في الشرق الأوسط: حلول القضايا بإرادة وإختيار الشعوب

166

عبدالله عباس

(1)

من الواضح أن وجود ظاهرة تعددية الأعراق والأجناس في هذه المنطقة المهمة في العالم  هي تلك الظاهرة الخطرة التى يتم اللعب عليها وبالقوة ومنذ بدء إنتفاضات الشعوب المنطقة والتي سميت بـ (ربيع الشعوب) ،  حيث أن وجود هذه الظاهرة ،  حجة قوية بيد الحكام وتوابعهم حيث يدعون أن أي تغييرات في أساس الدولة لايعنى إلا  فتح باب لمزيدل من التقسيم والتفرقة ويعدون أنفسهم صمام الامان الوحيد القادر على الإحتفاظ بوحدة الارض والشعب ،  وفي نفس الوقت أن هذه الظاهرة هي بوابة لتدخل قوى دولية فيما يحصل من الانتفاضات و عدم وضوح الرؤيا أثناء بدايات انطلاق التحركات الشعبية وتنوع الشعارات المرفوعة ،  فتتحرك تلك القوى بما لديهم من إرادة  وقدرة الفرض على منظمة الدولية ويدعون لتدخل بحجة الحفاظ على الحقوق بعض الأنسجة العرقية والدينية والمذهبية مع أن الحقائق تشير أن الخوف على الأنسجة التعددية في المنطقة ودولها لايكمن أساساَ في فكرة التعدد والتنوع ،  فهذا أمر تأريخي وتفصيلي في معظم وجوهه ،  إن لم نقل كلها ،  أنما يكمن في الظروف المحيطة والتي هي ظروف داخلية في الجانب الأهم وخارجية في جانب أخر وفي تفاعل تلك الظرف ،  ممايؤدي إلى إنتاج أزمات وإستعصأت سياسية و إقتصادية وإجتماعية معقده تضع المنطقة وشعوبها على أبواب أزمات في أنسجتها التعددية ،  عندما تبداء التدخلات من قبل قوى الخارجية في شؤون المنطقة وشعوبها .

 أن هذه القوى الدولية لاتتخلى عن إثارة هذه الظاهرة التى تركتها أساسأً من ايام الاستعمار في المنطقة بدون الحل ومتعمداَ لتبقى باباَ مفتوحاً للعودة في أي ظرف تشعر بخطورة فقدان مصالحها عندما تظهر بوادر التغيير في توجه شعوب المنطقة ،  وأخطر مافي هذا الظرف هو ترديد صدى صوت مبررات التدخل الخارجى في الداخل  من قراءة التاريخ المعاصر نفهم ومن المفروض يفهم الجميع ان محاولات تعقيد قضية العراق متنوعة متعايشة مع الامة العربية وابقائها دون الحل يرضي الإرادات الحرة لشعوب المنطقة كان ولاتزال لعبة من الاعيب بريطانيا العظمى سابقآ وامريكا الان وتحت عنوان (المسك بخيط الازمات لتحريكها وليس حلها…!!) معتمداً على الشعار البريطاني القديم (فرق تسد).  وبعودة الى التاريخ نقرأ ان اول ما فكر به الانكليز كان الاستفادة من هذا التنوع وإخضاعه لمصلحتها  قد اتخذ من العرب حلفاء له  وكذلك من اجل تثبيت السياسية البريطانية في كل من العراق وايران الواقعتين الى الشمال من الكيانات العربية المبعثرة على الطرف الغربي من الخليج العربي..

   ولما شعر الانكليز في نهاية الحرب العالمية الاولى بأنهم قد انتصروا في منطقة الشرق الاوسط  بدأوا بالتنصل عن كل الوعود التي اعطوها  لاهل المنطقة فكانت النتيجة اتفاقية سايكس بيكو سيئة السيط تم بموجبة تقسيم التركة العثمانية من الاراضي والشعوب ؛؛ فكان على سبيل المثال  مصير الكرد تقسيمهم على كل من تركيا والعراق وسوريا وايران ليتبد حلمهم في اقامة دولة مستقلة لهم ؛؛ وبذلك خلق نوع خطير من شك وريبة وعدم الثقة بين دول المنطقة نظراَ لهذا التقسيم المريب وكانت هذه الخطوة الاولى لتنفيذ وعد بلفور والان اصبح مسالة ستراتيجية بالنسبة للغرب متحججاً بهذا الشك والريبة لتدخل الدائم في المنطقة تحت الشعار الكاذب : حفظ الامن والاستقرار وضمان حق التعددية

