في الذكرى  53 لنكسة حزيران – حسن عاتي الطائي

301

في الذكرى  53 لنكسة حزيران – حسن عاتي الطائي

ما كان لنكسة الخامس من حزيران عام 1967  أن تقع وأن تحدث كل ما أحدثته من خراب ودمار مادي ومعنوي لدى الشعب العربي في كل مكان لو أن القيادة العامة للقوات المسلحة المصرية الممثلة آنذاك ب(المشير عبد الحكيم عامر)ومن معه من قادة القوات الجوية والبرية والبحريةوالدفاع الجوي قد إلتزمت بأوامر وتوجيهات القائد الأعلى الرئيس جمال عبد الناصر الذي كان قد إجتمع بالقيادتين السياسية والعسكرية في الثاني من حزيران(قبل العدوان بثلاثة أيام) وأبلغهم بوضوح وصراحة بناء على ما توفرت لديه من معلومات مؤكدة أن العدو الصهيوني سيبدأ عدوانه خلال الثماني والأربعين أو الأثنين وسبعين ساعة القادمة وأنه سيوجه ضربته الأولى الى القوات الجوية.. والغريب في الأمر أن تلك القيادة التي أثبتت تخاذلها وفشلها في أداء واجبها المنوط بها وحتى خيانتها قد تعهدت للرئيس بأنها في مستوى المسؤولية وجاهزة تماما للرد على أي عدوان بل وستلحق به الهزيمة وتحقق النصر المرتقب. وهو ما عبر عنه المشير عامر بثقة عالية حين خاطب الرئيس بقوله:(برقبتي يا ريس)وأكثر من ذلك وبحسب ما ذكره “أمين هويدي”وزير الحربية بعد النكسة والمقرب من الرئيس ناصر في كتابه (الفرص الضائعة) فـإنه قد صرح متفاخرا ومعتدا بنفسه (وهو على ما يعتقد أنه يقود أقوى قوة في الشرق الأوسط بأنه لا يتمنى أن يكون في وضع “موشي دايان”الذي لا بد أن يكون الآن حائرا فيما يمكن أن يفعله أزاء قوة الإستعداد المصري)…إن ما حدث على أرض الواقع هو العكس تماما،فقد تسببت تلك القيادة العسكرية الفاشلة وغير الكفوءة بنكسة عسكرية مريرة دون قتال أو مواجهة حقيقية مع العدو..فقد أستطاع الصهاينة تدمير سلاح الجو المصري وهو رابض على الأرض بغارات متتالية دون أي إعتراض لها من جانب وسائل الدفاع الجوي..

