في ذكرى تأسيس المملكة العراقية.. الرموز والتوجهات 2-2

770

في ذكرى تأسيس المملكة العراقية..  الرموز والتوجهات  2-2

الملك فيصل: السوريون ضيعوا الإستقلال والعرب كالمريض لايرجى شفاؤه

علي العكيدي

بغداد

المقدمة

كانت السنوات اللاحقة لنهاية الحرب العالمية الاولى 1914-1918 م سنوات زاخرة بالحوادث السياسية على مستوى المنطقة ، اي منطقة الشرق الاوسط ولاسيما ما يتعلق بمصير الدول العربية ومنها مصر ودول المغرب العربي، والتي كانت سابقا ضمن النشاطات السياسية والعسكرية العثمانية ،اما ما يتعلق بالعراق فقد شهدت أرضه خلال الحرب صراعا عسكريا داميا بين العثمانيين والانكليز الذين دخلوا البصرة أولا ثم بغداد ثم الموصل ،حيث احتل العراق بولاياته الثلاث خلال مدة الحرب التي بدأت عام 1914 وانتهت عام 1918م، وبذلك دخل العراق في حياة سياسية واجتماعية واقتصادية اختلفت تماما عما كان عليه الأمر قبل ذلك التاريخ، وبذلك  تحول العراق بعد مدة وجيزة من ولايات ثلاث  تابعة لإمبراطورية بدأت تضعف وتتراجع،  الى مملكة يقودها ملك مقيد  بدستور وضعه ساسة العراق بالتعاون مع الانكليز عام 1924م.

وكان حسن افندي الباجه جي معروفا لدى الجميع بانه اقدر محام في بغداد وقد تقلد عزت باشا وهو من اصل تركي ومن سكنة كركوك مناصب عسكرية عالية في الحكومة العثمانية وكانت له سمعة لا يستهان بها في جميع انحاء العراق وكان جعفر باشا وهو من سكان بغداد يتقلد منصبا عسكريا عند الاتراك وفي جيش فيصل بعد ذلك وقد منحته الحكومة البريطانية وسام دي ايس  ووسام جي ايم جي عندما كان حاكم حلب العسكري قبل سقوط دمشق وكان محمد علي فاضل من الموصل نائب سابق في المجلس  التركي كما كان وكيل رئيس بلدية في مدينته، وكان عبد اللطيف باشا المنديل وهو من الملاكين الاثرياء ومن تجار  البصرة من الاعضاء الفعالين في مجلس منطقة البصرة المحلي  وكان مصطفى افندي الالوسي وهو ينتمي الى اسرة من اكبر الاسر المعروفة ببغداد قاضيا في انحاء عديدة من انحاء الامبراطورية العثمانية بما فيها مكة.

اما الذين طلب اليهم الاشتراك في الحكم كوزراء بدون وزارة فقد كانوا حمدي باشا البابان وهو كردي ورئيس الاسرة الحاكمة في السليمانية وعبد المجيد افندي الشاوي امين العاصمة وعبد الرحمن باشا الحيدري وفخري افندي جيل زادة من وجهاء بغداد، واحمد باشا الصانع من البصرة وعبد الجبار باشا الخياط وداوود اليوسفاني من وجهاء المسيحيين في بغداد والموصل واربعة من الشيعة وهم عبد الغني كبة رئيس الاسرة الشيعية المعروفة في بغداد والسيد هادي القزويني من الحلة وعجيل باشا بن علي السمر مد شيخ مشايخ زبيد السابق والامير محمد الصيهود رئيس قبائل ربيعة. (هذا ما جاء في كتاب العراق دراسة في تطوره  السياسي) لمؤلفه الانكليزي فيليب ويلارد.

لم يتوقف ويلارد عند الشخصيات الكبيرة التي تشكلت منها الحكومة المؤقتة  وهم عبد الرحمن باشا النقيب أول رئيس وزراء عراقي وطالب باشا النقيب أول وزير داخلية عراقي وجعفر العسكري أول وزير دفاع عراقي.