عرضنا مرة في احد مواضعنا حول التعددية العرقية في المنطقة وثيقة من بعنوان    (ستراتيجيات إسرائيل في الثمانينات ) جاء في الوثيقة: (1- إن العالم العربي هو بمثابة برج من الورق أقامة الأجانب  – فرنسا وبريطانيا – في العشرينات، دون أن تضع في الحسبان رغبات  وتطلعات شعوب هذا العالم .

2- لقد قُسّم هذا العالم إلى 19 دولة تتكون كلها من خليط من الأقليات والطوائف المختلفة، والتي تعادي كل منهما الأخرى، وعليه فإن كل دولة عربية مؤهلة لإمكانية التفتت العرقي والإجتماعي إلى حدّ الحرب الداخلية

وتأتي الوثيقة على العراق وتقول:

(أن تفتيت سوريا والعراق في وقت لاحق إلى أقاليم مستقلة ذات طابع قومي وديني كما هو الحال في لبنان، هو هدف اسرائيل الأهم على الجبهة الشرقية على المدى القصير، فبوادر الفرقة والحرب الأهلية تلوح في العراق اليوم خاصة بعد تولي الإمام الخميني الحكم والذي يعتبره الشيعة العراقيون زعيمهم الحقيقي وليس الرئيس صدام حسين . إن تفتيت العراق أهم بكثير من تفتيت سوريا وذلك لأن العراق أقوى منها، وفي قوته خطورة على دولة اسرائيل على المدى القريب أكبر من الخطورة الكامنة من أية دولة أخرى . ومن الممكن تقسيم العراق إلى مقاطعات اقليمية طائفية كما حدث في سوريا في العهد العثماني، فتقوم دولة في كل من البصرة وبغداد والموصل، بينما تنفصل عن بعضها) (انتهى النص).

الخبث في نيات من صاغ هذه الوثيقة في مجتمعاتنا المعقدة وفي اوضاعها السياسية والاجتماعية الراهنة، أنها تعطي إنطباعاً: أن العالم العربي، وألاسلامي أيضاً، (مع أن الوثيقة لم تؤشر ذلك بوضوح)، هي الجزء الوحيد من الاوطان على الكرة الارضية يعيش عليها خليط من الاقوام والاطياف والمذاهب متنوعة، وأن بقية البلدان وداخل حدودهم الدولية يعيش فيها لون واحد وطائفة واحدة ودين ومذهب واحد ولكن، في الواقع، مع الاسف، أن تكوين العالم العربي من مختلف الاعراق والمذاهب خطر على هذا العالم، صحيح، وأن هذه الظاهرة فيها عشرات الثغرات ممكن أن تدخل منها الاعداء العرب والاسلام والشعوب المنطقة الرافضة للهيمنة و الاحتلال والاستغلال، ولكن السؤال الاهم : من فعل ذلك ؟أن الغرب الخبيث الاستعماري العدو للحرية الحقيقية لشعوب عالم الشرق فعل ذلك مع العرب ومع الكرد ومع الفرس ومع الترك وفي الواقع مع الاسلام الدين الاممي العظيم يعرف الغرب أذا كان موحد في دولة واحدة فلا قيامة للرأسمالية الاستعمارية  على الارض، ولكن الأخطر من هذا ان متنفذين وفرضوا أنفسهم على مقدرات الشعوب العربية والاسلامية وحفظاَ على بقائهم أولياء امور يكذبون على انفسهم ويعدون كل لون واحد يدين بدين وفكر الحاكم، أن المتنفذين والنخبة المقتدرة في كثير من البلدان العربية صنيعة القوى المعاهدة سايكس بيكو، وبكلمات بسيطة ولكن ذات المعنى نقول،اذا اي دولة في العالم سيادة الوطن مصانة وفية لكل ذي حق حقة والناس لايشعرون بالخوف والاظطهاد، تنوع لايكون خــــطراً على الدولة .

خلاصة القول ؛ ان تحالف القيادات الواعية لشعوب المنطقة في هذه المرحلة الكفيل الوحيد بتحقيق طموحات شعوبهم بعيدآ عن تدخلات الارادات الخارجة عن اراداة شعوبهم وحل قضـاياهم المعقدة.

