فوكوياما يكتب عن أُستاذه هنتكتن بمناسبة 25  سنة على أُطروحة صراع الحضارات

عنما يستعيد الطالب ذكرى أُستاذه

فوكوياما يكتب عن أُستاذه هنتكتن بمناسبة 25  سنة على أُطروحة صراع الحضارات

 شيرزاد النجار

 في إحدى المناقشات التي شاركت فيها في إحياء هنتكتن بعد وفاته في ديسمبر / كانون الأول 2008  كان من الملاحظ أن العديد من طلابه عبروا عن حبهم واحترامهم له ، سواء كعالم أو كشخص ، ولكن بعد ذلك إنتقلو للإختلاف مع أفكار معينة كان قد صاغها. كنت واحدا منهم. مثل كثير من المنظرين الاجتماعيين العظماء في الماضي ، فإن إسهامه لا يكمن بالضرورة في حقيقة أنه كان محقاً في كل شيء. بدلا من ذلك ، تكمن عظمته في قدرته على تصور الأفكار الكبيرة في مجموعة واسعة من المجالات ، المفاهيم التي عملت بعد ذلك على تنظيم الطريقة التي فكر بها الناس فيما بعد وناقشهم. كان هذا صحيحًا في صراع الحضارات ، كما هو الحال في معظم كتاباته الغزيرة.”    فرنسيس فوكوياما

في دراسة مهمة نشرها المفكر الأمريكي (فرانسيس فوكوياما)  في المجلة الأمريكية الرصينة(The American Interest) تحت عنوان

THE CLASH AT 25:   Huntington’s Legacy

الصراع في عامه 25: تراث هنتكتن

بمناسبة مرور خمس وعشرون سنة على طرح ( نظرية صِراع الحضارات) لإستاذه البروفيسور والمفكر (صاموئيل هنتكتن). في هذه الدراسة تعامل (فوكوياما) بأخلاقية عالية عندما تكلم بكل لياقة وإحترام عن مفكر تتلمذ على يديه.

بدأ ( فوكوياما) دراسته بالقول أنه ومنذ أن طرح ( هنتكتن) لنظريته حول صِراع الحضارات مناقضِاً لما طرحه هو ( أي فوكوياما) في نظريته حول نهاية التأريخ في عدد لا يحصى من المحاضرات التمهيدية في العلاقات الدولية، كانا يناقضان بعضهما البعض ومن خلالها إستنتج (فوكوياما) مايأتي:

” يبدو أن (هنتكتن) هو الفائز “

At the moment, it looks like Huntington is winning.

 (فوكوياما) بدأ بتحديد ظاهرة خطيرة تواجه الديمقراطية الليبرالية حيث كتب ما يأتي:

” العالم اليوم لا يلتف حول حكومة ليبرالية ديمقراطية، كما كان يبدو الحال منذ جيل وأكثر. إن الموجة الثالثة للديمقراطية التي لاحظها(هنتكتن) بنفسه تقدمت في الفترة من منتصف السبعينات إلى منتصف العقد الأول من 2000 من حوالي 35 دولة تجري فيها الإنتخابات إلى ربما 115دولة في 2008.ولكن ومنذ ذلك الحين تحولت الموجة إلى إتجاه معاكس الذي وصفه الباحث (لاري دايموند) بـ الركود الديمقراطي  “a democrat ic recession ويضيف:

“أن عدد الديمقراطيات وإلى حد ما لم ينخفض فحسب، بل حدثت تغييرات نوعية مهمة. إن القِوى التسلطية authoritarian powers كـ روسيا والصين طورت ثقتها بالنفس وبعدوانيتها.”

مقابل هذه الحالة، فقدت الليبرالية الديمقراطية الكثير من جاذبيتها وذلك بعد الأزمة المالية التي عَصَفت بأمريكا ومنطقة اليورو في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.ولم تتوقف الظاهرة عند هذه الوضعية، بل أصبحت تعاني من أزمة تتعلق بظهور (الشَعبويةPopulist ) التي تهدد المرتكزالأساسي لأنظمتها السياسية.

