في الذكرى الثالثة لرحيل الشاعر الدَنمركي نوردبراندت

د. زهير ياسين شليبه

لا تفرغ حقيبة سفرك وتوضّب حاجاتك عند وصولك”

في الذكرى الثالثة لرحيل الشاعر الدَنمركي المعروف هنريك نوردبراندت   1945- 2023

إذا أردنا الحديث عن الشعر الدنمركي المعاصر فعلينا أوّلا وقبل كل شيء تذكر الشاعر كلاوس ريفبييرج الذي كان يقيم في إسبانيا، وبني أندرسن في باربيديس، وهنريك نوردبراندت ما بين الدنمرك وتركيا والدول الدافئة منذ السبعينات، إضافة إلى العديد من الشعراء الذين لا يتذكرهم الدَنمركيون كثيرًا.

رحل الشاعر هنريك نوردبراندت (1945-2023) عنا في يناير من عام 2023 بعد أن حصل على مكانة كبيرة في الأدب الدنمركي وحاز على الجائزة السنوية الكبيرة لأدب الشمال لعام 2000 عن مجموعته الشعرية “جسور الحلم”، الذي أصبح رمزَ الفقدان والاسترجاع في الشعر.

قصيدة “لا تفرغ حقيبة سفرك وتوضّب محتوياتها” لهنريك نوردبراندت انتشرت في أوساط المثقفين الدنمركيين.
وقد فُسرت هذه القصيدة بطرق ومستويات مختلفة، كتبها هنريك نوردبرانت ونشرها ضمن مجموعته الشعرية “ظل الوردة”. هذه القصيدة يمكن أن تُفهم كما لو أنها تحمل مفاهيمَ كثيرةً، وهي بالتأكيد نتيجة لتجارب الشاعر في الغربة والسفر.
وعندما يفتح المرء حقيبة سفره ويوضّبُ حاجاتِه الضرورية، يعني أنه يتقبل أن يكون جزءًا من المجتمع الذي يقدم إليه ليبقى فيه.
يؤكد الشاعر هنا بأنه من الخطأ فتح الحقيبة وتوضيب محتوياتها قبل أن يكون المرء متأكدا تماماً من استعداده لهذا الأمر إذ إن الشاعر يستمر في تكرار لازمته: لا تفرغ حقيبة سفرك!

لأنه قد يكون من الممكن أن تغير رأيك بالمكان الجديد وتبدأ بالاهتمام بالأمور التي كانت تجري في بلادك وتحنّ إليها. يمكن أن يحدث بأنك يمكن أن ترى فجأة بأن الشارع الذي تسكن فيه له اسم وليس مجرد شارع فحسب وعليك أن تعتاد عليه وترتبط به.
إذا وضّبت أشياءَ حقيبة سفرك (متاع سفرك) عند وصولك المكان الجديد، فقد تستطيع أن ترى شكلاً يشبه دارك تمامًا أو وطنك، وكما يقول الشاعر إذا ينقصك شيء لتكتمل الصورة، فقد تشتري زريعةً لكي يتم التناظر ويكون لديك شيء تهتم به وتعجب به وتودّه.
يكتب الشاعر المقطع الأخير عن أفضليّة بقاء الحقيبة في غرفة فارغة لا يوجد فيها أكثر من مصباح كهربائي، إذا لم يقرر المرء الاستقرار، ولا يجب أن يكون هناك شيء يتعلق به.

تَرجمتُ هذه القصيدة من الدنمركية إلى العربية قبل ثلاثة عقود، وأُلقيتْ في أكثر من مناسبة في مدينة روسكيلده. وأقامت إحدى المؤسسات التربوية، نشاطات حول موضوعة الاندماج الاجتماعي، وألقت إحدى الأمهات القصيدة بالعربية، بينما قرأتها المربية إيرينا بالدنمركية مع مشهد تمثيلي مستوحى منها، مستشهدةً بها وقالت:
من خلال عملي مع مواطنين ينحدرون من ثقافات مختلفة، تكوّن لدي انطباع بأن الاندماج الجيد في المجتمع الجديد مرتبط بمدى رغبتهم باستمرار حياتهم هنا في الدنمرك.
عندما يفتح المرء حقيبته ليوضّبها يعني هذا اعترافه بأنه يريد أن يكوّن لنفسه محيطًا هنا في بلاده الجديدة
وأنه يجب أن يقيم هو وابناؤه وأحفاده. يمكن أن يكون المرء مضطرًّا لتعلّم القيم الجديدة في الوطن الجديد جنباً إلى جنب مع ماضيه الخاص.
وقالت إيرينا: أريد ان أروي لكم حكايةً من يوم من أيام عملي في روضة الأطفال:

