فيزياء‭ ‬الوجع‭ ‬وترف‭ ‬الأرقام- عدنان أبوزيد

من‭ ‬نافذةٍ‭ ‬مواربة‭ ‬على‭ ‬برد‭ ‬الروح،‭ ‬وفي‭ ‬صباحٍ‭ ‬شتوي‭ ‬يرتدي‭ ‬رداء‭ ‬الدفء‭ ‬المستعار،‭ ‬استيقظتُ‭ ‬على‭ ‬هديل‭ ‬العصافير‭ ‬وهي‭ ‬تقبل‭ ‬أغصان‭ ‬الشجر،‭ ‬بينما‭ ‬ترسم‭ ‬قطرات‭ ‬المطر‭ ‬خرائط‭ ‬من‭ ‬الضباب‭ ‬على‭ ‬زجاج‭ ‬الذاكرة‭.‬

كان‭ ‬الهواء‭ ‬مشحوناً‭ ‬برائحة‭ ‬السهر‭ ‬المبلل‭ ‬برذاذ‭ ‬التفكير؛‭ ‬غابت‭ ‬رائحة‭ ‬خبز‭ ‬الجيران‭ ‬العتيق‭ ‬في‭ ‬أزقة‭ ‬الوطن،‭ ‬تلك‭ ‬الرائحة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬توقظ‭ ‬فينا‭ ‬الانتماء‭ ‬قبل‭ ‬الحواس،‭ ‬لكن‭ ‬الغربة،‭ ‬بكل‭ ‬قسوتها‭ ‬وجدرانها‭ ‬العازلة،‭ ‬فشلت‭ ‬في‭ ‬مسح‭ ‬سطور‭ ‬الحنين‭ ‬من‭ ‬لوح‭ ‬الذاكرة‭ ‬المحفوظ‭.‬

نحن‭ ‬نهرب‭ ‬من‭ ‬الأوطان‭ ‬بأجسادنا،‭ ‬لنجد‭ ‬أنفسنا‭ ‬مكبلين‭ ‬بتفاصيلها‭ ‬داخل‭ ‬حقيبة‭ ‬الوجدان‭.‬

أمام‭ ‬الحاسوب‭ ‬ذلك‭ ‬الحارس‭ ‬الجالس‭ ‬بثبات‭ ‬كتمثال‭ ‬من‭ ‬نسيج‭ ‬الضوء‭ ‬أمام‭ ‬شرفتي،‭ ‬تتكثف‭ ‬الحياة‭ ‬وتضيق‭ ‬الفجوات‭.‬

في‭ ‬ظاهره‭ ‬طمأنينة‭ ‬تقنية،‭ ‬وفي‭ ‬باطنه‭ ‬قلقٌ‭ ‬وجودي‭ ‬ينهش‭ ‬السكينة‭.‬

عبر‭ ‬هذا‭ ‬الصندوق‭ ‬الضوئي،‭ ‬نغدو‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬العراق‭ ‬وأدق‭ ‬تفاصيله؛‭ ‬فلم‭ ‬تعد‭ ‬الغربة‭ ‬مكاناً‭ ‬جغرافياً،‭ ‬بل‭ ‬صارت‭ ‬انصهاراً‭ ‬يومياً‭ ‬في‭ ‬آنية‭ ‬الحدث‭.‬

بتنا‭ ‬نعرف‭ ‬أسرار‭ ‬الداخل،‭ ‬ونشم‭ ‬رائحة‭ ‬البارود‭ ‬أو‭ ‬الفرح،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يستنشق‭ ‬العراقيون‭ ‬هواء‭ ‬الخبر‭ ‬في‭ ‬زوايا‭ “‬الرشيد‭” ‬أو‭ “‬المنصور‭” ‬أو‭ ‬السعدون،‭ ‬وفي‭ ‬مدن‭ ‬البصرة‭ ‬والموصل‭ ‬والحلة‭ ‬وبعقوبة‭.‬

إنها‭ ‬مفارقة‭ ‬العصر‭: ‬أن‭ ‬تعيش‭ ‬في‭ ‬أقصى‭ ‬الأرض،‭ ‬ويكون‭ ‬نبضك‭ ‬معلقاً‭ ‬بحجرٍ‭ ‬في‭ ‬بغداد‭.‬