كان القرن العشرين يتميز بالإنقسام الأيديولوجي ( الأفكار اليسارية ونقيضِها الأفكار اليمينية) والذي تمَحور حول القوة النسبية للرأسمال والعمل، ولكن الوضع إختلف الآن حيث يبدو أن ما يميز بداية القرن الحادي والعشرين هو وجود مجال سياسي تثار فيه قضايا متعلقة بالهوية  identity issues والتي معظمها تُعَّرف من خلال الثقافة Culture أكثر من تحديدها من خلال الإقتصاد  economic. هذا التحول، حسب (فوكوياما)، هو ليس في صالح الديمقراطية الليبرالية liberal democracy ? بل أنه يعتبر بمثابة خلل  dysfunction في تلك الأيديولوجية والمثال الأهم لهذا الخلل هو الذي يجري الآن في الولايات المتحدة الأمريكية  ” حيث شكّل بروز دونالد ترامب تهديدًا خطيرًا لمؤسسات المراقبة والتوازن check and balance  الأمريكية.” ويمثل هذا ظاهرة يسميها (فوكوياما)  بـ (ظاهرة القومية الشَعبوية المتصاعدة).

في رأي (فوكوياما) كان البروفيسور (هنتكتن) مُحِقاً في إبتكاره لمصطلح ( رجل دافوس the Davos Man)  ويشير فيه إلى نخبة عالمية كوسموبولتية لاترتبط بقوة للوطنية أو لمكان معين، بل أن المقام الأول في تفكيرها هو مصلحتها الشخصية. ولذلك، وحسب رأي (فوكوياما)، أصبح (دافوس مان) هدفاً للغضب الشعبي ، حيث أن تلك النخبة أصبحت مصدر إزعاج لكونها بعيدة عن اهتمامات الطبقة العاملة.

وفي نفس الوقت، يُلاحظ (فوكوياما)، أن (هنتكتن) تنبأ بظاهرة زيادة الهجرة بإعتبارها واحدة من القضايا الرئيسية المُحَرِكة  للشَعبوية وتنبأ بالمخاوف من أن الهجرة الجماعية تُذكي ويُلهِب المشاعر  حول التغيير الثقافي.

يُذَكِرنا ( فوكوياما) بوصف الصحفي (كارلـــوس لـوذادا Carlos Lozada) في صحيقة(واشنطن بوستWashington Post) لـ (هنتكتن) بأنه  ” نبي حُقبة ترامب  as a prophet of the Trump era” بمعنى ” حُقبة الشَعبوية” التي بدأت تفعل فِعلها في ” إعاقة الديمقراطية ” وبالتالي إلى الوصول لـ ” الركود والكساد الديمقراطي democratic recession ” وفق رؤية ( لاري دايموند)، ولكن لا أحد يستطيع التكهن ، يؤكد (فوكوياما)، بأن الركود والكساد الحالي للديمقراطية سيتحول إلى ” ركود كامل للديمقراطية  full-blown depression.

ركود ديمقراطي

(فوكوياما) يشير إلى أن أسباب هذا الركود الديمقراطي في الدول الغربية واضحة: الشعبوية تحركت ومتحركة بِفعل التأثيرات غير المتكافئة لظاهرة العولمة، وكذلك ” تمرد ثقافي a cultural revolt” ضد العدد الهائل من المهاجرين الذين يتنقلون عبر الحدود الدولية ويتحدون المفاهيم التقليدية للهوية الوطنية”

يتساءل (فوكوياما):عما إذا كانت هذه القوى مستقبلاً ستكون قوية بما فيه الكفاية للتغلب في نهاية المطاف على العوامل التي تدفع العالم نحو تقارب أكبر في المؤسسات الاقتصادية والسياسية ، أو تؤدي إلى صراع جغرافي سياسي جاد على نطاق يتطابق مع أحداث أوائل القرن العشرين. لن يكون نموذج الصين ولا النموذج القومي الشَعبوي الذي تمثله روسيا أو تركيا أو المجر سيستمر اقتصاديًا أو سياسيًا على مدى فترة طويلة.”

مسائل ثقافية Culture Matters

يؤكد (فوكوياما) بأن موضوع (الثقافة) هو موضوع مشترك في جميع أعمال ( هنتكتن) وعلى الأخص في الأعمال الآتية:

  • The Clash of Civilizations, 1993 and 1996
  • Culture Matters(a volume published in 2001 and co-edited by Lawrence Harrison, to which Fukuyama has contributed)
  • Many Globalizations (edited Huntington with Peter L. Berger)2003
  • Who Are We? (2004)
  • The Third Wave(1991)

في هذه الأعمال الرصينة يؤكد (هنتكتن) بأن الثقافة هي العامل المؤثر في السلوك السياسي للشعب، وهذا يعني أن هذا السلوك يتشكل من خلال الثقافة.