 (2)

القضية الكردية نموذجاً

 اذا أردنا ان نتحدث عن القضية الكردية ؛لابد لنا ان نؤشر الى حقيقتين تأريخيتيين ليتذكرهما كل الاجيال من العرب والكرد في العراق اولآ بقية الكرد في مناطقهم الاخرى ايضآ مستفيدين من تجربة التاريخ  ليكون ماحصل ايضاءات الطريق لما يأتي…الحقيقة الاولى أن  البريطانيين قبل الامريكيين هم المسؤولون عن الواقع المر الذي يعيشه هذا الشعب العريق وان أمريكا تسير على نهج الانكليز في التعامل لاستغلال قضيتهم المشروعة وسناتي على التفاصيل حول هذا؛؛ اما الحقيقة الثانية بعدان اصبحت الامة الكردية ضحية التقسيم نتيجة التآمر الاستعماري وكما حصل للامة العربية …ان نلاحظ الجزء الكردي الذي اندمج مع العرب وضعها على طريق واضح باتجاه نيل حقوقها المشروعة وحافظ على خصوصياتها باقل تضحية لان الامة العربية كامة حاملة للرسالة الاسلامية اقرب حليف لطموحات الانسان الكردي

  ولكن ومع ان قضيتها في اقليم كردستان العراق محلولة دستوريآ وعمليآ ؛؛ الا ان خطورة بقاء هذه القضية لايزال احدى اهم القضايا الاحتياطية قابلة للانفجار في العراق ومنطقة الشرق الاوسط ..والسبب حسب تصورنا المتواضع يعود الى مايأتي:

  _ ان الشعب الكردي في العراق يعاني من ازمة القيادة موحدة في التصور والتوجه في الظرف المعقد كظرف العراق والمنطقة مؤثرا سلبا ليس على وضع العراق فحسب بل على الوضع الكردي القومى والاقليمي في الاجزاء الاخرى من كردستان ؛ ونرى ؛ وهذا من المؤسف؛ انه يظهر في كثير من التصرفات قيادات الكردية ؛ نفس الاعتماد على (قوة خارج ارادة شعوب المنطقة) لايزال طاغية في التوجه نحو المستقبل (بحجة عدم الثقة بارادات الحكم الوطني المركزي اخذين الدرس من تجارب الحكام السابقين!! بدون توقف لاخذ درس من المرات العديدة التي خدعتهم بها القوى الغربية…!!) لذا نراهم يصرحون ويتخذون مواقف ؛ منسجمة مع تطلعات الخارج لابقاء المشاكل معلقة ومستفزة لوطنية شعوب المنطقة وحتى للقوى والجهات الاقليمية والوطنية متحالفة مع طموحات الكرد المشروعة ؛ وحتى في هذا الموقف هناك تناقضات صارخة في طرح ما يطمح له الشعب الكردي من قبل قياداتهم ؛ ففي حين يعتقد بعضهم ان تأسيس الدولة الكردية وهم وحلم الشعراء اكثر من ان تكون واقعآ ؛ نرى الطرف الكردي الاخر يهدد من يخالفه الراى بالانفصال وتأسيس الدولة الكردية رغم انف من يعارض ؛ بدون ان يكون لديهم الضوء الاخضر لتحقيق جزء يسير من هذا التهديد يطمئن الشعب الكردي قبل غيرهم .     السبب الثاني : ان القيادات الوطنية في البلدان قسم بينهم ارض كردستان؛ ايضآ لايزال كثير منهم (المتنفذين تحديدآ) بعيدين كل البعد عن فهم الطموحات المشروعة للامة الكردية تأريخيآ والطموحات المشروعة للشعب الكردي في كل بلد من تلك البلدان …الى حد ان لفظة كلمة (كردستان) قبل مدة من رئيس الجمهورية تركيا عد حصول المعجزه في تاريخ المنطقة ..فيما يخص العراق والامة العربية؛ يرى كل ذي بصيرة ؛ ان تحقيق الطموح القومي المشروع للامة الكردية هي احدى الدعائم القوية للامة العربية والعكس ليس صحيحآ ابدآ ؛ واذا لاتخونني الذاكرة؛ ان الاشارة الوحيدة تأريخيآ بهذا الاتجاه العقلاني في النظر الى طموحات الكرد المشروعة؛جاءت في احدى وثائق الضباط الاربعة العراقيين (العقداء الاربعة) الذين اعدمهم النظام الملكي في العراق حيث تؤكد هذه الوثيقة بمامعناه ان استقلال كردستان وتوسع هذا الاستقلال لايضر بالارض وتاريخ الامة العربية ولايكون على حسابها بل من الممكن ان تكون لمصلحة طموحاتها القومية المشروعة في وحدة الامة ؛؛ وبنظرة دقيقة لواقع الان ؛ وماحصل في الماضي المؤلم ؛ لو وحدت القوى الوطنية والقومية الاقليمية على هدفين مهمين منطلقين من هذه النظرة( ان استقلال اي شعب من شعوب المنطقة لايضر بمصلحة اي واحد منهم)اي التحالف على اساس الحرية للجميع ؛؛والهدف الثاني تحالف بالقوة نفسها ضد اي تدخل خارج ارادة شعوب المنطقة (بريطانيا في السابق وامريكا لاحقآ) ؛ لكان تغير من النتائج ماحصل لصالح الطموحات المشروعة لجميع شعوب المنطقة….

