في بيتنا الرفيق ترامب – ياس خضير البياتي

351

شهق الناس

في بيتنا الرفيق ترامب – ياس خضير البياتي

ما يجرى اليوم في العالم من ازمات (ترامبية)، كان يتطلب منا منذ ترشحه للرئاسة، بصيرة لا بصرا لرؤيته على حقيقته، وهي ازمات مثيرة بلا شك، فقد تحدّى ترامب كل القواعد والمؤسسات التي حكمت السياسة الداخلية الأميركية، وجاء من خلف المشهد، حيث الحياة الصَاخبة الضاجّة بالفضائح والمَشاكل، ومن عالم البيزنس، المال والأعمال، وغبار المناجم، لكي يصبح النجم الأوحد في العالم ، مهرجا ينشر الفكاهة والمرح و(البلطجية السياسية والتجارية) .لم  يعتقد احد انه يعيش وسط دولة مؤسسات يمكن أن يشكل انقلابا  على الصيغة الامريكية التقليدية، ويعيد ما كان معطلا من قرارات استراتيجية  الى الحياة بطريقة جريئة! لقد جاء ترامب في عصر رقمي، حيث السيادة المطلقة فيه لوسائل التواصل الاجتماعي، وعصر مستقبله مجهول بالأزمات الاقتصادية والسياسية، وأجيال رقمية ضائعة في تخمة المعلومات المتناقضة، وشعور عام بالاحباط من كل شيء، وانسان امريكي مثقل بهموم الضرائب والصحة والخدمات، وجيل متمرد تحميه دولة عميقة اسمها الدولة الافتراضية، جيل متغير المزاج والرؤى، وعالمه افتراضي يقوم على الخيال والغرابة والتجديد. فالرجل لم يهبط الى البيت الأبيض الا بمظلة مؤسسة سرية (إسرائيلية)، لتنفيذ المخطط الكبير في المنطقة العربية الذي يبدو اليوم في مراحله الاخيرة نضوجا وحضورا، وهو مخطط جهنمي لا يمكن لاحد من قادة امريكا القبول به، الا هذا الرجل المهووس بثقافة العظمة والمال والتجارة. هل نحتاج الى عراب امريكي او شرقي لكي يقول لنا ان ترامب هو من أكثر رؤساء أمريكا كرها للعرب والمسلمين وجودا وسلوكا، لكنه بالتأكيد يحب أموالهم وخضوعهم المستميت له، وإذا حل في بيتنا، فأنه لا يجيد التعامل بالسياسة، وانما بتجارة الأسلحة والمعاهدات والابتزاز المالي. ولأنه يعرف ان بيت العرب من زجاج، فأنه يراهن دائما على جمع الأموال، والتجول بحرية في أراضينا كما يحلو له، ويبعث صواريخه (التويترية) لتصيب أهدافه بدقة، حتى ولو كانت (فرقعات) من صوت! لكنه بالمقابل، من باب الموضوعية، ربما يحقق بعض طموحاتنا أكثر من العقلاء الذين أغرقوا أوطاننا بالدم، وشردوا العباد خارج بلدانهم، وأنتجوا لنا داعش وأخواتها، وعطلوا طموحات شبابنا واحلامهم، وجلبوا لنا حكاما جياعا من الشوارع لينهبوا أموال الشعب.  جاء الرفيق ترامب لبيتنا العراقي من الشباك خفية، وخرج خلسة، مثل لص عزيز مقتدر، تحميه الصواريخ والطائرات والاقمار الصناعية، ونحن نيام نصدع نملئ صوت العراق بشخير التهديد والوعيد والتنابز بالألقاب، بعضنا فرح، وقالها صمتا، يا مرحبا بالمحرر الجديد، والبعض الآخر كان قلقا وخجولا وخائفا، كيف يجرؤ هذا الرئيس ان يدخل ديارنا دون استئذان، مع ان الكل في لعبة واحدة، ومركب واحد يجري الى الهاوية. يا مغير الأحوال، كيف انقلبت مبادئ الامس بالمقلوب، وصار رفاق الامس سادة وشيوخا في الحسينيات والجوامع، فصار الرفيق الماركسي أكثر تدينا من الصحابة، والرفيق البعثي أكثر ملكية من مؤسسي الأحزاب الدينية، فانخرطت جيوش منهم في هذه اللعبة القذرة من اجل جاه زائل وكرامة مذلة. كنا رفاقا من اللون الأحمر والاخضروالاصفر نلعن أمريكا في أدبياتنا واجتماعاتنا، ونصدع رؤوس العراقي بخطر الامبريالية، ونرعب أولادنا بتاريخهم الاسود، حتى كادت هذه التسمية عيبا وعارا لمن ينطقها، لكن مدن الامبريالية أصبحت اليوم للرفاق حجا، وملاذا للعيش، وحلما ورديا، وموطنا وجنسية ومقاما. كنا زمانا نعيب على البعض ان يأتي بجيوش الامبريالية ليحتل الوطن، ونطلق علية عميلا، والبعض يريد منا اليوم ان نكون واقعيين ومتحضرين، لكي يجلب لنا جيوش الاحتلال من جديد باسم الواقعية، مع وقف التنفيذ للعمالة! اليوم نسمع أصداء لا تسر، ونشم روائح غريبة تأتينا من هنا وهناك، فقد كنا زمانا نتحدث بالحكمة عندما نقول ان الوطن بحاجة الى حوار مفتوح، ولا بأس ان نتحاور مع الشيطان، لكي يبقى الوطن سالما، وكان رجع الصدى يأتينا قويا وحازما (يا اهلا بالمعارك)، وكنا نشمئز عندما نسمع عميلا يركب دبابة أمريكية ليقتحم اسوار الوطن، وننزعج عندما يتعاون حزب او جماعة او فرد مع الامبريالية، بينما يخترع البعض اليوم فتاوى العمالة، ويبررها غباء لكي يعود لنا الوطن من جديد، بعد ان دمرناه بعنجهية الجاهلية الأولى.  فهل استفاق البعض من نوم اهل الكهف، ليسحبنا الى دائرة خطر العمالة من اجل جاه السلطة. وما الذي تغير بين زمن الامس واليوم؟ الانسان نفسه، والامبريالية نفسها، الا إذا كانت قد اصابتنا لوثة الحنين الى العمالة وبيع الاوطان! أيها الرفاق من كل الألوان والأجناس، احفظوا لتاريخ احزابكم بعضا من القه، واحترموا شهداءكم الذين استشهدوا دفاعا عن الوطن ضد الامبريالية الامريكية التي مزقت اوطاننا، وليكن الثابت غير المتغير هو الوطن، والمحتل هو المشترك الثابت الذي يجمعنا على محاربته مهما كان لونه وجنسه! يخطئ من يتصور أن الجيوش الامريكية القادمة ستفرش لنا الورود في ارضنا، لأنها نفسها التي مزقت نسيجنا الاجتماعي، وجرفت تاريخنا وكرامتنا، وباعت الوطن للأمم الأخرى، واغتالته بدم بارد مع سبق الاصرار!

متى يتعلم الرفاق من التاريخ؟

الامارات

مشاركة