هذه الأولويات المحددة ثقافياً هي ثابتة في مواجهة التحديث الإجتماعي – الإقتصادي وسوف تتغلب في النهاية على المصلحة الذاتية.

(فوكوياما) يوضح أن (هنتكتن) في كتابه المهم (من نحن؟  Who Are We) يركز على الهوية الأمريكية وأن نجاح الولايات المتحدة كأمة إعتمد بقوة على الحقيقة الآتية: إن أمريكا الشـــــــــمالية تم توطـــينها من قبل ما وصفه (هنتـــــــكتن) بـ (الأنجلو- بروتستانت Anglo-Protestants).

هذا التحليل لدور الثقافة في التحولات اجتماعية – الإقتصادية – السياسية يؤكده ( فوكوياما) في كتابه المهم    ( الثقة  Trust )  حيث يوضح أن (هنتكتن) كان صحيحاً بصورة عامة في تأكيده على أهمية (الثقافة) وبالتالي فإن “الثقافة المشتركة هي الأساس لمستويات عالية من الثقة الاجتماعية في بلدان معينة وأسهمت بشكل كبير في نجاحها الاقتصادي”.

بعد نشر (هنتكتن) كتابه القَيّم ( من نحن؟ 2004) أُتهم بكونه ” عنصرياً ” وموقفه هو ضد المهاجرين. (فوكوياما) يرد على هذا “الإتهام” بالقول أن (هنتكتن) كان على صواب عندما أوضح أن المستوطنين ( الأنجلو – بروتستانت) في أمريكا الشمالية ساهموا في نجاح الولايات المتحدة، ولكن ليس بسبب عِرقهم بل بسبب قيمهم الثقافية ومنها القيم الأخلاقية البرتستانتية والفردانية وعدم الثقة بسلطة مركزية.

لكن وراء هذا التأكيد الواسع على إستمرارية الثقافة كمحدد للسلوك السياسي، هناك العديد من المشاكل حول فكرة (هنتكتن ) فيما يتعلق بالثقافة. يجادل ( هنتكتن) على وجه التحديد أن الثقافة متجذرة في الدين في نهاية المطاف، وأن الانتماءات الدينية الواسعة بدلاً من الهويات المحددة ستحدد النظام العالمي المستقبلي. ولكن كل هذه التأكيدات هي مشكلة كبيرة، لذلك يكتب (فوكوياما) بأن معظم المتابعين للموضوع كانوا غير منتبهين إلى ما أكده(هنتكتن) من عودة الدين كقوة صاعدة في السياسة المعاصرة، ليس فقط في الشرق الأوسط، بل كذلك في شرق آسيا ( الهند مثلاً وحكم حزب بهاراتيا جاناتا الهندوسي) وفي أمريكا اللاتينية حيث تنامي البروتستانتية بصورة ملحوظة. وفي الولايات المتحدة فإن دور الدين واضح من خلال دور المحافظون الدينيون في السياسة الأمريكية. ويمكن الإشارة كذلك إلى ظاهرة البوذية في دول تمتد من سريلانكا وإلى ميانمار.

في مسألة تحديد عوامل المؤثرة في تحديد الهوية، يؤكد (فوكوياما) على أن الدين يمثل واحداً من تلك العوامل وأن هناك أنواع أخرى للتضامن الجماعي. فعلى سبيل المثال، يتكلم (فوكوياما) عن أن التحديث الإجتماعي الإقتصادي أدى إلى ظهور حركة نسائية عالمية قوية تهدف نحو الحصول على حقوق سياسية وإجتماعية للنساء. إن هذه الحركة لم تنحصر فقط في الدول الديمقراطية، بل إمتدت إلى بلدان متعددة ومنها المجتمعات المُحافظة في الخليج وأصبحت تشكل ” ثقلاً مازياً ” للتوجهات المحافظة التقليدية.

يُلاحظ (فوكوياما) ظاهرة بدأت تبرز في الآونة الأخيرة وهي :

” عودة القومية القديمة old-fashioned nationalism وأن هذه العودة للقومية دَعَمت الحركة الشَعبوية (التي بدأت تؤثر في العالم المعاصر) وذلك إلى جانب عوامل آخرى تتعلق بالأثنية واللامساواة الإقتصادية والذاكرة التأريخية المشتركة.

