في الذكرى 64  لتأميم عبد الناصر لقناة السويس

199

 

 

 

في الذكرى 64  لتأميم عبد الناصر لقناة السويس

حسن عاتي الطائي

في السادس والعشرين من يوليو /تموز/عام 1956 فاجأ الزعيم الخالد جمال عبد الناصر العالم بتأميمه التاريخي لقناة السويس التي كانت بالنسبة للإستعمار العالمي وخاصة “الإنكلو فرنسي” الذي كان يسيطر على القناة منذ إفتتاحها في العام 1869 ليست فقط ممرا مائيا حيويا يربط البحرين الأبيض والأحمر ببعضهما لتسهيل عملية نقل البضائع وإختصار الوقت وإنما كانت شريانا وعصبا إقتصاديا وستراتيجيا ومصدرا هائلا للطاقة لا يمكن الإستغناء أو التخلي عنه لأي سبب من الأسباب ،كما كانت رمزا للهيمنة الإستعمارية على بلدان الوطن العربي والشرق الأوسط وتعبيرا عن قوة ذلك الإستعمار وجبروته خاصة مع وجود ما يقرب من ثمانين الف جندي بريطاني في مصر منذ إحتلالها في العام 1882بعد القضاء على”ثورة عرابي” في معركة التل الكبير الشهيرة..وبالنسبة لمصر فقد كانت رمزا إستعماريا ووسيلة نهب مستمرة ومنظمة لقناة مصرية حفرها المصريون الذين كانوا يعملون بالسخرة ليل نهار في ظل ظروف مأساوية لا يمكن تصورها من حيث بشاعتها ولا إنسانيتها وأستشهد في سبيل إنجازها أكثر من مئة وعشرين ألف من العمال المصريين الفقراء..وكما جاء في الصفحة29من كتاب(القناة لمصر) لمؤلفه الكاتب اللبناني “ميشال سليمان”فإن شركة قناة السويس المشرفة على شق القناة بقيادة المهندس الفرنسي”فرديناند ديلسبس” صاحب فكرة إنشاء القناة ومنفذها (كانت تستخدم عشرين ألف فلاح في شق القناة يعملون لمدة شهر ثم يستبدلون بغيرهم حتى بلغ عدد المصريين في العمل فيها أكثر من مئتي ألف مصري..كان العمال جميعا يعملون في ظروف عصيبة وجو موبوء وإنتشر بينهم المرض والجوع والعري والفاقة،وكان على العامل المصري أن يقبل بأجر يومي مقداره”25سنتا” أي بما يقل عن القرش وكان من هذا الأجر غذاؤه وكساؤه، وعلى هذا النحو كان العمال المصريون يعملون مستعبدين مسخرين ويزرعون تحت السياط”الفجل والكراث” وتوزع الشركة على كل واحد منهم رغيفا واحدا في اليوم وتخصم ثمنه من أجره،وقد مات من هؤلاء العمال تحت الإنهيارات الرملية وبأمراض التايفوئيد والكوليرا ما يزيد عن المئة وعشرون ألف عامل دون دفع أي تعويض عنهم، وفي شهر رمضان كان بعض العمال الصائمون يشتغل قي النهار وبعضهم يشتغل ليلا تحت ضوء المشاعل،وكان الماء الذي يستخدم للشرب،يوزع على العمال بالبطاقات،وفي كثير من الأحيان كان الماء لا يصل إليهم فيموت الكثير منهم عطشا..)وبعد أحد عشر عاما من العمل الشاق والمتواصل أفتتحت القناة للملاحة في السابع عشرمن تشرين الثاني عام 1869..وكانت مصر كما يقول الكاتب العربي الكبير “عودة بطرس عودة”في كتابه الضخم( عبد الناصر والإستعمار العالمي) (تملك44%من أسهم القناةعند إفتتاحها،ولكن في العام 1875 إضطر الخديوي إسماعيل الذي أغرق مصر بالديون على ملذاته الى بيع جميع أسهم مصر قي شركة القناة لبريطانيا مقابل 4 ملايين جنيه إسترليني..وبعد إحتلال بريطانيا لمصر في العام 1882 أصبحت القناة شريان الحياة للأستعمار البريطاني وتعاظمت أهميتها الإقتصادية بعد الإكتشافات البترولية الهائلة في إيران والسعودية ومنطقة الخليج العربي..ولم تكن مصر الى ما بعد الحرب العالمية الثانية تحصل على ما يستحق الذكر من عائدات هذا المرفق الهام..وفي العام 1949وتحت ضغط الرأي العام المصري وبعد مفاوضات بين الحكومة المصرية وشركة قناة السويس جرى تعديل للإتفاقية المعقودة بين الطرفين وافقت الشركة بموجبها على دفع 7% من عائدات المرور بالقناة لمصر وجعل عدد المدراء المصريين في الشركة مديرين مقابل 25 مديرا إنجليزيا و16 فرنسيا وزيادة عدد المرشدين المصريين، وقد بلغ عددهم عند التأميم 40 مرشدا من أصل205 من المرشدين الأجانب..وبعد الثورة وفي العام 1954 إستجابت شركة القناة لطلب عبد الناصر لإجراء مفاوضات لتعديل إتفاقية عام 1949 الظالمة والمجحفة بالحقوق الطبيعية والشرعية لمصر ولكن الشركة وكانت تعكس سياسة بريطانيا وفرنسا طالبت بتمديد أجل الإتفاقية المحدد بموجب الإمتياز الممنوح الى “ديلسبس”في العام 1868 مقابل موافقتها علي زيادة نسبة الأرباح التي تحصل عليها مصر،ولم يكن عبد الناصر مرتاحا لسير المفاوضات،كما لم يكن على إستعداد للبحث في فكرة تمديد أمتياز الشركة وكان إحساسه الذي عبر عنه للرئيس “تيتو” إن إستمرار ذلك الوضع يشكل إنتقاصا لآستقلال مصر ولذلك فإن إتجاهه لإسترداد الحق المغتصب إستكمالا للإستقلال كان قويا وبعيدا عن الإعتبارات المادية..ص346/348) .

