في التكنولوجيا والإقتصاد والسياسة   (2) – طه النعمة

389

في التكنولوجيا والإقتصاد والسياسة   (2) – طه النعمة

تمهيد:

بعد القسم (1) هذا هو القسم (2) الذي نواصل فيه عرض فقرات موجزة من كتاب غير تقليدي صادر بالانكليزية، فرغت من قراءته مؤخراً، وتقديراً لأهميته من وجهة نظري، ارتأيت ترجمة وعرض فقرات موجزة منه تعميماً للفائدة. وقبل البدء واستجابة لتساؤلات بعض الاصدقاء الاعزاء، وجدت ضرورةً في ايضاح بعض ما ورد في القسم (1) من عرضنا للكتاب موضوع البحث (مع ثقتي بان كثير من القراء على دراية مسبقة، ربما اكثر من درايتي، بمضمون ما سيوضّح)؛ اولاً، اطلق المؤلف في عنوان كتابه هذا تسمية افتراضية على الانسان الذي ربما سيأتي في القرن الحادي والعشرين أو في القرون القليلة التي ستليه هي ’هومو ديوس‘. وقد لجأ هنا الى الصيغة العلمية في تسمية انسانه الافتراضي، على وفق التصنيف الحديث للكائنات الحية كافة، لتفريقه عن الانسان الحالي؛ )هومو سيبيانس  Homo sapience). وهومو هو الجزء الأول من اسم عديد انواع البشر التي عاشت على كوكب الارض على مدى الأربعة ملايين سنة الفائتة وصولاً الى انساننا المعاصر (مثل هومو إرَّكتس / الانسان المنتصب وهومو نياندرثاليس انسان النياندرثال، وهي انواع بشرية انقرضت ولم تترك خلفها سوى بقاياها الاحفورية، والاخير عاصر انساننا لحوالي اربعين سنة وارتحل آخر بقيته الى فضاء الانقراض قبل حوالي ثلاثين الف سنة فقط). إذ إن التسمية العلمية للكائنات الحية تتألف من جزئين؛ يشير الأول الى جنس genus الكائن والثاني الى نوعه species وتساعد هذه التسمية في تحديد نوع الكائن عند وجود اكثر من نوع ينتمي الى نفس الجنس وأيضاً الى درجة قرابته للكائنات الاخرى، إذ إن جميع الكائنات التي تواجدت في شجرة الحياة على امتداد الزمن النشوئي والمتواجدة الآن تربطها قرابة تتتفاوت من حيث درجتها. و’هومو ديوس‘ تعني الانسان المتألّه، بينما ’هومو سيبيانس‘ تعني الانسان الحكيم، من حكمة، وليس العاقل من عقل التي اعتاد على استخدامها غالبية كتاب العربية، إذ من الأفضل، كما اعتقد، أن تستخدم  مفردة عقل فقط مقابل reason بالمعنى الفلسفي. وصفة الحكيم، التي إختارها السيبيانس تسميةً لنفسه لا شك تكشف عن مدى غروره.  والمؤلف يكثر من استخدام مفردة سيبيانس في الكتاب، بدون سابقتها هومو لانعدام وجود نوع بشري آخر حالياً، للدلالة على الانسان الحالي التاريخي والمعاصر، كما سنلحظ في القسم (2) من هذا العرض. وثانياً، تمتد جذور مفردة لوغارتم الى محمد بن موسى الخوارزمي المتعدد المعارف والمولود في أوزبكستان (781- 841 م ؟ ) والذي عمل في دار الحكمة ببغداد واقام فيها والف كتبه بالعربية، وهو واضع مبادئ الخوارزمية المشتق اسمها من لقبه، وقد مرت الخوارزميات أو اللوغاريتمات، كما لا يخفى، بأطوار استحالة في الاسم والمحتوى. وهي تعني، إن شئنا التبسيط، مجموعة الخطوات المتتابعة التي لا تحتمل الالتباس لحل مشكلة ما. وابسط مثال لدينا نجده في كتب الطبخ والمتمثل في الخطوات المتسلسلة التي ينبغي اتباعها لإعداد طبق ما. ويزداد مفهوم اللوغاريتم تعقيداً، بطبيعة الحال، عند استخدامه في الرياضيات وعلوم الحاسوب ومؤخراً في البيولوجيا، بغرض حل طبقات أو مصفوفات matrix من المسائل والمشكلات المتعاظمة التعقيد والصعوبة. واستطراداً، يحوي الجينوم البشري، كما في سواه من الكائنات، سلسلةً من المنظومات اللوغارتمية البايولوجية المركبة والمتشابكة والمتفاعلة لصناعة الكائن وإدامة حياته. الآن، في نهاية القسم (1) وجدنا ان سياسيي القرن الحادي والعشرين السيبيانس، أكانوا برلمانيين أم دكتاتوريين، قد غرقوا أو هم يغرقون أو سوف يغرقون في سيل بيانات يعجزون عن معالجتها بالسرعة والكفاءة اللازمتين؛ ونواصل…:

” ولحل اشكالية فراغ السلطة يرى بعض الليبراليين الجدد اناطة القرارات المهمة الى قوى السوق الحرة. من جهة اخرى يعتقد بعضٌ آخر بوجود جهة مسؤولة عن ادارة العالم بالفعل مؤلفة من زمرة من اصحاب البلايين الذين يديرون العالم سراً. ولكن غني عن البيان التأكيد على خطورة إيداع مستقبل البشرية بين يدي قوى السوق أو الوثوق بها لأنها، ببساطة، تفعل ما ينفع السوق بدلاً مما ينفع البشرية وكوكب الأرض. فضلاً على ان نظرية مؤآمرة اصحاب البلايين الساذجة غير قابلة للتصديق، لأنها تسئ كثيرأ تقدير مدى تعقيد شؤون العالم، إذ ان  نفراً من أصحاب البلايين الذين يدخنون السيكار ويحتسون الويسكي في غرفة في مكان ما لا يستطيعون فهم كل ما يجري على كوكب الارض أو استيعابه، ناهيك عن التحكم فيه.

” وبما ان خلو كرسي السلطان نادراً ما يدوم طويلاً، وإذ كان كل المذكورين اعلاه يبدون عاجزين عن اشغاله، ولما لم تعد البنى السياسية في القرن الحادي والعشرين بمختلف أوصافها قادرة على معالجة البيانات بسرعة كافية لانتاج رؤيا ذات مغزى، فان بنى جديدة اكثر كفاءة، ومختلفة تماماً عن كل ما قبلها، قد تنشأ لملء الفراغ. الأمر الذي يمكن ان يفسح الطريق أمام البيانوية لتصبح هي البنية الجديدة المؤهلة والمرجحة لإشغال الكرسي الشاغر.

” وبحسب منظور البيانوية يمكن عد السيبيانس منظومة معالجة بيانات مفردة، وكل فرد هو رقاقة chips فيها؛ ووفقاً لهذا المنظور يصبح بمقدورنا ان نراجع تاريخ السيبيانس ونفهمه بلغة المعلوماتية بحسبانه عملية مستدامة لتحسين كفاءة تلك المنظومة، وذلك باتباع الطرق الآتية؛ البداية مع تكثير عدد رقائق المنظومة الأم، ومن ثم شطرها الى منظومات فرعية منفصلة عن بعضها تتفرق في أنحاء الكوكب حيث تنمو وتتنوع وتتعمق قدرات كل واحدة منها على حدة، ثم القيام بربط هذه المنظومات الفرعية ببعضها لتتعارف وتتفاعل، ثم اخيراً دمجها، بما فيها من تنوع وغنى، لتكوين منظومة مفردة أصبحنا نطلق عليها القرية الكونية التي نشهد الآن بدايات تشكلها   ( ألا يجعلنا هذا نشعر بأننا امام لوغاريتم كوني؟ ).

” الآن إن كانت البشرية منظومة معالجة بيانات واحدة، كما تدعي البيانوية، ما هي إذن مخرجاتها؟ ستجيب البيانوية، على الارجح،  بأن مخرجاتها، التي هي قيد التحميل، ستكون منظومة معالجة بيانات فائقة الكفاءة وبمواصفات غير مسبوقة ، تدعى؛ إنترنيت – كل – الأشياء  Internet-of-All-Things ومتى ما تحقق ذلك فإن قسماً من هومو سيبيانس الذي نعرفه سيصبح معدّلاً بايولوجياً ومدعماً الكترونياً وموصولاً  plugged in ومدمجاً تماماً بالمنظومة كما هو حال باقي مكوناتها، أما القسم الآخر فانه سيغيّب تدريجياً في فضاء العدم. عندها تستلم البيانوية زمام الامور في كوكب الأرض.