وبالنسبة لتحديد طـــــــبيعة النـــــــظام العـــــــالمي المستقبلي  nature of future global order  يؤكد (فوكوياما) أن أستاذه (هنتكتن) لم يدعي ببساطة أن المجموعات الثقافية ستصطدم، بل أكد أن الإنقسامات الأيديولوجية هي التي ستتصارع و ستصطدم وبالتالي ستفسح المجال لست أو سبع حضارات كبرى لكي  ” تقيم نظاماً عالمياً جديداً على أساس ديني”.

وعند ظهور مصطلح ( الصِدام Clash) لأول مرة، جادل (فوكوياما) مع (هنتكتن) حوله وأكد أن عالم الإسلام هو الثقافة الوحيدة التي فيها أعداد محددة من الناس يفكرون بالمصطلح وذلك لإن فكرة ” الأمة الإسلامية Muslim umma ” أو ” المجتمع العالمي للمؤمنيين global community of believers  ” ماتزال فيها الجاذبية.

ولكن يُلاحظ  ( فوكوياما)  أن الانقسامات الداخلية في منطقة الشرق الأوسط، العِرقية والقبلية والطائفية ، أثرت سلبياً على دول المنطقة بحيث أن أفغانستان ، والصومال ، وسورية ، وليبيا ، واليمن لم تعد قادرة حتى على التمسك بنفسها كدول. ولكن في نفس الوقت فإن كل من أوكرانيا وروسيا وجورجيا تتشارك في خلفية أرثوذكسية مشتركة تقلل من حدة الصراعات السياسية بينهما.

الهوية وليس الثقافة  Identity, Not Culture

يحاول (فوكويما) أن يقدم تعريفه الخاص حول الهوية ويكتب: ” الهوية هي مفهوم أوسع وأكثر مرونة يمكن من خلاله فهم السياسات المعاصرة بدلاً من الثقافة أو الحضارات القائمة على أساس ديني. الهوية هي المفهوم الحديث الذي ينبع من الاعتقاد بأن المرء لديه نفسية داخلية مخفية يتم في معظم الأحوال تجاهل كرامته أو في أسوأ الأحوال، يتم الاستهانة بها من قبل المجتمع المحيط. إن سياسة الهوية تدور حول المطالب، وليس المواد أو الموارد، ولكن للإعتراف بكرامة العِرق أو الدين أو الأمة أو حتى الخصائص الفريدة لشخص ما.”

وعلى ضوء هذا التحديد لمفهوم الهوية، يحلل (فوكوياما)ما قام به القوميون الصرب عشية الحرب العالمية الأولى وإغتيال الأرشيدوق النمساوي (فرانز فرديناند) تعبيراً عن إستيائهم من عدم إعتراف العالم بهوية الصرب في امبراطورية النمسا-المجر.

رأى (هنتكتن) أن الحضارات أصبحت أكثر تماسكاً على حساب الأمم، وأن الإندماج الإجتماعي حدث ويحدث ولكن على المستوى الثقافي العابر للوطنية  transnational cultural level. ولكن يبدو أن (فوكوياما) لديه وجهة نظر آخرى حيث يرى ” أن شيئاً معاكساً هو الصحيح” ويضيف ” تميل تأكيدات الهوية إلى تشتيت المجتمعات إلى مجموعات هويات أصغر وأصغر. لقد لاحظنا بالفعل حدوث هذا في العالم الإسلامي ، حيث كانت هناك فصائل مسلمة مختلفة حرم بعضها البعض بدلاً من العمل معاً. على الرغم من أن القوميين الشعبويين الجدد في روسيا وبولندا والمجر وأجزاء أخرى من أوروبا حاولوا بناء التضامن مع بعضهم البعض ، فإنهم يتصارعون ضد حقيقة أن مصالحهم الوطنية في صراع دائم ، وفي بعض الحالات وضعوا أنفسهم في صراع مع الأقليات القومية الخاصة بهم.”

