في دفتر صغير على طاولة –  فائزة عبد الواحد

323

حكايات حسن العاني

في دفتر صغير على طاولة –  فائزة عبد الواحد

مع مطلع العقد الثمانيني من القرن الماضي – مالم يمسس ذاكرتي شيء من تقدم العمر- طالعتنا جريدة “العراق” العراقية بعنوان صحفي غريب الى حد ما (ضربة جزاء) – ظاهره رياضي ومضمونه سياسي اجتماعي يقوم على قدر كبير من النقد الساخر- قُدِّر له التواصل قرابة اثنتي عشرة او ثلاث عشرة سنة – ، ومع ان هذا العنوان الذي تصدّر (زاوية)أو (عموداً صحفياً) يومياً، يحمل بصمات حسن العاني وهويته التي تعرفنا عليها منذ عقد السبعينات في اكثر من صحيفة بغدادية، ولكن ما حظيتْ به ضربة الجزاء وما انجزته، يعدُّ فتحاً شخصياً للكاتب، واعترافاً منقطع النظير من المؤسسة الشعبية بقلم قريب من همومها، بعيد عن غوايات السلطة، وباسلوب يرسم البسمة على الوجوه التي اتعبها القهر والنفاق الاعلامي الذي بلغ ذروته منذ الثمانينات صعوداً.. وضع هذا العمود، وباختصار شديد، الاسس الاولية لرؤية العاني ومنهجه الكتابي الذي كُتِبَ له التطور من ناحية، مع تطور الكاتب وتطور وعيه وتجربته، ومن ناحية اخرى (التوسع) والانتشار والقبول الجماهيري عبر عشرات العناوين الصحافية و(الاعمدة) الجديدة، ليس ابتداء من (الف ياء) في مجلة “الف باء” قبل عام 2003? وليس انتهاء بعمود (… ما يضحك) في جريدة الصباح بعد هذا التاريخ، وللمرة الثانية أؤكد بأن هذا المنهج كان فتحاً نوعياً غير مسبوق للكاتب ولعموم الحركة الاعلامية في اسلوب كتابة المقالة او العمود (وهذا لا يعني الافضلية بأية صورة من الصور، بقدر ما يشير الى نوع جديد من اساليب الكتابة الصحافية)، وبعيداً عن الجدل حول ما يراه البعض من انتهاك الكاتب لضوابط الصحافة وشروطها الاكاديمية، فأن النجاح الذي رافق هذا المنهج، كان وراء الالتفات الى عناصر شدّ القارئ واستقطابه على حساب التغاضي عن خروقات الكاتب غير المقصودة للقوانين الاكاديمية.. في آخر مؤلفات الكاتب – صدر العام الجاري 2019 عن دار شهريار، ويقع في 224 صفحة، تحت عنوان (دفتر صغير على طاولة – وجوه وحكايات)، والذي تضمن (5 أبواب) تضم (75 مقالة) – نتلمس ذلك المنهج الذي اختطه العاني لنفسه منذ مرحلة مبكرة من كتاباته الصحافية، تمتد الى اكثر من خمسة عقود، سواء على صعيد المقالة ام الفنون الاخرى كالتحقيق والحوار واستطلاعات المدن..الخ قبل الشروع بقراءة “الدفتر الصغير” لا بد من التعرف على الكيفية، التي قدّم فيها حسن العاني نفسه، ولا ازعم انني اول من تسلط الاضواء على منهجه الخاص جداً، فقد تنبّه الى ذلك وسبقني غير واحد من الزملاء.. وعلى العموم هناك اربع دالات رئيسة يمكن التعرف عليها بالعين المجردة… الاولى هي اعتماد السخرية او الاسلوب الساخر ذي الملامح النقدية القاسية – علنية او مبطنة-، ومع إن هذا الاسلوب يعدُّ من متبنيات العديد من كتاب المقالة النقدية الساخرة مثل احمد رحب والفرحان والسعدني..الخ، غير انه لا يمكن القول أبداً ان العاني توقف عند هذا النمط واغلق من دونه الابواب، كما هو الحال مع معظم الكتاب الساخرين، لكونه في الدالة الثانية يطل علينا بانفراده صحفية هي (الحكاية) او اسلوب الحكاية، وآية ذلك تتمثل بانتمائه الى فصيل الادباء (قاص وروائي)، ومنجزه منها كما تشير اصداراته الواردة في “الدفتر” بلغت (سبع مجاميع)، وهذا ما تنبّه اليه ناشر الكتاب حين المح الى خلفية الكاتب الادبية وانعكاسها على منجزه الصحافي، مع ملاحظة بالغة الاهمية، ان الرجل لا يقدم لنا في “مقالاته” نصاً ادبياً خالصاً، وانما لمسات يسهل الاستدلال عليها، فهناك حضور واضح للجملة والخيال والعبارة والالتفاتات البلاغية والرمزية والشاعرية الى جانب تمسك لا يكاد يغيب بما يمكن الاصطلاح عليه (الحكاية) وليس القصة بشروطها الفنية، وعادة ما تتسم هذه الحكايات بالوضوح والبساطة، ولكن اهميتها الفاعلة تتمثل في إنها العنصر الاهم من عناصر التشويق وكسب القارئ، وبالمقابل فهي – في احيان كثيرة- عنصر بالغ الاهمية وظّفه الكاتب للاختفاء وايصال رموزه عبر ما توحيه الحكاية من احالات لافكار (قد) تصعب الاشارة اليها في ظروف القه.