” وكما هو حال الرأسمالية، فإن البيانوية هي الاخرى نظرية ” علمية ” محايدة اخلاقياً، ولكنها ستتحور الى عقيدة بمقدورها تحديد الخطأ والصواب، أي تصبح لديها قيم. والقيمة العليا لهذه العقيدة الجديدة هي ” حرية حركة المعلومات ” إذ تعدّها خيراً اعظماً للجميع. وعلينا ان نتذكر ان آخر قيمة جديدة ولّدتها الانسانية كانت في القرن الثامن عشر عندما دعت الثورة الانسانوية الى قيم الحرية الانسانية والمساواة الانسانية والتآخي الانساني. ومنذ 1789 لم توفق الانسانية في استيلاد اية قيمة جديدة. وعلينا ان لا نخلط بين حرية حركة المعلومات وحرية التعبير الليبرالية؛ الثانية أُعطيت للبشر، بينما الاولى لن تعطى للبشر وانما هي من حقوق المعلومات.

وفي المقابل  فإن الشر والخطيئة الكبرى سوف تتمثل في إعاقة تدفق المعلومات أو احتجازها، إذ ما الموت، في واقع الحال، إن لم يكن حالة يتوقف فيها تدفق معلومات الحياة ( ما الذي نراه على شاشات مراقبة المرضى في المستشفيات لحظة الموت؟ ).

” ولا تتوقف البيانوية عند التنبؤآت عديمة الجدوى، بل لديها، كما هو حال جميع العقائد، وصايا عملية؛ والوصية الاهم تقول من واجب البياني ( نسبة الى البيانوية ) أن يعمل بنشاط لتعظيم تدفق المعلومات الى حدودها القصوى وربطها بالمزيد من الوسائط وان يجتهد لينتج ويستهلك اكثر واكثر من البيانات ( هل نلمح بدايات ذلك في الفيس بوك، مثلاً؟ ).

” وستكون منظومة إنترنيت – كل – الاشياء لمعالجة البيانات الكونية موجودة في كل مكان وتتحكم بكل شئ، بما فيهم البشر بوضعهم المعدل الجديد. وعبارة كل شئ تعني حرفيأ كل شئ؛ أجسامنا ضمناً بالطبع، فضلاً على السيارات والشوارع وثلاجات المنازل والمطابخ وحتى أقنان الدجاج والاشجار في الغابة وكثير غيرها. بذا سيقوم المشرف على صحتي المخصص من المنظومة والمدمج  بجسمي بمراقبة كل شيئ فيه لحظة بلحظة 24 ساعة في اليوم، سبعة ايام في الاسبوع، ويوجهني الى ما يديم عافيتي وينبهني الى ما يعرضعا للاخطار، وسيتخذ اجراءآت حمايتى من أي مرض حتى قبل ظهور اعراضه، الأمر الذي سيؤدي الى انتفاء الحاجة لمراجعة الاطباء! وتراقب الثلاجة عدد البيض في رفها وتخبر قن الدجاج متى تمس الحاجة الى شحنة بيض جديدة، وستقود السيارات نفسها وتتكلم مع الشارع وتخاطب بعضها بعضاً تجنباً للحوادث، وبذا تختفي مهنة قيادة المركبات. وستبعث الاشجار تقارير آنية حول تقلبات الطقس ومستويات الأوكسجين وثاني اوكسيد الكاربون في الجو… و .. و. “

انتهى العرض.

من كتاب

Homo Deus: A Brief History of Tomorrow

By: Yuval Noah Harari

Published by: Vintage, Penguin, Random House. UK (2017)

 خاتمة:

لا شك أن الفقرات التي قدمناها لا تفي الكتاب حقة لأنها، ضمن امور اخرى، سطحت الكثير مما خرج به الكتاب من استنتاجات نوقشت مقدماتها مناقشة علمية مستفيضة لم يكن في الوسع تلخيصها، لذا بدى بعضها معلقاً في فضاء الخيال والنبوءآت. ويؤكد المؤلف، في لقـــــاءآته، بأنه لا يتنبأ بالمستقبل ولكنه يهدف التنبيه لاحتمالاته التي قد تترتب عليها تبعات جسيمة الاثر على مصائر الانسان والحياة على الارض عموماً.

ويبدو العالم الآن، لمن يريد ان يرى، منقسمٌ الى قسمين؛ قسم منتبه ويعمل على اللحاق بما يخبئه عالم الغد القريب جداً والاستعداد له كي لا يفوته قطار التاريخ. وقسم مسترسل في اغفاءته لا يريد ان يصحو ولا يريد ان يعي ان قطار التاريخ لن ينتظر طويلاً، لذا يمكن لهذا القسم ان يصبح خارج التاريخ ولا اهمية له ثم لاحقاً لا فائدة ترجى منه، وأكثر ما نخشاه هو أن يكون مصيره، في نهاية المطاف، مصير انسان النياندرثال.

ملاحظة:

الحروف المائلة في بعض المعروض من فقرات الكتاب والجمل الموضوعة بين قوسين مضافة وليست من أصل الكتاب.

مشاركة