في ظاهرة التنازل عن السلطة عبر التاريخ

731

في ظاهرة التنازل عن السلطة عبر التاريخ

شكري القوّتلي.. المواطن العربي الأول

شكيب كاظم

كثيراً ما أقرأ أو أسمع أو أشاهد من يكتب أو يتحدث عن ظاهرة الإيثار والتنازل عن السلطة سواء في العالم أم الوطن العربي، ويذكرون العديد من الشواهد والحوادث  مثل تنازل الملك إدوارد الثامن عن العرش الملوكي البريطاني سنة .1936 بسبب زوجته الأمريكية الأصل ولما كانت القوانين البريطانية الصارمة لا تجيز للملك أن يعتلي سدة الحكم في بريطانيا إذا كانت زوجته غير بريطانية فضلاً عن كونها مطلقة فما كان منه إلا أن يتنازل عن العرش لأخيه جورج السادس في جلسة عاصفة مشتركة لمجلس العموم واللوردات البريطانيين، لقد كان عاشقاً لزوجته الأمريكية ومن المدلهين بها حباً فتنازل عن العرش إكراماً لها وبقيا يعيشان في الولايات المتحدة حتى مغادرته الحياة في خريف سنة 1971. كما يقف التاريخ عند الجنرال شارل ديغول قائد جيش التحرير الفرنسي بعد الاحتلال الألماني لها أثناء الحرب العالمية الثانية وتوليه قيادة فرنسة من خلال انقلاب عسكري في شهر مايس  1958 وثابر كي تكون فرنسا قوة مؤثرة أوربياً وعالمياً بعيداً عن التطابق مع أمريكا والذي يسجل التاريخ له الانسحاب من الجزائر بعد معارك دامية ضد مجاهدي جبهة التحرير الوطني الجزائرية منذ الأول من تشرين الثاني 1954 وحتى آذار /1962 حيث عقدت اتفاقية إيفيان نالت الجزائر العربية استقلالها بموجبها كما يذكر الناس والتاريخ موقفه الرائع إزاء إسرائيل التي كانت البادئة بشن الحرب فجر الخامس من حزيران/1967 ومنع تصدير طائرات الميراج لها، هو الذي كان قد أعلن موقفه الصارم من أنه سيكون ضد البادئ بشن الحرب، وهذا الرئيس العملاق يتنازل عن السلطة ربيع سنة 1968 أثر ما عرف في الأدبيات السياسية (ثورة الطلبة) التي قادها الطالب المشاكس (بانديت) فضلاً عن كتابات (هربرت ماركيوز) واندفاعاته الثورية. تنازل باني فرنسة الحديثة الجنرال شارل ديغول أمام تظاهرات الطلاب ولينسحب من الحياة السياسية بهدوء، ويموت في الريف الفرنسي خريف سنة 1970 وما زال في الذاكرة الكتاب الذي ألفه (فريدريك فورسيت) وعنوانه (يوم ابن آوى) الذي يتحدث عن آخر واخطر محاولات اغتيال ديغول، ونشرته المؤسسة العربية للدراسات والنشر / بيروت سنة 1973 ترجمة عدنان الكيالي، وأيلي لاوند وقد نقل الكتاب إلى الشاشة الفضية فيلماً رائعا. كما يقف التاريخ عند إصدار الأمير عبد الإله ولي العهد العراقي أوامره إلى العقيد طه مصطفى البامرني آمر الحرس الملكي بعدم المقاومة وإيقاف إطلاق النار ضد مهاجمي قصره.

قصر الرحاب فجر يوم الاثنين الرابع عشر من تموز 1958

حقناً للدماء غير أن البامرني انقلب مئة وثمانين درجة ليصبح قائداً للمقاومة الشعبية وهذا ما لم يقف الدارسون عنده إلا قليلاً لكون أيام الملوك قد أدبرت والناس على دين ملوكها! كما يذكر التاريخ استقالة الرئيس جمال عبد الناصر عصر يوم الجمعة الأسود التاسع من شهر حزيران /1967 بعد تدمير إسرائيل لسلاح الجو المصري وسحق القوات المصرية في جزيرة سيناء ووصول القوات الإسرائيلية إلى الضفة الشرقية لقناة السويس وتحمل المسؤولية بخطاب قصير متلفز وهذه مسألة قد نقف عندها يوماً كي نحللها، ففيها شؤون وشجون! ويوم توفي قائد شعب جنوب أفريقيا ضد نظام الفصل العنصري المعروف باللغة الإنكليزية بـ (Aprathied)  الابرهايد ( نلسون مانديلا) (18/تموز/ 1918- الخميس 5/12/2013) هذا النظام العنصري الذي كان على رأسه (فردريك دو كليرك) الذي رضخ أخيراً لمطالب السكان الأصليين  السود فأطلق سراحه من السجن الذي أمضى فيه نحو سبعة وعشرين عاماً في 11/  من شباط/ 1990 ومن ثم ليتفاوض معه على الانتقال السلمي للسلطة وليتولى الرئاسة سنة 1994 بإجماع شعبي قل نظيره، وما عاقب من أساء إلى شعبه وإليه من المستوطنين البيض، ليبدأ حياة جديدة من التسامح والعيش المشترك. أقول وقف العالم طويلاً عنده وعند تخليه عن السلطة بعد أول دورة انتخابية! صورة رائعة من صور الإيثار ونكران الذات، ومن قبله تخلى عن السلطة الرئيس المثقف الشاعر الدارس لمفهوم الزنوجة وأول رئيس للسنغال التي نالت استقلالها عن فرنسة صيف 1960 (ليوبولد سنكور) الشاعر الفرنكفوني الذي يكتب بالفرنسية بخلاف أكثرية الزعماء الأفارقة لا يغادرون كرسي الحكم إلا إلى التابوت ومن ثم إلى القبر!