مستوى سياسي

هؤلاء الكبار سنتوقف قليلا للحديث عن بعص سيرهم على المستوى السياسي والاجتماعي ثم ننتقل بعد ذلك للحديث عن تولية الملك فيصل الأول عرش العراق في 23/8/1921

ولد السيد عبد الرحمن النقيب بن السيد علي أفندي سنة 1261 هجرية في محلة باب الأزج من محلات الرصافة  الشرقية وهو ابن السيد علي النقيب المتوفي سنة 1287 هجرية كما هو مدون على ضريحه في الحضرة الكيلانية ،وقد لقب بالقادري المحض إشارة الى ان كلا من والديه قادريان نسبة الى جد العائلة الشيخ عبد القادر الكيلاني وهو لقب كان النقيب يحرص أشد الحرص على استعماله في توقيعه أو ختمه.

تزوج النقيب مرتين وانجب من زوجتيه سبع بنات وثلاثة عشر ولدا وكانت هيأته توحي بنوع من الرهبة كما يذكر ابناؤه ومع انه كان يتصف بالعطف على ابنائه وبناته ويحاول ان يتبسط معهم في الحديث فأن نظرتهم له كانت تعبر عن احترام شديد حتى  انهم كانوا لا يرفعون الصوت في حضوره جريا على تقاليد العصر في التربية ولم يعرف عنه الوقوف ضد رغبات اولاده فعندما ارادت ابنته كيلانية تعلم الفرنسية في صغرها استجاب لها وعهد امر تعليمها الى احدى المدرسات ومع ذلك فان النقيب كان محافظا الى حد كبير فلم يستحب السفور بل بلغ من معاداته له انه كان يفرض استخدام الحجاب على النسوة في داره خشية ان تمر احدى الطائرات فيقع نظر الطيار عليهن. اعتاد عبد الرحمن النقيب ان يعقد مجالس يومية اما في ديوان الحضرة الكيلانية  بباب الشيخ او في قصره على نهر دجلة في محلة السنك، وكان يحضرها مختلف الناس ولاسيما العلماء والادباء  من سائر الملل والنحل ووجوه المذاهب وكما جاء في كتاب (البغداديون مجالسهم واخبارهم)  فأن مجلسه كان اشبه بمجمع علمي تبحث في مشاكل العلوم او ندوة ادبية يتعهدها الشعراء والادباء وكان يبحث في مجلسه المسائل السياسية ويحضره رجالات الدولة واقطاب السياسة وكان النقيب يتحدث في مجلسه بلباقة ،حديثا مطعما بالأمثال معززا بالشواهد الشعرية ، هذا ما جاء في كتاب  عبدالرحمن النقيب حياته الخاصة واراءه السياسية للدكتورة رجاء الخطاب.

ما يتعلق بالمرحوم طالب باشا النقيب فهو من سياسي العراق الكبار لم تسنح له الظروف أن يأخذ نصيبه الكافي لممارسة دوره السياسي , ولد في البصرة عام 1871م وهو طالب باشا بن رجب بن السيد محمد الرفاعي وكانت أسرته تتولى نقابة اشراف البصرة ،كان من السياسيين العراقيين ذوي العمق الزمني أذ عين من قبل العثمانيين متصرفا للواء الإحساء في نجد وبعد اعلان العمل بالدستور عام 1908م انتخب عضوا في مجلس المبعوثان العثماني ثم اعيد انتخابه للأعوام 12, 13, 1914م وهو من المؤسسين للحركة الوطنية في البصرة ضد الانكليز وقد عرف رغم دبلوماسيته انه كان من المعادين للإنكليز لذلك نفوه الى الهند عام 1915 وضل منفيا حتى  عام 1920م ثم عاد وتم تعيينه وزيرا للداخلية وحين رشح نفسه لعرش العراق ،رأت بريطانيا ان طالب باشا  لم يكن الرجل المناسب لأنه رجل قوي الشخصية ويشكل خطرا عليها كما يقول حميد المطبعي في موسوعة اعلام العراق في القرن العشرين ، فقررت انهاء دوره السياسي وارساله منفيا مرة اخرى خارج العراق ولم يعود الا عام 1925, وفي عام 1929سافر الى المانيا للعلاج وتوفي هناك ونقل جثمانه ودفن في مقبرة الحسن البصري في الزبير، وزيادة في المعلومات ان الباشا النقيب هو جد  الشيخ ناصر المحمد الاحمد الجابر الصباح لامه السيدة  نسيمة طالب النقيب  رئيس الوزراء الكويتي للفترة 7شباط 2006 الى 30 تشرين الثاني 2011….