ماروراء السطور

 وبذلك تعدُّ صورةً من صور (ما وراء السطور) كما نصطلح على تسميتها، وهي اشارات يلتقطها القارئ اللبيب من جهة، وتوفر الحماية او الغطاء القانوني للكاتب من جهة اخرى. الخاصية الثالثة تعبّر عنها روح الدعابة والمزحة والطرفة المهذبة التي ترسمها المقالة عبر العديد من صياغاتها وحكاياتها، ولهذا غلبت على العناوين الثابتة لمقالاته مسميات تقرب من هذا المعنى على غرار (نواعم) أو (.. ما يضحك) أو (دغدغات)..الخ، وهنا لا يجوز اغفال ما تخفيه دعابات العاني ومزحه من مواجع، ولذلك يصحُ جداً اطلاق مصطلح (الكوميديا السوداء) على مقالاته، وليس غريباً ان يكون عنوان (… ما يضحك) وهو من اشهر العناوين التي تبناها الكاتب عبر مسيرته الطويلة، وما زال يعمد اليه في جريدة (الصباح).. أقول: ليس غريباً ان هذا العنوان مجتزأ من القول المشهور (شر البلية ما يضحك)!! العنصر الرابع يتمثل بابتداع نوع من الكتابة يسمى (الضربة) – وهو وان كان معروفاً، ولكنه تحول الى ثابت من ثوابت الكاتب الاسلوبية- ويراد به : إن الكاتب يصطحب قراءه عبر حكاياته الطريفة التي يحاول ان يسبغ عليها اكبر قدر من المصداقية بحيث تبدو وكأنها واقعية، وربما مقنعة جداً للمتلقي، وفجأة يأتي السطر الاخير او تأتي الخاتمة على وجه التحديد لتأخذ القارئ معها الى وجهة عابقة بالسخرية والمزحة، وتعبر عن أعلى درجات الكوميديا في المقالة! في ضوء هذه الصور العامة، لم يخرج (الدفتر) عن معطيات او محددات اسلوبية الكاتب الا باستثناءات فرضتها طبيعة الكتاب، اقصد طبيعة مادته، فهو يحمل عنواناً فرعياً (وجوه وحكايات) – في قناعتي كان يجب ان يكون هو العنوان (الرئيس) وأذهب اكثر من ذلك الى القول (والوحيد) – ويبدو واضحاً بأن المؤلف قد اختار من بين الاف المقالات والاعمدة التي نشرها عبر مسيرته الطويلة، هذه التي بين ايدينا 75مقالة فقط، تقوم على رؤية تعتمد على معادلة ثابتة هي : هناك حدث او موقف (واقعي) جرى بين المؤلف وبين الاخر.. والاخر هم الاشخاص مُعبّراً عنهم بمفردة (وجوه)، والحدث او الموقف معبّراً عنه بمفردة (حكايات)، وهذا يعني ان المقالات جميعها – بخلاف ما عرفناه عن مقالات العاني المفعمة بالحكايات الخيالية المفبركة لايصال فكرة ما – تحولت في هذا الكتاب الى حكايات جرت احداثها على ارض الواقع، وابطالها موجودون ومعروفون وحقيقيون، واغلبهم شخصيات كبيرة على مستوى السياسة او الادب او الفن او الصحافة..الخ، وبالتالي لا مجال للخيال الادبي ان يفرض حضوره، غير ان هذا لا يعني غياب اللغة الادبية وانفاسها عن النصوص.. وحين نتحدث عن هذه المتطلبات الواقعية على حساب ما هو (مُفترض او مفبرك او خيالي) فقد استدعى ذلك غياباً اجبارياً لروح السخرية والنقد الساخر، الا ان روح الدعابة والمزاح وطراوة التعامل في طرح الموضوع كان ماثلاً وحاضراً بقوة حيثما تجولنا بين مداعبات مجيد السامرائي واسماعيل زاير ومنى سعيد وسلام الشماع، ومن باب المثال لا الحصر اشير الى المقالة الخاصة بالسيد “فؤاد معصوم” رئيس الجمهرية السابق، وكيف ان العاني صرف مبلغ 16 الف دينار اجرة طريق لحضور مؤتمر صحفي خاص بكتاب (العمود) مع السيد معصوم الذي جعل المؤتمر عاماً وليس خاصاً، وتحوّل اللقاء من حوار حول هموم الاعلام الى حوار سياسي.