ظاهرة ماديلا

أقول قرأت الكثير عن ظاهرة (نيلسون مانديلا) ويكاد الكتاب والمتحدثون ، إذ درسوا هذه الظاهرة، مغادرة السلطة بمحض الإرادة، يقفون عن الفريق (سوار الذهب) الضابط السوداني الذي أطاح بحكم جعفر نميري الذي جاء إلى السلطة بانقلاب 1969. سوار الذهب أجرى انتخابات رئاسية وسلم السلطة إلى المدنيين، لكني لم أجد من وقف عن ظاهـــــــــرة (شكـــــــــري القوتلي) الرئيس السوري الأسبق (21/10/1891-0/6/1967) ويبدو أن سوء الحظ لازم هذا الرجل المتقشف والبسيط، فلقد مات بهدوء ولم يذكره ذاكر، إذ توفي والوطن العربي ضاج بتداعيات حرب حزيران وهزيمتنا النكراء والنزوح المدمر للفلسطينيين من الضفة الغربية التي احتلتها إسرائيل ليكون هذا النزوح أشرس وأشد من النزوح الأول بعد حرب مايس 1948 وتأسيس الكيان الصهيوني في الخامس عشر منه، وقضية (ماكو أوامر) التي عاناها الجيش العراقي بقيادة أمير اللواء صالح صائب الجبوري، وقضية أسلحة الجيش المصري الفاسدة. شكري القوتلي الذي شغل منصب وزير الدفاع أثناء حكومة الكتلة الوطنية الأولى سنة 1936 ثم ليصبح أول رئيس لسوريا بعد الاستقلال والانسحاب الفرنسي منها في 17 من آب 1943 ولينقلب عليه الضابط حسني الزعيم في 30 من آذار 1949 وسورية بلد الانقلابات، إذ ما لبث ان انقلب سامي الحناوي على حسني الزعيم في السنة ذاتها، وسجل أديب الشيشكلي آخر سلسلة انقلابات العسكر، ثم يعود شكري القوتلي للرئاسة سنة 1955 ونظراً للأزمة الناشبة مع الجارة القوية تركيا التي ما نسيت أيامها في بلاد الشام أيام الحكم العثماني فضلاً على مطامح ولي عهد العراق الأمير عبد الإله ببلاد الشام هو الذي لم ينس كذلك أيام ما عرف بــ (العهد الفيصلي) أي أيام الأمير فيصل في بلاد الشام بعد الاندحار العثماني في الحرب الأولى وتأسيس السلطة العربية ببلاد الشام بقيادة الأمير فيصل بن الحسين لكل هذه الظروف الخارجية فضلاً على الداخلية صراع الأحزاب، فقد توجه الرئيس السوري شكري القوتلي بعد اتصالات مكثفة مع مصر جمال عبد الناصر (1918- 1970) على رأس وفد كبير  ضم وزير الخارجية الأكثر شهرة في تاريخ سورية صلاح الدين البيطار، ووزير الدفاع القوي خالد العظم، وفعاليات سياسية وشعبية، وبعد مباحثات عميقة وطويلة أعلن في الثاني والعشرين من شباط 1958 قيام أول وحدة في تاريخ العرب الحديث وتوحيد البلدين سوريا ومصر في دولة واحدة سميت بــ (الجمهورية العربية المتحدة) ولتكون مصر أقليمها الشمالي، وتنازل الرئيس السوري شكري القوتلي بمحض إرادته ورغبته عن الرئاسة وليطلق عليه اسم (المواطن العربي الأول) وظل هذا الاسم (الجمهورية العربية المتحدة) على الرغم من الانفصال الذي حدث في  28 من أيلول 1961لكن الغاه الرئيس أنور السادات الذي خَلَفَ الرئيس جمال عبد الناصر اثر وفاته المــــــــدوية بعد تســـــــــعة أعوام من الانفصال أي في 28-  من أيلول  1970 عن اثنين وخمسين عاماً بسبب الإرهاق والألم النفسي الذي أصابه اثر معارك أيلول 1970بين المقاومة الفلسطينية  والجيش الأردني، ومن ثم عقد مؤتمر قمة طارئة في الشهر ذاته بالقاهرة لإيقاف القتال بين الطرفين، وإذ ما نجح ناصـــــــر في إيقاف القتال والاطمئنان على الدم العربي في أن لا يراق بيد العربي فإن قلبه ما نجخ في مده بالحياة ونسغها، لقد خذله قلبه، فذهب ناصر للقاء ربه. ترى هل أعدت لهذا الرئيس الذي نسي الدارسون ذكره، أو أُنسوا ذكره، شكري القوتلي الذي كان أول رئيس عربي يتنازل عن السلطة إيثاراً ونــــــــزاهة وتقشفاً مؤثراً مصلحة البلاد والعــــــــباد على المصلحة الشخصية فهـــــــل سيدرس الدارســــــون والمهتمون بالرأي العــــــــام حيـــاة هـــــــذا الزاهد بالرئاســــــة، شـــــــكري القوتلي…؟

مشاركة