في الأفق متّسع من الذاكرة

518

في الأفق متّسع من الذاكرة

إشتغالات السّرد الحدثيّ وتقنيّة ترابطه تاريخياً

حامد عبد الحسين حميدي

علّها مراهنات قَدرٍ .. استطاع أن يضعنا في مفترق طرقٍ شائكة ، أن نجد ذلك الهمَّ الإنسانيّ ، يطالعنا بزوبعة من التساؤلاتٍ حتى في كوابيسنا وخلواتنا وزواياه الخانقة عتمة ً، دون أن نحرك ساكناً ، أحياناً نجد أنّ الصراع مع النفس شيء ضروري في مواجهة سوداوية الذات ، حينما تبلغ ( الأنا ) مبلغاً لا يطاق حدّ الإفراط والتخمة ، لكن يبقى- هنالك – إصرار على مطاولة البقاء والتمسك بالحياة ، فالأنفاس لا يمكنها أن تتوقف إلا حينما يداهمها قدرُها المحتوم ، لكنّها تصرّ على دفقة الأمل في بقاء ( ما ينقذ ماء الوجه ) ، عندما تفترس المحنّ والرزايا كلّ ملامحنا المغبّرة .

( زينب فخري ) قاصة ، استطاعت أن تضعنا أمام بعثرات حياتية جادّة ، أن تعيد لنا بعض ما تصرّ عليه هي ، في إظهار براعتها في التعامل مع التأريخ ومحاولة تسويقه وبطريقه ذكيّة ، إنها اشتغالات السرد الحدثيّ وتقنيّة ترابطه تأريخياً ، فنحن نعيش تأريخ مدّور حدثياً ، صراعات ما بين الخير والشرّ ، بين السعادة والشقاء ، الفرح والحزن ، تراكمات يومية مثقلة ، تسير على عكاز الصبر الذي أضحى رهين زمن لا يعرف إلا انكسارات الظلّ ومحاولات ترقيع واقع مرير ، الأمر الذي جعل المتنفّس صعباً ، دون أن يرى في نفسه ، أن ملامح الخطايا أقنعة زائفة ، تخبئي من وراءها مسالك الهروب إلى جبّ التقوقع الذاتي .

( في الأفقِ مُتّسعٌ من الذاكرة ) قصص وسيرٍ لشخصيات لها دورها الفاعل في مواجهة قوى الشرّ وغلوائها ، مثلت بحضورها السرديّ ، واللغة الحكائية السلسة ذات التراتب الاتساقي المنبسط ، من خلال الربط المستمد بين سيرة ( الإمام السجاد ” ع ” ) ، وبين تضحيات أبناء الحشد الشعبي في معارك الشرف والبطولة ضد الإرهاب وداعش ، وأفق الامتداد الروحيّ / الرمزيّ الذي نراه واضحاً بين ثناياها ، وبين معالجة سلبيات مجتمعية لها طابعها التقليدي الجاف ، لتتحوّل هذه القصص إلى وثيقة تأريخية تسجّل بين دفتيها أنّ ( التأريخ لا يموت ) ، رغم المحاولات الظلامية المقيتة التي لم ولن تحجب ضوء الشمس عنه ، فلن يموت ، فهو باقٍ بكل أحداثه وشخوصه ، بمكانيته وزمانيته ، على اختلاف أقطابها الموجبة والسالبة ، فالحدث والصراع الإنساني الحاضر في هذه القصص ، شكّل صورة ماثلة على مواجهة منغصات الحياتية على اختلاف أشكالها وألوانها ، ثمّ نرى براعة القاصة وقدرتها التكتيكية في التوصيف الداخلي ، حيث أنها تنقل لنا الحركة النفسية والحسّية ، وما يتبعها من تناغمات شعورية نابضة ومتتالية ( بدأ الموقع يلتفع بالتراب ؛ فالعواصف أهدت المكان كساءً أصفر اللون ، وأضفت على سحنة المقاتلين السمراء لون ترابي. وما أغرق مزاجهم في مستنقع الكدر ليس التنفس بصعوبة بالغة فقط بل غدت العيون تشكو ضعف حالها ولمسافات قريبة ! ) ” اللقاء / قصة الشهيد خضير زامل “

القاصة زينب فخري ، تسلط الضوء على رصد جوانب اجتماعية وعادات ومظاهر سلبية ، اجتاحت البناء المجتمعي ، فهي ترفض رفضاً قاطعاً في قصة ( زواج من خريف السبعين ) ظاهرة الزواج غير المتكافئ بين المرأة والرجل ، حيث تعرض لنا عمّا تعرضت له فتاة في مقتبل العمر ، بعد أن فقدت ما لها من الأهل ، لتنتهي حياتها بزواج من رجل سبعيني العمر ، لتعاني ما بينهما من فارق كبير ، في كل شيء ، الأمر الذي اضطرها للهروب ، بعد أن أتيحت لها الفرصة السانحة ( رُتِب لقاء بينهما.. اشترطت مهراً عالياً وأنْ تبقى في بيتها؛ لأنَّه ذو عتبة مباركة.. وافقَ العجوز بلا تردُّد.