أما ما يتعلق بالمرحوم جعفر باشا العسكري فانقل هنا نبذة عن سيرته كما جاء في كتاب [خواطر واحاديث في التاريخ] للمرحوم الاستاذ نجدة فتحي صفوت اذ يتحدث عن سيرة العسكري بطريقة تبعث على السرور حيث يبين لنا بعض من شخصية العسكري المحببة لدى الناس فيقول :كان جعفر العسكري شخصية نادرة بين شخصيات العراق التي تسلمت مقاليد المسؤولية في البلاد في بداية تأسيس الدولة العراقية الفتية وكثيرا ما سمعنا من عارفيه عن شخصيته وخفة روحة وظرف دعابته، كما سمعنا عن شجاعته ولباقته السياسية وثقافته العسكرية والقانونية حتى علمنا اخيرا بمصرعه على يد بعض اعوان بكر صدقي ولم يكن قد عرف عن الرجل انه اساء الى احد في حياته.

وسيرة جعفر العسكري حافلة بالأحداث واحيانا بالمغامرات التي تصلح ان تكون مادة لقصة سينمائية مثيرة وقد انتهت نهاية مؤلمة حقا ولكنها مع ذلك قد تتسق بدرجة غريبة مع سيرته التي كانت كلها عبارة عن احداث ومفاجآت

ولد في بغداد سنة 1885 وكان والده مختارا لإحدى  محلاتها ودخل المدرسة العسكرية التحضيرية فيها ،ثم تخرج في المدرسة الحربية التركية في الاستانة وارسل في بعثة عسكرية للتدرب في المانيا فأقام فيها ثلاث سنوات ثم عاد واشترك في حرب البلقان وجرح فيها ولما انتهت تلك الحرب وظهرت نوايا الاتحاديين العنصرية انضم الى (حزب العهد العربي) وكان من انشط العاملين فيه واثناء الثورة العربية التي قامت في الحجاز في بدايتها وكان الضباط العرب يلتحقون بها من كل حدب وصوب فقرر جعفر الانضمام اليها فسمح له بالسفر الى مكة بطريق البحر الاحمر فلما وصلها التحق بالجيش العربي الذي كان مرابطا حول المدينة المنورة بقيادة الشريف فيصل ،وعين فيصل جعفر قائدا عاما لقواته دون استشارة والده الشريف حسين مما اغضبه وجعله يأمر بعزله فابرق فيصل الى والده بان في ذلك اهانه له لا يقبلها وانه سيتخلى عن مسؤولياته وينفض يده من النهضة اذا اقيل جعفر ،فاضطر الحسين الى الموافقة وارسل برقية استرضى  بها ولده

ولما عقد مؤتمر القاهرة في اذار سنة 1921برئاسة تشرشل وزير المستعمرات البريطاني حضره جعفر العسكري مع السربرسي كوكس وفي هذا المؤتمر تقرر تأسيس الدولة العراقية ونصب فيصل الاول ملكا عليها.