سنوات‭ ‬مضت،‭ ‬دهست‭ ‬فيها‭ ‬قطارات‭ ‬السرعة‭ ‬والضجيج‭ ‬كل‭ ‬محطات‭ ‬الهدوء‭ ‬النفسي،‭ ‬حتى‭ ‬صار‭ ‬السكون‭ “‬رفاهية‭ ‬نادرة‭” ‬لا‭ ‬يملكها‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬رحمته‭ ‬الصدف،‭ ‬فيما‭ ‬السعادة‭ ‬تحتاج‭ ‬الى‭ ‬إعادة‭ ‬تعريف‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬التيه‭ ‬الرقمي،‭ ‬يخرج‭ ‬إيلون‭ ‬ماسك‭ ‬–‭ ‬قيصر‭ ‬المال‭ ‬ونيرون‭ ‬النفوذ‭ ‬الحديث‭ ‬–‭ ‬بتغريدة‭ ‬صادمة‭ ‬كطلقة‭ ‬صامتة‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬الليل‭: “‬المال‭ ‬لا‭ ‬يشتري‭ ‬السعادة‭”.‬

مفارقة‭ ‬مرعبة‭ ‬من‭ ‬رجل‭ ‬يتربع‭ ‬على‭ ‬عرش‭ ‬852‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭.‬

‭ ‬تلك‭ “‬الصراحة‭ ‬الرقمية‭” ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬حروف‭ ‬تائهة،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬اعترافاً‭ ‬كونياً‭ ‬بفقر‭ ‬الروح‭ ‬في‭ ‬قمة‭ ‬الجبل‭ ‬الثلجي‭ ‬للثراء‭. ‬إنها‭ ‬صرخة‭ ‬إنسان‭ ‬يمتلك‭ ‬الكوكب،‭ ‬لكنه‭ ‬يفتقد‭ ‬لمعنى‭ ‬الوجود‭.‬

لقد‭ ‬تحولت‭ ‬تلك‭ ‬الكلمات‭ ‬إلى‭ ‬زلزال‭ ‬تفاعل‭ ‬معه‭ ‬الملايين‭ ‬89‭ ‬مليون‭ ‬مشاهدة‭ ‬لـ‭ “‬وجع‭” ‬ملياردير‭.‬

الحقيقة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تقبل‭ ‬التأويل‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬المال‭ ‬يضمن‭ “‬جودة‭” ‬المعاناة،‭ ‬يشتري‭ ‬الرفاهية‭ ‬والخيارات‭ ‬الحرة،‭ ‬لكنه‭ ‬يقف‭ ‬كسيحاً‭ ‬أمام‭ ‬بوابة‭ ‬السكينة‭.‬

وحين‭ ‬خرجتُ‭ ‬لأدخن‭ ‬سيجارة‭ ‬في‭ ‬حديقتي‭ ‬المجاورة،‭ ‬أراقب‭ ‬تلاشي‭ ‬الدخان‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬الساكن،‭ ‬مرّ‭ ‬طفل‭ ‬على‭ ‬دراجته‭ ‬الصغيرة،‭ ‬رمقني‭ ‬بابتسامة‭ ‬عفوية‭ ‬لا‭ ‬حسابات‭ ‬فيها،‭ ‬ولوّح‭ ‬بيده‭ ‬كأنه‭ ‬يحيي‭ ‬الكون‭ ‬أجمع‭.‬

في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة،‭ ‬سقطت‭ ‬إمبراطوريات‭ ‬ماسك،‭ ‬وتلاشت‭ ‬أرقام‭ ‬فوربس،‭ ‬واضمحلت‭ ‬تعقيدات‭ ‬السياسة‭ ‬والكتابة‭ ‬والنشر،‭ ‬وتفاصيل‭ ‬العمل‭.‬

أدركتُ‭ ‬حينها‭ ‬أن‭ ‬السعادة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬المبالغات‭ ‬الكبرى،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬في‭ “‬فوضى‭” ‬البساطة‭ ‬المقدسة‭: ‬فنجان‭ ‬قهوة‭ ‬مرّ‭ ‬يضبط‭ ‬إيقاع‭ ‬اليوم،‭ ‬سحابة‭ ‬عابرة‭ ‬تذكرنا‭ ‬بالرحيل،‭ ‬وابتسامة‭ ‬طفل‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬من‭ ‬هو‭ “‬ماسك‭” ‬ولا‭ ‬يهتم‭ ‬كم‭ ‬يملك‭ ‬في‭ ‬جيبه‭.‬