جذورْ

وحيثُ يقسوويجفٌّ الشعورُ         وتجأرُ الأنفسُ من قدرْ

في قريتي وكلُها تجهلُ

بحيرةُ يؤنسُها جدوَل

ستسقي الوريدانِ التي تُهمَلُ

والطير والوحش ولاتبخلْ

لم يتَّموجْ صوتها سنُبلُ

ولم يبارك أرضهُها منجلُ

   لكنهّا في صمتها تعملُ!

وفي مندلي تعلمت تدخين النرجيله فقد كان قرب بيتنا مقهى يجتمع فيها المسنّون المتَعبون وكنت اشتاق الى حكاياتهم .. ولأنهم جميعا كانوا يدخنون النرجيله فـــــــقد كان عليّ أُن أُجاريهم ، وهكذا بدأتُ اُدخنّها .

يوماً ما جلس معي أحد معلمي الأبتدائية ، وكان يراقبني كيف تعلَّمتُ تدخين النارجيله فقال (أستاذ:

خوما تزعل اذا نكتت وياك ؟).. قلت لا، قال :

(كانت مدرستكم هذه في العام الماضي قبل أن ترسلكم الدولة أنتم وجبة المدرسين فيها الأن ، كانت مدرسة أهلية .. الأهالي يعينّون أساتذتها من أهل البلدة .. الطبيب يدرّس العلوم، والمحامي يدرّس الاجتماعيات والشيخ – رجل الدين – يدرس اللغة العربية والدين ). قلت نعم … قال : (في العام الماضي كان مدرّس اللغة العربية شيخّا يدخن النّركَيلة .. في اليوم الاول من السنة الدراسية خرج مدبر المدرسة من غرفته ليفتش صفوف المدرسة الثلاثة ، عندما وصل إلى باب الصفّ الثاني سمع قرقرة ناركيلة ثم رأى الشيخ واضعاً ناركَيلته في الصف يدرسّ طلابه وهو ينركَل).

قال له المدير :(أستاذ شلون تدخن ناركَيله في الصف ؟ ) قال (شبيهه الناركَيله ؟) وبدأ يصرخ على المدير ! إعتذر المدير وانسحب ، في اليوم التالي زار المدرسة مفتشاً جاء من بعقوبة رافقه المدير حتى وصل للصف الثاني فاعتذر وهو يقول له :أستاذ تفضل لوحدك لهذا الصف ، فاستغرب المفتش .. حين وقف بباب الصف رأى الشيخ وهو يدخّن النركَيله وعلى السبّورة عنوان الدرس لذلك اليوم : الماضي والمضارع والأمر.

دخل المفتش الصف ، وكان الشيخ قد سمع بقدومه ، فقال للشيخ :(أستاذ هاي شنو الناركَيله في الصف ؟) فغضب الشيخ غضباً شديداً وهو يقول : (شبيهّه الناركَيله ؟؟ عار ؟!) تراجع المفتّش معتذراً وقال :العفو أستاذ تفضل كمّل درسك. قال الشيخ :(إنت شعليك بالناركَيله ؟؟ شوف الطلاب شكد مفتهمين الدرس) .. إعتذر المفتش مرةً أخرى وهو يقول : تفضل أستاذ كمل درسك . إلتفت الشيخ إلى التلاميذ وقال لهم :أولادي .. نبدأ الأن بالفعل الماضي :كتبَ فصاحوا جميعاً : فعل ماض

درسَ .. صاحوا :فعل ماض .

خرجَ صاحوا : فعل ماض

فالتفت إلى المفتش قائلاً : (شوف الطلاب شعلة نار أكو أحد بيهم يغلط بالجواب ؟؟ مو جاي تحاسبني على الناركَيله ).. قال المفتش : العفو أستاذ .. تسمح لي آنه أسأله ؟ ).. قال له (إسألهم .. شوف شكَد فاهمين الدرس) .

فقال المفتش للطلاب :(أولادي … راح نبدأ بالفعل الماضي .. الماضي مو تنسون ) كتبَ فصاح الطلاب فعل ماضي

قال : ذهبَ .. فصاحوا :فعل ماض قال : ذهبَ فصاحوا : فعل ماض

قال : يلعبُ فصاحوا : فعل ماض.. قال : ناركَيلة … فصاحوا فعل ماض !