الملك فيصل الاول وعرش العراق

في 23- 8-1921م تسلم الملك فيصل الاول عرش العراق  بعد معركة سياسية كان أبطالها الانكليز الذين فضلوه على غيره من المرشحين وعملوا له انتخابات في نهاية المطاف فاز بها الملك رحمه الله بنسبة 96بالمئة، في بادئ الامر تم ترشيح مجموعة المرشحين لتولي عرش العراق سقطوا كلهم الواحد تلو الاخر فمنهم  من  سقطتّهم بريطانيا  ومنهم من لم يكن مقبولا ومرغوبا من الشعب، ومنهم من لم يكن مؤهلا لأسباب عديدة ومنوعة.

الملك فيصل المولود عام 1883م في الحجاز هو ثالث انجال شريف مكة الحسين بن علي الهاشمي تسلم عرش سوريا اولا عام 1920وسقط اثر معركة ميسلون على يد القوات الفرنسية ،اختارته بريطانيا ملكا على العراق وعملت له انتخابات كما مر بنا وتسلم العرش صباح يوم 23-8- 1921م وبتاريخ 12ايلول ،تشكلت حكومة المرحوم عبد الرحمن النقيب الثانية تحت اشرافه وقد تكونت من مجموعه من الوزراء ،قسم منهم كان ضمن الحكومة المؤقتة الاولى للنقيب ومنهم من تم اختياره للمرة الاولى، لم تكن مهمة الملك سهلة أبدا فالرجل عانى كثيرا من معادلة [ارادة الشعب وعدم رغبة الانكليز ] هذه المعادلة التي بسببها انتحر المرحوم عبد المحسن السعدون يوم 12-11-1929، كانت تكمن معاناة الملك فيصل الاول بطبيعة المجتمع العراقي فالرجل كان يعمل جاهدا وبشكل دؤوب على ان يقدم للعراقيين ما يجعلهم امة راقية ومتطورة ،الا انه كان يصطدم بالكثير من العقبات وقد عبّر عن ذلك بمقالات وافكار كتبها بنفسه  وجدت بعد وفاته ونشرها بمقدمة كتابه تاريخ العراق السياسي المرحوم عبد الرزاق الحسني ،نقتطف منها ما يلي  على شكل  نقاط  وبشكل مختصر، كونها تعبّر عن نظرة الملك  للحكم ،فهي بمثابة  فلسفته في الحكم .

1-       ان البلاد العراقية هي من جملة البلدان التي ينقصها اهم عنصر من عناصر  الحياة الاجتماعية ذلك هو الوحدة الفكرية والملية والدينية  فهي والحالة هذه مبعثرة القوى مقسمة على بعضها يحتاج ساستها ان يكونوا حكماء مدبرين وفي عين الوقت أقوياء مادة ومعنى ،غير مجلوبين لحسيات او اغراض شخصية او طائفية او متطرفة يداومون على سياسة العدل والموازنة والقوة معا ،على جانب كبير من الاحترام لتقاليد الاهالي لا ينقادون الى تأثرات رجعية او الى افكار متطرفة تستوجب رد الفعل.

2-       في العراق افكار ومنازع متباينة جدا وتنقسم الى اقسام 1- الشبان المتجددون بما فيهم رجال الحكومة 2- المتعصبون 3- السنة 4- الشيعة 5- الاكراد 6- الاقليات غي المسلمة 7- العشائر 8- الشيوخ 9- غير السواد الاعظم الجاهل المستعد لقبول كل فكرة سيئة بدون مناقشة او محاكمة.

3-       العراق مملكة تحكمها حكومة عربية مؤسسة على انقاض الحكم العثماني وهذه الحكومة تحكم قسما كرديا اكثريته جاهلة ،بينه اشخاص ذوو مطامع شخصية يسوقونه للتخلي عنها بدعوى انها ليست من عنصرهم واكثرية جاهلة منتسبة عنصريا الى نفس الحكومة ،الا ان الاضطهادات التي كانت تلحقهم من جراء الحكم التركي لم يمكنهم من الاشتراك في الحكم وعدم التمرن عليه والذي فتح خندقا عميقا بين الشعب العربي المنقسم ،كل ذلك جعل مع الاسف هذه الاكثرية او الاشخاص الذين لهم مطامع خاصة والمتدينون منهم  وطلاب الوظائف بدون استحقاق والذين لم يستفيدوا ماديا من الحكم الجديد يظهرون بانهم لم يزالون مضطهدين.

