في رحيل مبدع

208

في رحيل مبدع
انور عبد العزيز
زهير إبراهيم رسّام من أسرة علمية أدبية.. أبوه إبراهيم رسام كان معلماً ورياضياً ومحنّطاً، وهو أول من أنشأ نواة لمتحف التاريخ الطبيعي في غرفة بسيطة في الإعدادية الشرقية بالموصل بعد عودته من دورة في فن التحنيط بكلكتا بالهند.. وحنا رسام عمه وهو من رواد المسرح والرواية وكان قائمقاماً في قضاء العمادية ويتقن أكثر من لغة تحدثاً وكتابة ومنها العربية والكردية والتركية والسريانية والفرنسية.
وقد توفي سنة 1957، أما عمه الآخر فهو نوئيل أويوئيل رسام وكان محامياً وأديباً وهو من رواد كتابة القصة القصيرة جداً عراقياً وعربياً وكما ذكر ذلك العديد من النقاد والأدباء منهم باسم عبد الحميد حمودي وعمر الطالب وهيثم بهنام بُردى… وقد سبق يوئيل رسام القصص القصيرة جداً لناتالي ساروت الفرنسية بثلاث سنوات مع فارق الإبداع الفني لقصص ساروت… أول تعرفي على الراحل زهير رسام كان سنة 1957 إذ جمعنا الفرع الأدبي في الإعدادية الشرقية وعشق القراءة والإعجاب المشترك والمحبة لنجيب محفوظ، أنهينا الإعدادية وقُبلنا معاً في قسم اللغة العربية بدار المعلمين العالية، كان همنا القراءة وأحاديث الشؤون الأدبية، كنا نشترك في السكن في الأقسام الداخلية وفي نفس الغرفة أو القاعة ولأربع سنوات.. تخرجنا معاً سنة 1961 وصدر أمر تعييننا معاً مدرسين للغة العربية.. طيلة سنوات الشرقية ودار المعلمين العالية لم يكن زهير رسام معنياً بالكتابة.. أنا كنت أكتب وأنشر في صحف ومجلات الموصل وبغداد وزهير ظل قارئاً فقط.. بدأ اهتمامه وكتاباته في أدب الأطفال في سبعينيات القرن الماضي وقطع شوطاً إبداعياً في هذا المجال إذ أنتج أكثر من عشرة كتب صدرت عن دار ثقافة الأطفال و اتحاد الكتّاب العرب بدمشق وعن مؤسسات ثقافية أخرى، بالإضافة لنشره عشرات من القصص والحكايات والسيناريوهات في مجلتي و المزمار وفي صحف ومجلات عربية متخصصة بأدب الأطفال في سورية والأردن والكويت وغيرها..
كان الراحل غزير النتاج وخاصة في سنواته الأخيرة فقد كان يشعر أنه مسؤول أمام أطفال وطنه في غرس قيم المحبة والنبل ونبذ الكراهية وأحلال روح التآلف والحنان والتعاطف والصدق ونظافة القلب واليد واللسان في أبناء الجيل وبخصوصية الصغار الذين كان يكتب لهم.. كان يراسلني وأكثر من مرة كتب لي لن أتوقف عن الكتابة حتى يسقط القلم من يدي.. زهير سيظل قلمك منتشياً وفاعلاً فيما تركته من كتابات جميلة حميمة لأحبتك الصغار، الذي همد هو الجسد فقط أما الروح فهي مشرقة متفاعلة في سماء الخلد بأذن الله تهدي للصغار حميمية كتاباتك التي لم تتوقف لأربعين سنة وأكثر وبذلك العشق البهي للصغار وأحلامهم وتطلعاتهم ومسراتهم وموجعات أحزانهم البريئة ونقاء ونظافة عوالمهم المضيئة بفرح المحبة وأحلام الطفولة…
وتقديراً لجهود الراحل، فقد حظي بأكثر من درع للإبداع و شهادة تقدير و جوائز التفوق من عديد من مؤسسات ثقافة الأطفال والجامعات، كما كانت له إسهاماته في إلقاء محاضرات عن أدب الأطفال في هذه الجامعة أو تلك يضاف لها أن جهوده ومساهماته الثرية في الكتابة للأطفال قد حظيت بتقدير كثير من الأكاديميين في أطروحاتهم الجامعية، منها أطروحة الدكتور جعفر صادق محمد المعنونة قصص الأطفال في العراق 1969 ــ 1979 وأطروحة رائدة عباس من الموصل بعنوان قصص الأطفال في الموصل 1968 ــ 2000 وأطروحة أياد عبد علي العجائبية في قصص الأطفال في العراق 1980 ــ 1990 كان لصديقي الراحل زهير عادة رائعة قد لا يعرفها الكثيرون عنه، فهو كان في كل عطلة صيفية لشهر أقل أو أكثر يختار مدينة أو بلدة صغيرة من وطنه يعايش ناسها في الشمال أو الوسط أو الجنوب، لم تكن قضية الطعام تهمه فهو كان يكتفي بأبسط المأكولات وكذا مسألة السكن في أرخص الغرف والفنادق حتى تلك التي لم يكن فيها تكييف جيد مع حرارة لهيب الأصياف، ليس غير مروحة سقفية تلهبه بهواء حار ثقيل.. وعندما كنت أقول له خفف عنك بعض هذه المعاناة كان رحمه الله يجيبني السكن والطعام ليس مهماً وأنا مكتف بالمتيّسر.. المهم أن أتعرف على مدن وبلدات وطني وناسه وجغرافيته، وبهذا فهو قد عايش مناطق الجبال والأهوار والصحراء ولعديد من السنين.. أما عشقه الكبير فكان الموصل ومحلة الشفاء التي وُلد ونشأ فيها وعين كبريت وباشطابيا المواجه لدارهم وشط الحصى ومع عشق خضرة الغابات في الضفة المواجهة، وهو منذ طفولته قد عايش روح الألفة مع الجيران من الجمّاسة الذين كانوا يحبونه ويلاطفونه، خاصة عجائز الجمّاسة من راويات الحكايات المثيرة المسلّية له عن حوريات الشط والطناطل والسعالي وعوج بن عنق الذي كان يظهر فجأة من عمق الماء رافعاً يديه لأعالي السماء ليشوي سمكة في عين الشمس.. هذه الحكايات ربما كان مخزونها في ذاكرة الطفل زهير هي التي جعلته ينهل من ثرائها الحكائي والقصصي، وهي حتماً كانت الينابيع الأولى التي أستوحى منها قصصه التي كان يغلب عليها في مجملها طابع الحكاية بالإضافة لمصاحبته ــ وهو صبي ــ لرحلات والده المثيرة لصيد الأفاعي والذئاب والدببة والصقور والنسور في الجبل والسهل والصحراء مما أكسبه خبرة في التعرف على عوالم الحيوانات والطبيعة وخاصةً عن الطيور وأنواعها وطباعها ومواسم هجراتها.. إيه زهير لتلك السنين الحلوة المضيئة التي غيّبها الزمان.. وما كان أقساه من يوم عليَّ عندما نعاه لي صديقنا الأليف طلال حسن في يوم 12»4»2012.. كان يوماً ربيعياً بهيجاً صار كئيباً حزيناً موجعاً لي.. ولكل محبيه.. ما أصعبها من جملة يتعثر بها لساني ويضطرب عقلي مع هلع الروح الحائرة وداعاً وداعاً
صديقي زهير…
/5/2012 Issue 4188 – Date 1 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4188 التاريخ 1»5»2012
AZP09