كان لدي قبل مدة محادثة مع عائلة من انحدارات غير دنماركية. كنت أريد أن أخبر الأبوين بأنهما يجب أن يجلبا أطفالهما إلى الروضة قبل العاشرة صباحًا، ومن الأفضل قبل التاسعة إذا كان هذا ممكنا بالنسبة للأطفال.
يجد الأبوان صعوبة في تحقيق هذا الأمر لأن نهارهما يختلف عن نهارنا. إنهما يضعان أطفالهما في فراش النوم في وقت متأخر، عندما يتعبون جدا، ويستخدمان جزءًا كبيرًا من المساء في مشاهدة التلفاز ولهذا يصعب عليهما الاستيقاظ مبكرا في الصباح. حدثت لنا مشكلة وأعتقدَ الوالدان بأنهما غير مستعدين لتغيير طريقة قضاء نهارهما، أي الاستيقاظ مبكّرًا والتوقف عن مشاهدة التلفاز مع الأطفال في وقت متأخر لكي يناموا ويستيقظوا مبكراً.
وتحدثنا عن أهمية حضور أطفالهما منذ الصباح لأنهم سيبدؤون الدراسة في المدرسة في الصيف القادم ولا بدّ لهم من التعود على ذلك وتدبر أمرهم، وأخبرتهما بأن أطفالهما سيعيشون في الدنمرك ولا بدّ لهم من أن يحصلوا على ما لم يستطيعا هما الحصول عليه في بلادهما، لكي يكبروا ويتعلموا ويحصلوا على أعمال جيدة ويدبّروا أمورهم بأنفسهم. فَهمَ الأب هذا الأمر قائلا: نعم، فليس لدينا مكان آخر نقيم فيه غير الدنمرك.
أخيرا فإنهما يريدان التعاون مع الروضة، وفي الحقيقة أنهما تمكنا من جلب أطفالهما في الصباح على الرغم من أن اليوم الأول كان صعباً حيث كان الأطفال متعبين ومتثائبين”.
وتقول المربية إيرينا أيضا: أنا أعتقد أن هذين الأبوين وهذه العائلة في طريقهم إلى “فتح حقائب سفرهم وتوضيب حاجاتهم للاستقرار هنا”. إنها عملية متعبة وستأخذ بالتأكيد وقتًا طويلاً قبل أن ُتفتح، لكن إذا كنتُ حقاً قد ساعدتهما وأنهما فهما بأن أطفالهما يجب أن ُتفتح حقائبهما وتُرتّب أشياؤهما لأن هذا يعني الاستقرار، فأنا مقتنعة وراضية بعملي وسعيدة”.
قد تتسم هذه الطريقة بالطرافة، لكن لا يمكن عدم إظهار الإعجاب بها في استخدام الشعر لحل المعضلات الاجتماعية، التي يواجهها الأجانب المقيمين في الدنمرك، ولا أعتقد أنه من السهل الوصول إلى هذا المستوى من الوعي في مجتمعات الفوضى، علما أنها ليست المرة الأولى، التي تستخدم فيها الفنون لأغراض اجتماعية في هذه البلاد، التي ُيكرّس كل شيء فيها لرفاهية الإنسان بعيدا عن الشعارات السياسية.

لا تفرغْ حقيبةَ سفرك عند وصولك*
لا تُفرغْ حقيبةَ سفرك! بلا وعي
قد تُبعثرُ محتوياتِها
لدرجة أنها تغريك لترى شكلاً
يُشبه تمامًا حروف كلمة: بيت **.
حيث هناك شيء مفقود في التناظر
فقد ترغب في جلب زريعة
تسقيها وتبدأ بالاهتمام بها.

لا تُفرغْ حقيبةَ سفرك! الحرب
يمكن أن تندلعَ. أو ما هو أسوأ
يمكن أن تتوّهمَ بأنك عشقتَ
وكأية عاقبة حتمية
تنتقل إلى شارع له اسم
فالشوارع ليست كما هي الآن مجرد شوارع
بل حركة المحكومين بالإعدام فيها.

لا تفرغْ حقيبةَ سفرك! إنه من الأفضل
أن ترتدي قميصًا مدعوكًا
من قميصٍ آخر كان معلّقًا في شرفة
مطلة على بعض الجزر الضبابية
وقد كوته يد حنون،

أن تشمَّ رائحة النفتالين أعبق من وردة الخزام
فقد تعتقد أنها وردة.

لا تُفرغْ حقيبةَ سفرك! دَعها في مكانها
جنب الحائط في غرفة عارية
حيث هناك مصباح كهربائي
لا يدعك تشكّ ولو للحظة واحدة
أين ومن أنت على هذه الكرة الأرضية.
لا تُفرغْ حقيبةَ سفرك! ولو للحظة واحدة
قبل أن تتمكن من الاستغناء عنها تمامًا.

وإلا دَعها مركونةً.
—-

* أو: لا تفرغ حقيبة سفرك عند وصولك وتوضّب حاجاتك! تفريغ حقيبة السفر أو إخلاؤها عند الوصول: ترتيب محتوياتها في السكن الجديد أو حتى في الغرفة الشخصية في الهوتيل، صورة مجازية عن علاقة الإنسان والروح بالمكان والاستقرار والتأقلم والاندماج والارتباط والتعلّق به.

**تعني وطن أيضاً.

 القصيدة من ديوان: ظل الوردة، دار نشر مونكسجاآرد 1999

شرح الصورة المرفقة:

الدكتور زهير ياسين شليبه إلى اليسار في الصف الأول مع نخبة من موظفي بلدية روسكيلدة وبعض المغتربين