في اعتقادي (والكلام هنا مازال للمرحوم جلالة الملك)  وان كان العمل شاقا ومتعبا الا انه ليس مما يوجب اليأس والتخوف اذا عولج بحكمة وسداد راي واخلاص ،اذا قامت الحكومة بتحديد خطة معينة وسارت عليها بجد وحزم فان الصعوبات تجابه وبارقة الامل في الرسوخ السياسي تزداد نورا والاحظ ان منهاجا يقرب مما سأذكره ادنا يكون كافلا لمعالجة المهمة والنجاح واليك بالاختصار .

1-       تزيد قوة الجيش عددا وبشكله الحاضر بحيث يصبح قادرا على اخماد اي قيام مسلح ينشب في ان واحد على الاقل في منطقتين متباعدتين.

2-       عقب اتمام تشكيل الجيش على هذه الصورة تعلن الخدمة الوطنية

3-       وضع التقاليد والشعائر الدينية بين طوائف المسلمين بميزان واحد مهما امكن واحترام الطوائف الاخرى.

4-       الاسراع في تسوية مشكلة الاراضي.

5-       توسيع الماذونية لمجالس الالوية والبلديات بقدر الامكان على انموذج القانون العثماني.

6-       الاسراع في تشكيل مدرسة الموظفين

7-       الاعمال النافعة وحماية المنتوجات

8-       المعارف

9-       تفريق السلطة التشريعية والسلطة الاجرائية

10       تثبيت ملاك الدولة

11       وضع حد للانتقادات غير المعقولة ضد اجراءات الحكومة في الصحف والاحزاب

12       العدل والنظام والاطاعة في الموظفين والعدل عند قيامهم بوظائفهم.

ما تقدم يمثل نضرة وفلسفة الملك في حكم العراق وتفائله بشان امكانية السير به الى الامام اما على الواقع الميداني فقد ظل الرجل ملكا اكثر من اثنتا عشر  من عام 1921حتى عام 1933 ليخلفه ابنه الملك غازي رحمه الله، وتلك السنوات كانت الحالة في العراق على شكلين رئيسين او جهتين رئيسيتين جهة تحكم وهم نخب المجتمع ومن يعاونهم  من الموظفين والحياة تسير بشكل مستمر لكن بصعوبة، وجهة تعارض والمعارضين هم ايضا من النخب يساعدهم في ذلك الشعب الذي كان يتحرك دائما للمطالبة بحقوقه , هنا كان للملك فيصل وقفة ودور فالمعروف ان الحكومة كجهة تنفيذية تحكم البلاد تنزعج من التظاهر كونه يعوق عملها , ما كان يقوم به الملك ونتيجة لحبه للعراق ووطنيته الخالصة ،ونظرته العميقة للمستقبل كان هو من  يحث على التظاهر، الغرض     من ذلك الحصول على مكاسب جديدة من مفاوضات الحكومات التي كانت تفاوض الجانب البريطاني  بشان الاحداث السياسية التي  كانت تطغي على حياة المجتمع آنذاك ، تحدث عن الموضوع الدكتور محمد حسين الزبيدي في كتابه (العراقيون المنفيون الى جزيرة هنجام) فيقول ومما ساعد الحركة الوطنية من ان تزيد في نشاطها ضد المعاهدة الخلاف الشديد الذي حدث في هذه الفترة بين الملك فيصل والمندوب السامي السيد برسي كوكس بسبب تلكؤ الملك بالموافقة على المعاهدة وفي السياسة الموالية للإنكليز التي ينتجها الملك والتي لا تحقق اطماع بريطانيا واهدافها. ومما زادت في شقة الخلاف هذا معرفة المندوب السامي البريطاني ان الملك فيصل يتصل بقادة الحركة الوطنية وبالصحف المعارضة ويحرضها ويؤلبها على مهاجمة المعاهدة العراقية الانكليزية ومقاومة ابرامها وبخاصة بعد مؤتمر كربلاء. وفي الحقيقة كان الملك فيصل يؤيد هذه الحركة الوطنية في مطالبيها ويتصل بالمعارضة اتصالا مستمرا بشكل سري ويعقد اجتماعات مع قادتها ليلا فعقد اجتماعا مع جعفر ابو التمن ومحمد مهدي البصير وهما من الهيئة المركزية للحزب الوطني العراقي وكانت هذه الاجتماعات بمثابة الاتصال الوثيق مع القوى الوطنية المعارضة وان الملك فيصل كان يحرض على تنمية هذه القوى حتى تقف موقفا من السياسة البريطانية لاستخلاص بعض المكاسب الوطنية للعراق حتى ولو كانت جزئية. والحقيقة ان سياسة الملك فيصل في العراق اعتمدت مبدا خذ وطالب وقد حدثنا المرحوم عوني عبد الهادي عن لقاءات عدة جرت بينه وبين الملك فيصل الاول اوضح له فيها الملك اهدافه  التي يسعى للحصول عليها وحقوق العراق التي يهدف الى تحقيقها فقال: قال لي جلالة الملك فيصل الاول لقد اقنعت الانكليز بكلامي واعمالي ان مصلحتهم ومصلحة العراق تتمشى جنبا الى جنب فاقتنعوا باني مخلص فيما اقول واخذت اتشدد بعد ذلك في المطالبة بما ينفع العراق وتحقيق بعض الاعمال التي انشدها ومن جهة اخرى كنت اجتمع ليلا مع المعارضين في العراق لنخطط معا اعمال المقاومة واحوالها وحين تشتد المعارضة اكسب انا حقوقا جديدة للعراق من السلطات البريطانية لتسكين المعارضة.

