في محترف التشكيلية سلمى مريم الشرايبي

في محترف التشكيلية سلمى مريم الشرايبي
إعادة الفن التشكيلي المغربي إلى بداوته
فيصل عبد الحسن
تنقلك فرشاة الفنانة المغربية سلمى مريم الشرايبي إلى عالم الحلم، وإلى ما كان يدور في خيال الأطفال عن العالم الخارجي.
وقد تميزت الفنانة بحرفية متقنة، إذ تلقى العديد من لوحاتها المعروضة في جناح معرض الفنون وسط مدينة الرباط محبة الأطفال، وترى بهجتهم مضاعفة، وهم يدورون حول ما عرض من لوحات لها.
قدمت الفنانة في معرضها الأخير لجمهورها باقة من تشكيلاتها اللونية، التي تذكر الرائي بأعمال الكولاج، والتسيق البصري للألوان الطيف، ولوحاتها تشير إلى فرح الفنانة، وهي تقدم مساقط هندسية، تعتمد على قدرة الرائي على تخيل المنظورات المختلفة لكل لوحة من لوحاتها.
وقد قدمت الفنانة في معرضها الأخير أكثر من عشرين لوحة، وهي نواة حقيقية لعملها في وضع المنظور الهندسي في خدمة الرسم التشكيلي، فهي تزاوج بين رؤية تشكيليلة وأخرى معمارية، فالفنانة تضع موازنات رياضية بين الشكل وحسابات الطول والأرتفاع، وعمق اللوحة، وزاوية النظر لكل لوحة.
والفنانة ليست بعيدة عن الهندسة، فهي خريجة كلية الهندسة المعمارية عام 1999 بمدينة الرباط، وكذلك فهي درست الفن التشكيلي دراسة أكاديمية، وتخرجت من جامعة السوربون بباريس، ونالت الدكتوراة في تأريخ الفنون عام 2005.
الأفق الأحمر
قدمت الفنانة في ستة معارض فردية عشرات اللوحات، أبتداء من معرضها الاول عام 2009 بالرباط وأنتهاء بمعرضها في جناح معرض الفنون عام 2013 بالرباط أيضاً، أضافة إلى سبعة معارض جماعية آخرها كان في الدار البيضاء عام 2012.
وتتكرر صورة الانسان بشكله العام الرمزي في العديد من لوحاتها، وتراه وهو يسير على خط مستقيم يذكر الرائي بالسراط المستقيم في يوم القيامة، حيث السقوط من ذلك الحد الفاصل يكون أما إلى الجنة أوالنار.
مصير المجاميع البشرية تجده واضحا في الكثير من لوحات الفنانة، وهو يذكر أيضاً بأرهاصات الطفولة، وما يتخيله الطفل عن الموت والحياة، ومصير الانسان بعد الموت، وما يبنيه من خيالات في درس الدين عن الثواب والعقاب في الآخرة.
ويتردد أسم الجلالة الله تعالى في لوحاتها التجريدية، فهو يحيط بأغلب لوحاتها، فتجده في البحر الأزرق الذي يستغرق جزءاً كبيراً من إحدى لوحاتها، وتجده أيضا في دوائرمرسومة من رجال يطيرون في فضاء اللوحات.
الله تعالى الخالق بجماله وجلاله وكماله، وما اغدقه على الكون من نوره وحكمته، وجلال صنعته تجده يتشكل لمدح دقيق صنعه في الأفق الأحمر، ومن جمال أطياف الأشجار، التي تبدو على الضفاف في لوحات المعرض.
مهارات الرسم
تمتاز لوحات الفنانة بالكبر فهي فنانة تحرص على أن تكون لوحاتها مشابهة للواجهات المعمارية، التي درستها في كلية الهندسة.
والمعروف أن المهندس المعماري، هو فنان تشكيلي درس علوم الرياضيات والهندسة والفيزياء والكيمياء ليستطيع أن يشيد واقعاً جمالياً، حقيقياً على الأرض, وأن لا يبقى ما يتخيله رسماً مجرداً، ورؤية تصورية على الورق أو القماش.
وتتراوح أحجام لوحات الفنانة بين 2.5 متر في 1.7 م و 1.8 م في 95. م وهي أبعاد مهمة للوحات يرسمها الفنان بفرشاته، لأنها ستبرز مهاراته في الرسم، وقدرته على تنسيق ألوانه بشكل جمالي ملفت للنظر في المساحة الواسعة المرسومة.
كما أن وحدة مزج الألوان وتناسقها تفرض على الفنان عملاً صعباً، وأستمرارية مرهقة جداً لمن يملك بنية هشة لا تحتمل العمل المرهق والجاد لفترات طويلة، وما أن ترى الفنانة التي قامت بهذا العمل، فستدهش حتماً وتتساءل، كيف تمكنت ببنيتها الضعيفة من أنجاز تلك الأعمال من دون مساعدة أحد ؟
وتنقلك الكثير من لوحات معرض الفنانة إلى عالم الطفولة، الذي لا يميز بين قسمات الوجوه، وتبهره الألوان الساخنة، ويعشق تداخل الألوان من دون مزجها بحيث يبقى كل لون مستقلاً بذاته، كما أن رسم الأشكال الهندسية كالمربع والدائرة وأرباع الدوائروالمستطيل، أقرب إلى فهم الطفل لأشكال الوجود من حوله.

البداوة
لذلك فإن دهشة الطفل ستكون كبيرة حين يرى لوحات المعرض، وسيحب تلك اللوحات ويحاول في أقرب فرصة ممكنة أن يحاكي ما رآه من لوحات، فللوحات المعرض هدف أسمى آخر بمعنى آخر غير أهدافه التشكيلية الأخرى، وهو تقريب اللوحة التشكيلية من الطفل وجعله يرى جماليات اللون والأشكال الهندسية.
وربما لهذا السبب فإن عددا كبيراً من الأطفال كانوا يزورون معرض الفنانة ويتقافزون راكضين لرؤية لوحاتها، كفراشات ملونة تطير بين زهور بستان كبير.
لوحات اخرى رسمتها الفنانة باللون الأحمر، وأخرى يغلب عليها هذا اللون، واخرى تصدمك بسوداها واخرى بلونها الفيروزي، لكنها جميعاً تعطي انطباعاً عاماً لمن يزور المعرض، بأنه يزور معرضا لفنانة لا تضع حدوداً فاصلة بين متذوقي فنها من مختلف الفئات العمرية، فهي تسعى إلى خلق الفرح والدهشة في عيون الجميع.
واللوحات تعيد الرائي إلى ما ابدعه الفنان المغربي التقليدي المغربي، مما نقش عادة على الزربيات وعلى المحافظ الجلدية وأوشحة النساء، وما طرز على وسائد النوم وشراشف موائد الطعام.
وكذلك مما نقش على سروج الخيول، وبدلات الزفاف، ومقدمات خيام القرويين في البوادي، وما جملت به الصناديق الخشبية، المرصعة بالنحاس، وحملته القلائد الحجرية من نقوش، وما تجملت به النساء من رسومات الحناء، وما يستخدم من أعشاب الشيح والزعفران وقشور الرمان في تلوين وجوه العرائس ليلة الدخلة.
فالفنانة سلمى مريم الشرايبي أعادت الفن التشكيلي المغربي إلى بداوته، ونقلت الرائي إلى سفوح جبال الأطلس، حيث أولئك الذين طرزوا حياة الأجداد بأجمل ما لديهم من ألوان أخترعوها، مما أنبتته الجبال من أعشاب وزهور.
AZP09