ارتباك وانهيار

 وبسبب تلك المفاجأة التي سببت الإرتباك والإنهيار والإحباط فقد أصدر المشير عامر بصفته القائد العام للقوات المسلحة أوامره بالإنسحاب من سيناء خلال 24  ساعة مما أدى الى إنسحاب سريع غير منظم فقد فيه الجيش جزءا كبيرا من قواته ومعداته وأسلحته وآلياته وذخائره وتجهيزاته من خلال الضربات الجوية المتتالية التي كان يتلقاها من الطائرات والدبابات وسلاح المدفعية الصهيونية أثناء إنسحابه دون تخطيط أو حماية جوية تغطي أو تحمي ذلك الإنسحاب..لقد كتب الكثير جدا عن تلك النكسة العسكرية المشؤومة وعن الأسباب التي قادت إليها وما رافقها من ملابسات وتداعيات وما فيها من أسرار وكلها قد أجمعت على أن مسؤولية النكسة تقع على عاتق القيادة العسكرية التي لم تستعد للحرب وبالذات المشير عبد الحكيم عامر الذي لم تتوفر فيه صفة القائد الكفوء والناجح والذي شكل مركز قوة داخل القوات المسلحة مما أساء إلبها وعطل دورها وأدى الى هزيمتها المدوية دون مواجهة مع العدو ..ومن بين ذلك مثلا ومن خلال التحقيقات التي جرت مع القادة العسكريين الذين تسببوا بتلك النكسة المذلة أثناء المحاكمات التي جرت لهم ان القيادة العسكرية المصريةالمسؤولة عن شؤون الجيش والتي كانت تدير المعركة لم تأخذ تحذيرات وتحليلات الرئيس عبد الناصر وتحديده لليوم الذي سيقع فيه العدوان على محمل الجد ، بل وشككت في ذلك وتجاهلته ولذلك فإنها لم تضع في حسابها أن الحرب ستقع .. وعلى ضوء ذلك فإنها لم تقم بإبلاغ القوات المسلحة والقادة الميدانيين في جبهات القتال بما دار في ذلك الإجتماع التاريخي الذي حدد فيه عبد الناصر يوم الخامس من حزيران بإعتباره اليوم الذي سيشن فيه العدو الصهيوني عدوانه المنتظر لكي يستعدوا لمواجهته والتصدي له..إضافة لهذا فقد إثبتت الوثائق والبيانات والأسرار السياسية والعسكرية الخاصة بالدولة التي تم الكشف عنها خلال الخمسين سنة الماضية الى جانب المذكرات والدراسات والتصريحات التي نشرها وأدلى بها الكثير من السياسيين والمسؤولين في تلك الفترة أن نكسة الخامس من حزيران كانت ثمرة مؤامرة إمبريالية وصهيونية واسعة النطاق شاركت فيها قوى عالمية عديدة ورجعية داخلية وعربية هدفها القضاء على جمال عبد الناصر ومشروعه القومي الحضاري وحركته القومية العربية المعادية للإمبريالية والصهيونية والرجعية..

قوى استعمارية

 وبرغم أن نكسة الخامس من حزيران عام 1967  كانت شديدة التأثير على عبد الناصر الذي كانت القوى الأستعمارية والصهيونية تعتقد أنها قد حطمته وأزالت سحره ونفوذه وأنه سيأتي إليها صاغرا ليوقع على صك هزيمته وإستسلامه إلا أنه لم يفقد شجاعته أو إرادته الحرة ولم ينحن للضغوط والإملاءات الصهيونية والأمريكية ولم يتراجع أبدا عن مبادئه وأفكاره القومية الثورية التقدمية، فقد رفض التفاوض مع العدو الصهيوني أو الصلح معه أو الإعتراف به أو التنازل عن حقوق الشعب العربي الفلسطيني معلنا إن إرادة النضال والقتال وروح الصمود والمقاومة لم تهزم لدى الأمة العربية التي تتكالب عليها قوى الشر والظلام من كل جانب وأطلق مقولته الخالدة:(أن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة) تعببرا عن رفضه للهزيمة وتخطيه لها مؤكدا أن خسار معركة في حرب مستمرة طويلة الأمد لاتعني خسارة الحرب نهائيا أو الإستسلام لأرادة المعتدين،مبينا أنه ليس هناك جيشا في العالم مهما كان قويا لم يهزم في معركة أو عدة معارك كما أنه ليس هناك قائدا سياسيا أو عسكريا مهما كانت قدراته وشعبيته لم يتعرض للهزيمة أو للإنكسار، وبدأ على الفور ليلا ونهارا ودون كلل أو ملل خاصة بعد أن تم ابعاد القيادات العسكرية السابقة المسؤولة عن النكسة والمجئ بقيادات شابة كفوءة ومخلصة بإعادة بناء القوات المسلحة المصرية على أسس علمية ومهنية عالية إستعدادا للمعركة القادمة مع العدو..وخلال أقل من ثلاث سنوات أصبح الجيش المصري أقوى مما كان عليه قبل العدوان جاهزا لتحرير الأرض التي سيطر عليها الصهاينة بالمكر والغدر ودون قتال.. كانت خطة التحرير التي وضعها بخط يده جاهزة وكل شيء قد أصبح معدا ومهيأ لعبور الجيش المصري لقناة السويس حين إنتقل الزعيم الخالدجمال عبد الناصر بصورة مفاجئة الى رحاب ربه العظيم في الثامن والعشرين من أيلول عام 1970..

مشاركة