مسألية الهوية

ويتحدث (فوكوياما) عن الولايات المتحدة الأمريكية بكونها مثالاً مهماً لتأكيدات مسألة الهوية التي أدت ليس  إلى التضامن الحضاري، بل بالعكس أدت إلى ” التشظي والإنقسام اللانهائي  endless fractionalization. ويبين (فوكوياما) أن سياسة الهوية   Identity politics في الولايات المتحدة ترسخت في أعقاب الحركات الإجتماعية في فترة الستينات من القرن العشرين، حيث كان الأمريكيون من أصل أفريقي، النساء، المعوقون، الأمريكيون الأصليون، يشعرون بأنهم يتعرضون للتمييز والتهميش بطرق متميزة in distinctive ways. ومع بروز مستمر لهويات جديدة ظهر “التقاطع intersectionality” مع التنويه بأن وجود مجموعات مختلفة ومتداخلة لفئات التهميش أدى إلى خلق هويات جديدة كليًا.

ففي الولايات المتحدة وأوروبا، جاء اليسار الذي برز في الفترة الأولى من القرن العشرين حاملاً فكرة تضامن الطبقة العاملة هادفاً لإحتضان مجموعات الهويات الجديدة، على الرغم من أن هذا كان يميل إلى عزل الناخبين الأكبر سنا من الطبقة العاملة.

إن بروز سياسات الهوية في الحركات اليسارية أدى إلى تنشيط وإضفاء الشرعية على التأكيدات الجديدة للهوية من جانب الحركات اليمينية فقد تلقى (دونالد ترامب) الدعم لكونه خاطئاً من الناحية السياسية، من خلال عدم إحترام صفات الهوية التي تميز الخطاب السياسي المعاصر في الولايات المتحدة. هذا الوضع حَفّز القوميون المتعصبون من البيض وأيضاً شجع اليمين المتطرف للقول بأنهم أقلية مضطهدة ومهمشة حالهم حال اليساريين.

مع الأخذ بنظر الإعتبار مبررات بروز الهويات الجديدة، فإنه ليس دقيقاً، كما يؤكد (فوكوياما)، الإدعاء بأن ظاهرة ( ترامب) تنبع أساساً من الدين، على الرغم من أن العديد من ناخبي (ترامب) حركتهم الرغبة في الحفاظ على المفهوم التقليدي للهوية الوطنية الأمريكية التي لعبت فيها المسيحية دوراً محدداً. إن تلك الهوية تم تحديدها ( إضافة للمسيحية) أيضاً من خلال الإثنية والقيم الاجتماعية المحافظة بشكل أكثر عمومية.

 (فوكوياما) يقدم مفهومه حول (الهوية) كمفهوم معاكس ونقيض لمفهوم أٌستاذه (هنتكتن) حول الثقافة، حيث يؤكد أن مفهوم الهوية هو  أفضل وصف للسياسة اليوم لأنه يتم بناؤه وتحديد محتواه اجتماعيا، كما هو واضح في المناظرات التي تجري في الوقت الحاضر حول الهوية الوطنية الأمريكية.وعلى العكس من هذا التحديد للهوية، يرى ( فوكوياما) إن مفهوم الثقافة لدى (هنتكتن) هو ثابت ومن المستحيل تغييره تقريبًا. ويضيف (فوكوياما) بأنه وعلى النقيض من وجهات نظر العديد من القوميين والحزبين الدينيين، فإن الهويات ليست متجذرة بيولوجياً ولا مبرهن عليها قديماً. فالقومية بالمعنى الحديث لم تكن  موجودة في أوروبا قبل الثورة الفرنسية. لقد تم إنشاء الهويات المعاصرة القائمة على مفاهيم الأمة أو الدين من قبل الفاعلين السياسيين لأغراض محددة ، ويمكن أن تحل محلها هويات أخرى كنتيجة للنضال السياسي.

على الرغم من إقرار (فوكوياما) لأهمية الثقافة‘ فإنه يرجع ويؤكد بأن نظرية (هنتكتن) لا تلائم الوضع الراهن في العالم وذلك لأسباب متعددة منها أن الأنظمة الديمقراطية الغربية هي داخلياً في حالة حرب مع أنفسهم حول الهوية الوطنية.  هناك إجماع متضائل وخامل بأنهم ( أي الأنظمة الديمقراطية الغربية) ملائمون للتوافق  مع تصنيف واسع كـ “الغربwest.

