

نغم شجي من ذاكرة اللحن السعودي الأصيل
الدكتور جاسم محمد صالح الدليمي
من بين تلك البيوت الغافية على ظلال بعضها ، من بين أضواء شناشيلها الخشبية المسورة لشبابيك جدرانها ، من انكسارات الظلال بين أزقة جدة وحواريها أتى ذلك الفتى الأسمر النحيل – من حارة الشام – ينشد بصوته الجميل حكاية الفرح والتفاؤل بالغد الوارف بأفيائه نحو أرض الوحي المقدس والروح المبارك . فوزي محسون مطرب وملحن سعودي ولد في مدينة جدة سنة 1925م .
بدأ مسيرته الفنية مع الغناء عام 1950م عبر الاسطوانات التي كانت تسمى في تلك المرحلة (البيكاب) ثم جاءت مشاركته الأولى على المسرح عام 1960م ، غنى له من أغانيه وألحانه مطربون مشهورون منهم : طلال مداح ومحمد عبده وعبادي الجوهر وعبد الكريم عبدالله وابتسام لطفي وعتاب وتوفي عام 1988م.
ألحانه وأغانيه مشرقة بالسرور والأمل كإشراقة وجهه الباسم حين تنظر إليه تجد براءة الأطفال بين عينية وفرح عذب نقي مرسوم بوجنتيه وهو يؤدي اغانيه بِوَلَهٍ وجداني يريح المتلقي وتسري فيه نشوى الطرب حتى كأنه طائر يحلق في فضاء النغم الرقيق واللحن الجميل ،
استطاع فوزي محسون – المغني والمطرب والملحن وعازف العود الماهر- أن يجعل السامع يصغي اليه بقلب مفتوح حين يستقبل أنغامه العذبة وعقل متأمل لكلماته الرقيقة الشاعرة ووجدان يأنس باللحن الطروب والصوت الشجي .