اشترى لها ذهباً وأثاثاً…

لم يقيما حفلاً لزواجهما؛ فكبر سنه وظروفها جعلتهما يقرّران الاكتفاء بعقد شرعي مع حلوى بسيطة.

في أيامٍ زواجه الأولى عاشَ العجوز في فرحٍ وسعادةٍ غامرةٍ.. فالفوز بامرأة في الثَّلاثين من عمرها أمر يدعو للزهو والفخر.. ولم تثر علب الذهب التي كان يهديها لزوجته غيرة أو غضب أبنائه وبناته.. ) ” زواج من خريف السبعين “

أما في قصة ( السعلاة ) ، فهي تحرص على توضيح ما تعانيه العقلية البشرية من تعايش ذهني في محاكاة الخرافة ، لتبحر أفكارنا وخيالاتنا مع ما تركته الخرافة من أثر نفسي وعقلي ، إنها عقول تعيش فترة طفولة الشعوب ، في لمس كل محفّز يؤثر فينا ، وهي قصة اقترابية من إحدى قصص ألف ليلة وليلة ، ( فبدأت تحلق بعيداً مع أحلامها وذكرياتها المتشبّعة بالطفولة وحكايات الجدَّات..

بدأ خيالها رحلته مع قصة “السعلاة” تلك التي كانت تخطف الجنود في الشمال وتلحس باطن أقدامهم لتمنعهم من الهروب وتنجب منهم أولاداً..) ” السعلاة “

ثمّ تنقلنا معها في قصة ( مذكرة إلقاء قبض ) ، لتشخّص عن حالات سلبية طغت شيوعا في المجتمع العراقي ، حيث أصوات الباعة المتجولين ، وهو يجوبون الطرقات ، بأصوات عالية تسلب راحة المواطن ، إنها يوميات تحاول القاصّة أن تعيد تنشيط بوصلة ذاكرتنا بالاتجاه الصحيح في سبيل معالجة مثل هذه الأمور الحياتية التي وان بدت بسيطة إلا إنها تشكّل صورة غير حضارية ، يجب وضع المعالجات الناجعة في سبيل التقليل منها أو تغيير مساراتها ( يروم أنْ ينام مجدداً.. أنْ يستمتع بساعاتٍ نوم أخرى.. نادى بائع جوَّال: “بطارية.. طباخ.. مبردة…”.

وضع الوسادة على وجهه ضاغطاً بقوَّة على أذنه.. بعد هُنَيهاتٍ أفزعه رجل وهو ينادي بالقرب من داره: “خبز يابس.. طحين.. سكر”.

جلس في فراشه.. مسك حافة بطانيته ونفَّضها.. تلفت يميناً وشمالاً… هدأ الضجيج في الخارج.. رجع إلى فراشه قائلاً: “كأنني في سوقٍ.. اليوم عطلة يا ربّ”. )

( في امرأة من آل البيت ) هنا ربط تأريخي حاولت – زينب فخري – أن تطويعه من أجل بيان الأزمة المياه التي تعرضت لها محافظة البصرة الفيحاء ، والأزمة التي عصفت بها ، وما خلقته من أزمة مائية وصحيّة ونفسية ، لدى المواطن البصري ، تشدّنا القاصّة بحبكة الحدث الترابطي بين حدثية ( الطفّ ) المتمثلة بعطش الحسين والعباس وأهل بيته ( ع ) وأصحابه ( رض ) ، وبين محنة أهلنا في البصرة وهم يتجرعون الأمرّين ، من الإهمال في هذا الجانب الحيوي ، مما قد يعرضهم إلى كارثة إنسانية لا يمكن معالجتها مستقبلا ، إن لم يتم وضع الحلول الناجعة ( ، والواقعة يعرفها القاصي والداني.. الآن بعض مدننا الجنوبية تموت عطشاً.. ألا نقتبس من فيض الطف نوراً يلهمنا القدرة على انتشال “البصرة” من مستنقع الملح والتسمم الضارب فيحائها بقسوَّة.. ومن بؤرٍ للفتن وللنارٍ طالت أبنائها وأبنيتها.. إلا تسحق أن ننصّب على طول المسير إليها سرادق مزينة بأعلام الإمام الحسين، ونطبق حرفاً من عبارة لطالما كُررت “يا ليتنا كنا معكم…”، ونمنع وقوع كربلاء أخرى بل نُسْكت أبواقاً كثيراً ما عزفت إلا نشازاً في حوادث مماثلة ورامية الشعائر والعتبات والمراجع بسهام التهم والبهتان..)

مثلما قلنا ، إن اللغة التي مالت إليها القاصة ( زينب فخري ) كانت متماهية وبسيطة ، مع ما عرضته من حدثية ذات جوانب إنسانية كبرى ، رغبة منها في شدّ القارئ / المتلقي .. إلى تتبع أحداث القصّ بطريقة فاعلة دون أن يخامره شعور بالملل والرتابة ، أضف إلى ميلوها إلى استخدام اللغة الدارجة ( العامية ) لان المتن السردي بحاجة لهذا التعشّق اللغوي ، وتضمين واقتباس بنصوص قرآنية ومأثورات القول .. وبذا وفقّت في تجسيد وتشخيص كلّ المضامين .

مشاركة