بداية الثورة

من أجل ذلك وبسببه كان عبد الناصر يفكر منذ بداية الثورة بتأميم القناة،ولهذا فقد كانت هناك العديد من الدراسات والبحوث المستفيضة التي أجراها وقدمها أساتذة وباحثون مختصون ومفكرون كبارحول موضوع التأميم،وقد أنشأ لهذا الغرض مكتبا خاصا سمي “مكتب قناة السويس”تابعا لمجلس الوزراء..وقد ألمح عبد الناصر عن نيته لتأميم القناة في 17ت  2   عام 1954 حين قال:(لقد كانت مصر للقناة،وذلك هو الماضي،ولم تعد مصر للقناة،وذلك هو الحاضر،وسوف تكون القناة لمصر،وذلك هو المستقبل. ) ،،لم يكن الدافع الوحيد لتأميم القناة هو الطريقة الأستفزازية التي سحبت بها كل من الولايات المتحدة وبريطانيا ومن ثم البنك الدولي عرضهما في المساهمة في بناء السد العالي ،وإنما كانت هناك دوافع وحوافز كثيرة أهم دفعت لذلك التأميم أبرزها أن القناة كانت إرثا إستعماريا ينتقص من سيادة مصر يجب التخلص منه،فلقد كانت بمثابة دولة داخل الدولة من حيث نفوذها وصلاحياتها التي تمنع الحكومة المصرية من مراقبتها أو الإشراف على إيراداتها التي يذهب الجزء الأكبر منها الى جيوب المستغلين والمستثمرين الأجانب بينما لم تحصل منها مصر إلا على 7%من تلك الإيرادات الضخمة ..لقد جاء ذلك العمل الإستفزازي(سحب عرض التمويل) ليجعل من التأميم أمرا لا بد منه ليس فقط ردا على سحب العرض الخاص بتمويل السد وإنما أيضا لإستخدام إيرادات القناة التي ستعود كلها لخزينة الدولة المصرية في بنائه..لقد كان هناك ترابط وثيق عند عبد الناصر بين فكرة تأميم القناة وبين التفكير ببناء السد العالي..كان مشروع بناء السد فكرة مطروحة قبل الثورة،ولكن الحكومات المتعاقبة في العهد الملكي لم تستطع تنفيذها لأسباب عديدة أبرزها تبعيتها لأرادة الأحتلال الأجنبي وعدم قدرتها على إتخاذ قرار سيادي كبير مثل هذا دون الرجوع الى سادتهم المحتلين الذين عاثوا في مصر والوطن العربي فسادا وخرابا ونهبا للثروات والخيرات..بعد ثورة يوليو عام 1952 أعاد عبد الناصر الحياة لهذه الفكرة وبدأ منذ العام 1953 يخطط لبناء هذا السد العملاق الذي وصفه المهندسون والخبراء بإنه أعظم وأكمل بناء هندسي في القرن العشرين.. إن مشروع بناء السد العالي كما يقول الدكتور”عودة بطرس”في كتابه الذي سبق ذكره (ليس مجرد مشروع ضخم يمثل أعلى مستوى توصل إليه الإنسان في الفن الهندسي لتوليد عشرة آلاف مليون كيلو واط ساعة في السنة،والتحكم في مياه نهر النيل،وبالتالي إستصلاح أكثر من مليون فدان وتحويل تسعمئة ألف فدان أخرى من ري الحياض الى الري الدائم،أي زيادة الأرض الزراعية بمقدار الربع،والتخلص نهائيا من أخطار الفيضان أو أخطار إنخفاص منسوب المياه،وتوفير الطاقة اللازمة للعديد من المشروعات الصناعية الإنتاجية..إن السد العالي بالأضافة الى ذلك رمز لقدرة الشعوب إذا ما توفرت لها القيادة الثورية المخلصة،على هزبمة الإستعمار وإنتزاع حقوقها من بين براثنه ومخالبه وصنع التقدم..ص355/356).