من يومها قررت ترك تدخين الناركَيله ، وبدأت تدخين البايب !.. الذي رافقني حتى عندما انتقلت الى الحلة .في مندلي أُصبتُ بقرحة إلاثني عشري ، وقد عالجني منها الدكتور كَرجي ربيع في بغداد .. سألني ماذا تعمل ؟ قلت أنا مدرس لغة عربية في مندلي . قال هذه أولى اسباب الإصابة ! وبعد ؟ قلت :وأكتب الشعر . أحالني الى الاشعه فظهرت كتشخيصة تماماً . في ملتقى الإثني عشري في المعدة .قال : الدواء لايفيدك .. الحمية وحدها هي التي تشفيك .. سأعطيك قائمة طعام عليك أن تأكل وفقها : أسبوعان تشرب حليباً فقط معه بعض الكعك الناشف وسأعطيك نترات تضعها على الحليب لكي لايسبب لك الغازات ، أسبوعان بعدها تأكل الفواكه بالإضافة الى الحليب .. أسبوعان تأكل وجبات لحم مشوي صغيرة .

كانت عندي خالة تعيش في خرابة ولديها ثلاث بقرات تعيش من حليبهنّ.. خصصت واحدة لي .

الذي فعلته أني ضاعفت المدُد كلَّها .. بدل كل اسبوعين جعلتها أربعة أسابيع ، ثم ذهبت إلى الدكتور وحكيت له مافعلت .

قال: لاحاجه إلى فحصك .. قلت( لا دكتور الله يخليك أريد تفحصني …فأحالني إلى طبيب الأشعة الدكتور شوكت محمود في شارع أبي نواس حين أخذ لي الاشعة ظهرت القرحة متليفّة .

وعدت إلى مندلي قررت طبابة المعارف نقلي إلى بغداد خوفاً من حدوث نزيف في القرحة .

جئت إلى بغداد حاملاً تقرير طبابة المعارف وراجعت مدير عام التعليم الثانوي ..قال : هذا الحلم لاتحلم بهِ اختار اي مدينة قريبة من بغداد، أما بغداد فلا ! واخترت الحلة ونقلت من مندلي إليها مدرساً في متوسطتها متمماً لنصابي في إعداديتها ..في الحلة. أستأجرنا بيتاً على شاطئ النهَّربإيجارغير معقول .. ساومنَا ان يشاركنا في دخل العيادة أو أن

ندفع له ثلاثين ديناراً شهرياً إيجاراً لبيته ، ووافقنا على دفع الثلاثين ومنذ ذلك اليوم صارأهالي الحلة يسمونَه بيت أبو ثلاثين !

كان اخو مالك البيت جارنا داراً لدار وكنا ندفع له الإيجار شهرياً ويوصله هو إلى أخيه ..بعد عدة أشهروجدنا داراً في محلة الجامعين مقابلاً لبيت المرجع الديني السيد مرزة القزويني رحمه الله ومجاوراً لديوخانيتّه ..وكان يعود لحاكم في الحلة .إستأجرناه

بنفس الإيجار الذي كنا ندفعه للبيت السابق.عندما انتقلنا إلى البيت الجديد أقام علينا التتنجي ، صاحب البيت السابق الدعوى على أننا لم ندفع له إيجار ستة أشهر وعندما حضرت إلى المحكمة سألني الحاكم : هل عندك ايصال بما دفعت ؟ قلت لا .. كنا ندفع الإيجار شهراً بشهر لأخيه وهو جارنا .. وشهد الأخ بصحة قولنا ، ولكن أخاه أنكر ! قال له الحاكم: هل تضع يدك على القرآن وتقسم أنك لم تتسلم الإيجار ؟ قال نعم .. ووضع يده وكانت ترتجف دون أن تلامس كتاب الله ! قال له الحاكم 🙁 الكذب كَاعد يرجّفك؟ ثبت يدك على القرآن واحلف أنك لم تستلم منهم الإيجار) ، ففعل ، واضطررنا إلى أن ندفع له الأيجار مرةً ثانيهَ.مساء نفس اليوم دهست سيارة مسرعة إبنة صاحب الدار الصغيرة ، وفي الليلة نفسها شب حريقُّ في دكان التتن العائد له ولأخيه! فجاء إلى بيتنا صباح اليوم التالي يتوسّل (هاي فلوسكم أخذوهه بس أبروني الذمّة ..بس راح أكَطع منها فلوس الكّفارة اللي دفعتها للسيد مقابل اليمين) !