فعندما تحدث دونالد ترامب عن “الغرب” في خطاب ألقاه في بولندا في عام 2017  كان غربه مختلفًا عن الغرب الذي تحدث به أوباما. وبالمثل ، في أجزاء أخرى من العالم ، فإن الإنقسامات الحضارية ليست سوى واحدة من بين الإنقسامات العديدة التي تقسم الناس سياسياً. والقوى المضادة الوحيدة هي دول قوية مثل تلك التي تحكم الصين وروسيا ، وليست كيانات عابرة للحدود تقوم على القيم الثقافية المشتركة.  القيم العالمية   Universal Values  يشير (فوكوياما) إلى أن (هنتكتن) أثار في كتابه القيم (صِدام الحضارات) مسألة القيم العالمية حيث لم يكن مقتنعاً بوجود تلك القيم، لإنه كان يرى أن جميع الحضارات الكبرى في العالم نشأت وتطورت على أساس مجموعة معينة من القيم المشتركة متجذرة في الماضي التأريخي المعقد وأنها في نهاية المطاف أصبحت غير متكافئة مع بعضها البعض.

وعلى هذا الأساس، جاء (هنتكتن) وحلل الديمقراطية الليبرالية ويرى أنها لم تستند على قيم شاملة، بل أنها نشأت من تجربة المجتمعات الغربية التي كانت فيها تأريخياً المسيحية متجذرة، ولذلك يستنتج بعدم وجود سبب معين للإعتقاد بأن الديمقراطية الليبرالية ستتوسع حارج المجتمعات الغربية وتنتشر في مجتمعات مختلفة ثقافياً.ويستمر (هنتكتن) في إستنتاجه ويصل إلى نقطة مهمة هي: ”  بقدر ما انتشرت الديمقراطية إلى أماكن مثل اليابان أو كوريا الجنوبية ، فهي نتيجة القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية الأمريكية. ولكن إذا انخفضت تلك القوة مقارنةً بالحضارات الأخرى ، فإن جاذبية الأفكار الديمقراطية سوف تتلاشى معها.”

ادعاء خطير

إن هذا الإدعاء في نظر (فوكوياما) إدعاء خطير ويذّكِرُنا بخطاب لـ (جورج بــوش الإبن) الذي تحدث عن  ( الديمقراطية كـ قيمة عالمية democracy as a universal value) وفي نجاحها لم تعتمد على أية ثقافية سابقة. ولكن في التطبيق لم يكن هذا الإدعاء صحيحاً لإن إدارته سعت في المدى القصير إلى إقامة ديمقراطية ليبرالية في أفغانستان والعراق، ولكن هذا الإيمان بـ (الديمقراطية العالمية) فشل في الإعتراف بتأريخ الغرب نفسه.إن المؤسسات الديمقراطية موجودة فقط منذ 200 سنة ولم تنتهي عملية إقامة الديمقراطية في أجزاء عديدة من الغرب إلا في القرن العشرين

وفي نهاية هذه المناقشة مع أفكار أُستاذه، يطرح (فوكوياما) هذا الإستنتاج: إن الأسئلة التي بقيت بدون أي جواب هي: هل ستكون القيم الثقافية عميقة الجذور بصورة دائمة وإلى درجة تمنع بعض المجتمعات من التحديث؟

وإذا ما قاموا بتحديث ، فهل يفشلون في التقارب مع بعضهم البعض فيما يتعلق بالمؤسسات السياسية؟في رأي (فوكوياما) أنه ولعقود طويلة، اعتقد الناس في الغرب أن التحديث لا يمكن أن يحدث إلا على أساس القيم الغربية، لكن صعود شرق آسيا قد دحض وجهة النظر هذه. ويضيف: يجب علينا أن نكون حذرين في التفكير بأن أجزاء معينة من العالم ستبقى فقــــــــيرة على الدوام. فإذا أصبحت المملكة العربية السعودية وإيران والصين مجتمعات غنية، ومجتمعات متمتعة بالتكنولوجيا المتقدمة وفيها طبقات متوسطة كبيرة وسكان متعلمين تعليما عالياً، فهل سيظلون راضين بأن يحكمهم رجال الحكم الحاليين وبنفس صيغة الحكم الراهن؟ إن الجواب المحتمل هو: عدم قيامهم بذلك ، وبأنهم سيطالبون بمشاركة سياسية أكبر.

 ولهذه الأسباب يمكن أن يعتقد المرء أن التقارب والتشابه بين أنواع أنظمة الحكم  يبقى إحتمالاً وارداً.

مشاركة