حدود إمكانيات

وقال عوني : ومما قاله الملك فيصل ايضا في هذا اللقاء: ان السياسة في نظري ليست هي الاصرار على تحقيق كل ما يهدف اليه السياسي بل العمل على تحقيق ماهو ممكن والسياسي هو ليس من يعرف ما يريد بل هو من يعرف حدود امكاناته ويقف عندها وانني مؤمن بسياسة خذ وطالب وتعني هاتان الكلمتان كل فنون السياسة المرنة وهي السياسة المثلى التي اريد اتباعها في العراق.

واضاف الملك فيصل يقول: هكذا ضاع السوريون الاستقلال لإصرارهم على سياسة اخذ الكل او ترك الكل لقد طالب السوريون باستقلال سورية موحدة بما فيها فلسطين مستقلة استقلالا تاما ولم يكن هذا الطلب والاصرار عليه في امكانيات العرب في ذلك الوقت ومثلهم في ذلك كالمريض الذي يطلب شفاؤه في الحال او موته في الحال. فانا لا اريد ان احكم العراق في ظلال ايد اجنبية لأني وضعت في مقدمة اهدافي التخلص تدريجيا من حكم هذه اليد ليعيش اهل العراق وانا معهم تحت حكم عربي مسلم. ومن هنا  وبعد قراءتنا  لأفكار  المرحوم الملك فيصل الأول نرى وبكل وضوح ،كم كانت معاناته كبيرة وكم كانت  أمانيه وطموحاته  كبيرة  أيضا ودقيقة  رحم الله تعالى رموز العراق من الذين ساهموا وبكل قوة من اجل ان يكون العراق افضل، ومن اجل  ان يكون لدورهم ومواقفهم  أهمية ببنائه على أفضل شكل ،فكم هو الفارق واضح بين رموز تركت بصمات ايجابية ،وبين اخرى لم تعرف ماذا تعمل  فكان لعملها  الهدام دور بتخلف البلد وتراجعه وتمزقه  ،بعد ان كان في المقدمة دائما، فالتاريخ لم يرحم أحدأبدا.

مشاركة