   لنعود الى القضية الكردية اولا ان حق هذه الامة لان تكون لها كيان مستقل على ارضها التأريخية حق مشروع لايلغيه  اي تبرير مزاجي كما لم يؤد الى الغائها في الماضي لان الواقع التأريخي والجغرافي كذلك لهذه الامة يقول هذه الحقيقة؛ اما متى يكون الوضع جيداً لتحقيق هذا الحلم الكردستاني ؛هنا تكمن المشكلة واعتقد جانب من هذه القضية تكمن (ان في العراق مثلآ قبل تحقيق الطموح القومي الكردي داخل اقليم كردستان) كان الكرد متهمين من قبل متنفذي الحكم بانهم يحاولون (صنع اسرائيل جديدة في شمال العراق..!!)ضد العرب؛؛ دون تعمق في تأريخ الامة الكردية ؛ انها اقرب بكل المقايس من طموحات الامة العربية الاسلامية من اي قومية او كيانات اخرى في المنطقة ؛ ان الاساس الاسلامي للامة الكردية حتى في اجزاء تركيا وايران؛ اكثر انسجامآ مع الطموحات العربية والاسلامية من انسجام مع الطموحات الفارسية والتركية التوسعيتين..

   ان اول ما فكر به الانكليز كان الاستفادة من رؤوساء العشائر الكردية واستخدام الوجود المكروه للاتراك المحتلين في المنطقة؛ وبعد ان شعر الانكليز بأن استمالة العشائر الكردية عسكريآ الى جانبهم لايمكن ان يستمر الى ما لانهاية؛ فلابد من التفكيرفي استمالتهم سياسيآ بدغدغة العواطف الكردية في انشاء كيان سياسي لهم ؛ وحاول الانكليز اشراك المثقفين الاكراد المهاجرين ….وفي كردستان الجنوبية وهي اقليم كردستان العراق ؛؛ فقد كان لموقعها الجغرافي وتواصلها مع اراضي بلاد الرافدين مكانا ستراتيجيا لدى الانكليز من حيث الموقع والثروات الطبيعية؛ وقد بدا الانكليز بالاكراد في العراق أملا في ايجاد توازن سياسي في منطقة الشرق الاوسط مع الشريك الاوربي الفرنسي الذي كان قد اتخذ من العرب حلفاء له .  ان اسقاط وافشال شعار (تسعين بالمئة من الاوراق الحل في المنطقة بيد امريكا…!) ضرورة وواجب قادة الواعيين للامة العربية وتركيا وايران وان كلام الاستعمار القديم (الانكليز) : (ان توحيد الرآى بين العرب والفرس والترك من المستحيلات الا في حالة المواجهة مع الكرد……!!) كلام يدخل ضمن الطموح الاستعماري التوسعي وضمن الهدف (فرق تسد…!!) سيء الصيت وتستغلها امريكا مع الحركة الصهوينية العالمية لمنع التحالف  المصيري بين شعوب المنطقة في كل المجالات ولبناء والتطور والتقدم بعيدآ عن الطامعين من الغرب الاستعماري وفي المقدمة …امريكا..!