لقد كان تأميم عبد الناصر لقناة السويس في ذلك الوقت الذي كانت فيه أغلب دول العالم الثالث بما فيها الدول العربية ودول أمريكا اللاتينية وغيرها واقعة تحت السيطرة الأستعمارية المباشرة ردا حاسما ومذهلا لم يتوقعه أحد من كبار ساسة الإستعمار على سحب العرض الأمريكي البريطاني لتمويل السد العالي بعد أن فشلوا في فرض شروطهم وإرادتهم على مصر عبد الناصر وصفعة موجعة أطاحت بحساباتهم الظلامية وصفها رئيس الحكومة البريطانية “إنطوني إيدن” (بأنها صفعة مباشرة على الوجه) ودفعت “آلان دالاس “وزير الخارجية الأمريكي الى القول:(يجب إرغام عبد الناصر على لفظ ما يحاول إبتلاعه)..

سياسي محنك

لم يتصور إيدن وهو السياسي المحنك ورئيس وزراء بريطانيا العظمى أن ضابطا مصريا عربيا شابا لا يتعدى عمره السادسة والثلاثون يمكن أن يتحداه  ويشق عصا الطاعة عليه وعلى إمبراطوريته العظمى التي لا تغرب عن ممتلكاتها الشمس ويوجه لها طعنة نجلاء لن تشفى منها أبدا وستؤدي بها الى الأنهيار .. ومثلما كان يوم تأميم عبد الناصر للقناة يوم عرس مصري مشهود لا مثيل له فقد كان أيضا يوما عربيا تاريخيا مشهودا  قابله العرب بفرح غامر عارم في كل أرجاء الوطن العربي الكبير خرجت فيه الجماهير  في المدن والعواصم العربية بتظاهرات ومسيرات شعبية كبرى حاملة صور عبد الناصر بوصفه بطل العرب القومي هاتفة بحياته ومرددة الأناشيد الوطنية والقومية الحماسية إحتفالا بذلك الإنجاز الباهر الذي إستردت به مصر الثورة والعروبة ومعها الأمة العربية إعتبارها ومكانتها وحقها الطبيعي في قناة السويس التي سماها بطل التأميم”قناة العرب”..

مشاركة