ظلت موهبته في الغناء والتلحين في مسار الهواية وظل هو وفيًا لها ولم يخرجها الى مجال الاحتراف – بقي في وظيفته في مصلحة البرق والبريد ولم يتركها مدة خمس وثلاثين سنة حتى بلغ سن التقاعد – ويجعلها مهنة يتكسب بها إنما ابقاها فضاءً تستريح بنسماته نفسه وتنتعش روحه وهو يبدع النغم الجميل واللحن الأصيل وهو الفنان الاحترافي القدير من إدارة النغم واللحن والكلمة والصوت في تكامل ابداعي لإقامة مسار غنائي ببصمات جداوية المنشأ سعودية الطرب والهوى ، فنانًا هاويًا لا تغريه مجالات الاحتراف بشهرتها ومكاسبها المادية ذلك أن الاحتراف المهني ربما يدفعه الى التضحية بشيء من أصالة ابداعه إرضاءً لرغبات المنتجين أو منظمي الحفلات أو شركات الإنتاج الفني .
بساطة حياته وتلقائية تعامله مع الأشياء من حوله لها آثارها الواضحة في أسلوبه اللحني وطريقته في الغناء حيث لا تعقيد في اللحن ولا زخرفة ترهقه إنما ينساب المجرى اللحني بعذوبة وتآلف بين الأنغام والايقاع.
لا يتوسع في المقدمة اللحنية ، ايقاعاته حجازية تستحضر بيئة الحجاز بتنوعها المدني والحضري – مع الاهتمام بإبراز اللهجة الجدّاوية في أغلب الأغاني – يؤدي الموال بطريقة فنية مُتْقَنَة وبعِرَبٍ صوتية جميلة مع تجنب للجوابات العالية كي لا ينكسر هدوء الأداء وأريحيته الصوتية ، تقاسيمه على العود احترافية منضبطة بأنامل فنان يدرك جمال النغمة ويحس عذوبتها ويبدو واضحا فيها أثر أسلوب فناني صنعاء اليمن في العزف على العود. يميل أسلوبه في بناء اللحن الى الجمل اللحنية الطربية القصيرة كما يتوافر على جمل لحنية تعبيرية تكشف عن طبيعة احساسه المرهف بالكلمة الشاعرة وتأثيراتها في الوجدان والشعور والعاطفة فضلا عن تكامل الذائقة الجمالية لديه بين شعريَّة الكلمة والعبارة وبين فنِّية النغم ليقيم من خلال ذلك كله معمارا موسيقيًا وغنائيًا ترتاح إليه نفس المتلقي وتنتعش به روحه.
وتلك هي سمات الفنان الأصيل الموهبة والإبداع ، والأمثلة الغنائية والموسيقية على ابداعاته الفنية من الأغاني والالحان كثيرة ومعروفة لا تحتاج الى ذكر لها أو استشهاد بها بل إن بعضها أصبح من أيقونات الغناء السعودي منها (سبحانه وقدروا عليك ، بين مزح ولعب ، جاني الأسمر جاني ، عشقته ، روح احمد الله وبس ، متعدي وعابر سبيل ، إديني عهد الهوى) وغير ذلك كثير ومشهور بين مستمعيه ومحبيه فضلا عن المطربين الذين لحن لهم أجمل الالحان.
وقد استعار منه عبقري الموسيقى العربية في العصر الحديث الفنان بليغ حمدي جملة موسيقية تعبيرية من أغنيته (عشقته ولا لي في المكادير حيلة) وجعلها في مقدمة لحن أغنية الحب كله لسيدة الغناء العربي أم كلثوم ، ولهذه الاستعارة دلالتها المهمة في تقييم أصالة فن فوزي محسون وقدرته على الابتكار والجِدَة في انتاج جمل موسيقية مؤثرة ومتميزة بنغمها المريح فضلا عن جمال إبداعه الموسيقي.
فوزي محسون فنان فطري لم يتلق دروسًا أكاديمية في الموسيقى والغناء في معاهد متخصصة إنما هو اجتهادُه ومثابرتُه وإخلاصُه لفنه وإصرارُه على تعلُّم أصول الموسيقى العربية وقواعدها وطرائق الغناء العربي وفنونه عامة والسعودي خاصة ، ولم يكتف بذلك بل مضى الى تنويع مصادر ثقافته بين الأدب والفن والتاريخ والتراث والموروث الشعبي فتكونت لديه بذلك ذائقة جمالية أدبية واعية في اختيار النصوص الملائمة لشخصيته الفنية (هو أول مَنْ لحن للشاعر الأمير بدر بن عبد المحسن لإدراكه جمال كلمته الشعرية وعذوبتها ) فضلا عن أنها تنمي ذائقة المستمع وترتقي بإصغائه الجمالي السمعي المريح لوجدانه والمؤنس لنفسه ويرتقي معها الفن الغنائي والابداع الموسيقي. هو من زمن النقاء الوجداني والصفاء الشعوري فيما يُنظَمُ من كلمات شاعرة ويُلحَّنُ من أنغام عذبة ويُغنى من أصوات شجية.
أصوات موهوبة فيها أصالة وعراقة الانتماء الى الأرض والانسان والفن الممتع الجميل. توافر لفوزي محسون صحبة من زملاء مبدعين في التعبير عن المشاعر الرقيقة والعاطفة النبيلة والاحساس المدرك لجمال النفس الإنسانية ، تمثلت في شاعرة حريرية الكلمة راقية الصياغة للصورة الشعرية المعبرة عن تجربة الانسان في مضمار الحياة المتلون بين الحب والشوق والفرح والحزن والعسر واليسر وغير ذلك من المضامين الإنسانية هي ثريا الحب النقي بين نجوم سماء جدة الشاعرة ثريا قابل وشاعر رهيف الإحساس أنيق الكلام رائع المعنى هو الشاعر صالح جلال هذه الصحبة تنتمي الى تلك الأمكنة في جدة التي نشأ فيها فوزي وأحبها وغنى لها فاجتمع الصوت الندي واللحن الشجي والكلام البهي فكانت الأغنية المعبرة عن لحظات الفرح بالمحبوب والشوق اليه ولحظات العتاب والخذلان وهمسات الخجل المخفي والوجد المعلن.
وتماهى الاصحاب الثلاثة بين الحرف والكلمة والصوت والنغم واللحن ( كانت أغنية سبحانه صورة واضحة عن هذا التماهي فقد اشترك في كتابتها ثريا قابل وصالح جلال ولحنها وغناها فوزي محسون ) حتى صارت الكلمة أغنية وصارت الأغنية أيقونة جدّة المسافرة بين طيات أمواج البحر ونسائمه العذبة السارية نحو أنحاء بعيدة في الارض المباركة.

عشق فوزي محسون مدينته جدة – فغنى لها الكلام الرقيق واللحن الطَروب – وأحب كل ما فيها وأرسل عشقه لحنا شجيا الى آفاق رحبة من بلاده الحبيبة تطرب به نفوس أهلها الطيبين حيث تقيم أفراحها وتنسى تعب أيامها. غنى لفرح الطفولة ولنسائم الصباح ولأشجان المحبين والعشاق وأنشد لمجد الوطن حتى أصبح سيِّد الشجن الذي يروي حكايات العشق الحجازي وصار صوته ضمير الأغنية الجداوية حيث وصفته الصحافة بهذا اللقب.

وبعد فإن هذه الإضاءة الموجزة العجلى عن فوزي محسون الفنان المبدع لا تدعي أنها استوفت أعماله الغنائية والموسيقية بالبحث والدراسة والتحليل أنما هي إضاءة تذكير بهذا الفنان الرائع وبإنجازاته الفنية الراقية تهدف الى الاهتمام بإرثه الإبداعي وإعطائه المكانة الفنية التي تليق به فنانا مبدعا وهي دعوة مفتوحة الى دارسي الموسيقى العربية عامة والخليجية خاصة ونقادها ومعاهدها والمهتمين بها الى دراسة أعمال فوزي محسون الغنائية وانجازاته الموسيقية واللحنية وفاء له وتكريما لإبداعه واستثمارا لما قدَّمه من أجل الإفادة منه في مجال تطوير الموسيقى والغناء السعودي خاصة والعربي عامة.
وصدق مَنْ قال إنَّ “فوزي علامة فنية مسجلة تصعب سرقتها أو إخفاؤها؛ فهو لم يكن فنانا عابرا في زمن عابر؛ وإنما كان ولا يزال عنوانا بارزا في مسيرة تاريخنا الفني”.



