أسعد مافي دارنا الجديد كانت مجاورتنا للسيد مرزة القزويني . أذكر أننا كنا جالسين في ديوخانته في الجزء الصيفي منها .. وجاء له عبده بطاسة من بلّور مليّئة بعصير العنب ووضعها على منضدة من مرمر إلى جوارها ، فحملها السيد ونهض متجهاً لي قال: ابو خالد .. الدكتورة مشبّعتنه بمقوّياتها اليوم إحنه نريد نشربك من مقوياتنة . واتجه إلى بين أكثر من عشرين من القزاونة والضيوف الجالسين ، فنهضت إليه قائلاً:

(تفضل إشرب وأنا اشرب وراك.). قال 🙁 لا.. تريد تكَول أن مرزة القزويني يتنجّس منّي وشرب كَبلي ؟ وجّدي رسول الله .. تشرب أنت وسأشرب من نفس الموضع الذي تضع عليه شفتيك) ..وفعّلهَا تماماً!!.

أذكر مرةً أن ابنتي رغد وكانت صغيرة جداً ، كانت تركض خلفه وهو متجه غلى الشاطئ وسبحتّه متدلّيه من يده فمدّت يدها إليها تريد الإمساك بها فقال لها :(لابنيتي لا تروحين تصيرين خَيرةَ وهذا مو زمان خَيريَن) !

في ثورة 1963 أودعت في السجن جاءوا الى زوجتي وقالوا لها : إذا لم يسلّم نفسه خلال ساعتين فسنقتله في أي مكان نعثر به عليه .. وكنت مختبئاً عند بيت طبيب بيته قريب منا ، وكان بعثياً . عندما قالوا ذلك لزوجتي نقلوا لي أنها قالت :عميت ! .. وجاءتني مسرعةً وأخبرتني بما قالوه فجئت إلى البيت واتصلت بمركز الشرطة .. قلت أنا جاهز تفضلوا

عندما جاءتني سيارة الشرطة كان خالد ورغد ، إبني وأبنتي يبكيان .. انتزعوني من بينهما ووضعوني في البيك أب واتجهوا إلى مركز الشرطة .

في هذه اللحظة أتذكر أن الدقائق الخمس التي استغرقتها البيك اب للوصول إلى مركز الشرطة كانت أصغر دقائق مرتّ بعقلي بحيث رأيت فيها حياتي كلّها ! ودخلت البيك أب مركز الشرطة . قلت عبد الرزاق .. إرفع رأسك عالياً لاتنظر لأحد .. في الحقيقة كنت قد رأيت جماعة من رفاقي مكدّسين على بعض في التوقيف .. ومارفعت رأسي تكبّراً ولكني ماكنت أريد أن أرى من اين ستأتي الضربة القاتلة!. اتجَّهت الى الموقف ، وكان شرطيُ ضخم يحمل بندقية واقفاً في الطريق .. ماإن وصلت إليه حتى لطمني بأخمص البندقية على وجهي فوقعت أرضاً. وبدأت عملية ضربي بوحشية لايصّدقها عقل !. كانوا يضربونني بصوندة ملفوف عليها واير حديدي ..كلمّا تقع على رأسي يغمى عليّ فيسكبون على وجهي سطل ماء يوقظني ثم يبدأون ضربي من جديد ! كان أحد المعلمين وهو يضربني يقول لي : (ولك إنته تصير رئيس جامعة ؟ .. إنته ؟؟ ) ووسط كلّ هذا التعذيب كنت أقول له :(أخي .. أنه ماصرت رئيس جامعة )، ولكنه يستمر بضربي بلا رحمة !

في اليوم التالي قرروا نقلنا إلى السجن ، وجاءوا بلوري حشرونا فيه ، وكنت في حال يرثى لها ..واذا بضابطٍ برتبة عقيدٍ او عميد يقف قرب اللوري ويقول: (منو عبد الرزاق عبد الواحد خل يوكَف)..وقفت .. فأخذ يكيل لي سيلاً من الفشار لاينطق به أقذر الناس..ويردد:(آنه بيدي راح أعدمك!) فسحبني جماعتي من دشداشتي وأجلسوني في قاع اللوري.

هنا غامت الصورة في رأسي .. لاأدري أين كنا عندما كانوا كلّ ليلةٍ يرسلون عليَّ بعد منتصف الليل ويبدأون بسؤالي وهم سكارى : أنتم الصابئة… لماذا تحقدون على العرب والمسلمين؟!

ولكنهّم ، ولتوصية خاصة بمعاون الشرطه من أهل زوجتي جيران أهله ببغداد ماكانوا يضربونني أو يعذبوني كما عذبوا الأخرين .

في أحدى الليالي جاء إلى السجن الضابط الذي هددني بأنه سيعدمني بيده ، وقال لمعاون الشرطه هناك :عبد الرزاق عبد الواحد مطلوب من القيادة في بغداد ، ويجب أن أخذه الليلة .

مشاركة