دفع مبلغ

 يفاجئنا الكاتب وهو يختم مقالته على النحو التالي (أطالب بإلحاح ومن دون مزاح ان يقوم مكتب معصوم بدفع مبلغ 16 الف دينار، لا اقبل اكثر منها حتى لا تكون صدقة، ولا ارتضي اقل منها حتى لا تكون سرقة – ص(59 ويلاحظ ان الكاتب قد حافظ على ما اشرنا اليه سابقاً باسم (الضربة) التي تأتي خارج السياق او بعيدة عن المتوقع، ففي مقالته الثانية المعنونة (رئيس الجمهورية) التي جاءت في اعقاب نشر المقالة الاولى واتصال السيد معصوم بالعاني معتذراً عن الاشكال غير المقصود، ومعترفاً بانه مدين بمبلغ 16 الف دينار، وبعد الكلام الجميل الذي يسبغه الكاتب على معصوم لتواضعه وخلقه الرفيع، يفاجئنا بانتهاء مقالته على النحو التالي (ملاحظة: احترامي الكبير للسيد الرئيس واعتزازي به لا يسقطان الدين الذي في ذمته..ص(63 ولا أدري ان كان العاني قد حصل على ديونه ام نسيها فخامة الرئيس!! ومثل هذه الضربات الشيء الكثير منها (السفير البريطاني / عبد الستار ناصر/ اين الطاهر/ مظفر النواب/ الحطاب والدهشة/ ..الخ) ثمة ما يوجب الاشارة اخيراً واريد بها سيادة عنصرين رئيسين حكما اجواء الكتابة، وهما (الموضوعية والحيادية)، فعلى الرغم من الحضور الكبير لروح الدعابة، الا ان الكاتب ظل متمسكاً بهذين العنصرين، حرصاً على ان تصل (الحكاية) بكل امانة، طالما هناك شريك او وجه آخر، وقد لفت انتباهي كثيراً، إنه حتى في المواقف التي تتعلق بأشخاص كانوا مصدر ازعاج له، واحياناً مصدر ايذاء، حافظَ على حيادته وموضوعيته في نقل الموقف وعدم الاساءة الى “خصمه” بمفردة قاسية او خادشة.. أو بعيدة عن الحقيقة واللياقة.. اعترف انني لم اقاوم ثورة الحزن الى حد البكاء وانا اقرأ الباب الخامس، وهو الاخير من الكتاب، كان باباً استثنائياً من نوعه – حتى في لغته الرومانسية العالية- لانه لم يتناول فيه عدداً من الشخصيات كما هو الحال في الابواب الاخرى، بل كرّسهُ لشخصية واحدة فقط، ولانه كذلك اطلق عليه اسم (المرثية الوحيدة)… فعلى الرغم من ان الذين رثاهم الكاتب كثيرون، ولكنه انتقى واحداً منهم لاسباب تكشف عنها المرثية (ما مرّتْ ليلةُ أرقٍ الا وتقاطر الاحبة والاصدقاء.. اطوار بهجت وعبد عون الروضان وجمعة الحلفي وخلود الدياني وامير الحلو وفليح وادي مجذاب وطارق ابراهيم شريف واحمد الربيعي الى مضيف يوسف العاني، وانا الوحيد الذي تأخر عن مجلسهم، ومع ذلك فان لرحيل السيدة ” ام عمار” طعماً لا يشبه الا نفسه، ووجعاً لا يشبه الا نفسه، جعلني أكتفي به عن الاخرين، ليس بديلاً، ولكن الامر هو كذلك حين يكون الحزن حبيبة وزوجة وصديقة، وحين يكون عشقاً لم تطفئ جمرته أعوام الانطفاء.. ص211) أتمنى على الكاتب المبدع حسن العاني ان يبادر لإسعاد قرائه بمطبوع جديد يتضمن نوعاً آخر من مقالاته، ليس طلباً للمتعة فقط، بل لكونها قبل ذلك تؤرخ – ولو بصورة غير مباشرة – لأكثر من مرحلة وشخصية، وتقدم للأجيال الاعلامية – خاصة في ميدان الصحافة – دروساً مجانية في فنون الكتابة.. بالغة الاهمية.

مشاركة