

ترجمة: د. زهير ياسين شليبه
يوهانس ف. يَنسِن 1873-1950 : التجربة الأسعد التي مررتُ بها كانت على البحيرة قبالة اليابان، لا أتذكر أي حدث حقيقي منذ ذلك الحين. استيقظتُ مبكراً في الصباح قبل شروق الشمس، عند هبوب الريح داخل القمرة، وعند النوم ركضتُ ممتلئاً بالسعادة لدرجة أني لم أستطع البقاء مستلقياً تحت، وعندما تطلعت إلى الخارج من الكوّة المفتوحة كأن سحابة عالية جميلة مباشرة تماثلت هناك أمامي…. لكنها لم تكن سحابة، كانت فوجي ياما.
الجبل الرائع البارز من قمة العالم، بدا أنه لا يقف أبداً على الأرض، كونه بعيداً جداً لدرجة أن قدمه تماهت مع ضباب أزرق كوّن السماء فوق اليابان.
لكن في القمة فوق السماء نفسها اخترقت أشكالُ الجبل المخروطية الثلجية الغلافَ الجوي بسلاسةٍ كبيرة، بخفّة كالغيمة، لدرجة أني في ثانيةٍ، استوعبت كُلاًّ من كتلة الأرض الهائلة وطوافَها السريع في فضاء السماء.
كان ذلك كما لو أن الأرض نفسها جاءت نحوي، في نضارتها الكونية، الكوكب الفتي، الذي تحوّل من العتمة، متوجاً بالنور الشمالي، بغلافه الجميل الملون بزرقة البحر وسطح البر المتعدد الألوان المضاءة بالشمس.
كان الذي شعرتُ به هو نفس الخبرة البدائية التي يكتسبها المرء كطفل عند رؤيته للشيء الأول والأفضل، قشةٌ، قطرة على النافذة.
لكن منذ جعلتْ الافتراضاتُ المكتسبةُُ الطفولةَ أرضاً مفقودةً وأيقظتْ وهماً عن واقع آخر أنبل من ذلك الذي نراه، لا بد أن يكون هناك بُعد وغربة، مفاجأة سامية لإعادة الأرض إلى نضارتها.
عندما رأيت فوجي ياما، تَحطّمَ الحلم الأخير عن وجودٍ آخرَ مختلف عن الحالي.
قد فهمتُ أن العالم الأعلى الذي ندنو منه، يكون بالتأكيد الحالي فحسب، لكننا لم نصل إليه أبدًا في اللحظة الآنية، حيث إننا في حالة عمى يومية بالنسبة له.
ليس من الممكن التفكير في أفكارٍ خصبةٍ أكثر.
إنه في الأساس الأمر الوحيد الذي يمكن أن يجرّبه الإنسان.
لذلك، فإنّ فوجي ياما جبلٌ مقدسٌ، موضوعُ عبادة شعبية.
كولومبوس! هناك فرح أبدي فحسب، أن تُعادَ رؤية الأرض المباركة.
* بالدنمركية: فوسي ياما. سمّى الكاتب الدنمركي يوهانْس ف. يَنسِن نَصَّه “أسطورة”، وهو مكرّس لجبل اليابان المقدس الذي يسمّونه (فوجي سان) تبجيلاً وتقديساً له، أو “فوجي ياما” كما يسميه الأجانب خطأَ، وكان يُحظر على النساء الاقتراب منه. ارتفاعه 3,776 مترا. يمكن أن يُرى الجبل في الجو الصحو في طوكيو.

نقدم هنا موجزاً لما كتبه ستيفان كرونبورج عن هذه القطعة النثرية: رغم قِصر هذا النص، لكنه لا يزال أحد أكثر القطع النثرية ليوهانس ينسن شهرةً وتداولاً، علماً أن، لديه كما هو معروف عددًا من الأعمال عن الضمير والاعتقاد.
ويُعد هذا النص من أجمل الأمثلة على نثر ينسن القوي، الذي اعتدنا عليه مثل روايته “سقوط الملك” الصادرة عام 1901، الحائزة على جائزة نوبل 1941
يُصورُ نص “فوجي ياما” لقاءَ يوهانس ف. ينسن صدفةً بالجبل المقدس، الذي وقف “مثل سحابة جميلة عالية أمامه مباشرة”، عند استيقاظه في الصباح الباكر متطلعاً إليه من خلال كوّته.
ساعدت لحظة المفاجأة في تقوية تجربة ينسن الحسية للجبل العظيم. لكن حتى من دون هذا العامل، فإن مشهد الجبل هائل للغاية لدرجة أن المؤلف يدرك الآن مباشرة تفاهة الإنسان فيما يتعلق بالعالم الذي نعيش فيه، وفي الوقت ذاته يدرك أن هذا العالم نفسه مذهل جدًا لدرجة أنه لا يوجد هناك سبب لافتراض عالم مختلف وأعلى من ذلك الذي يمكننا رؤيته بأعيننا، أو مكان لوجوده على الإطلاق. العالم موجود كما نراه.

على الرغم من أن ينسن يستخدم في الأسطورة كلمات مثل “مقدس” و”حقيقة نبيلة أخرى”، فإن هذا لا يعني أنه يقترح بالتالي إمكانية وجود يتجاوز حياتنا الأرضية، على العكس من ذلك. الحياة على الأرض، هنا والآن، هي الحقيقة الوحيدة. ولكن من ناحية أخرى، إنها حقيقة رائعة لدرجة أنه يمكن مقارنتها بسهولة بأي وهم للحياة الآخرة. مُعَبّر عنه بشكل جميل وموقف غير عادي للحياة في نص لأعظم كتّاب الدنمرك. من حيث المبدأ، إنها في الواقع نوع من العقيدة الطبيعية، إذا كان بإمكان المرء أن يتخيل مثل هذا الشيء، ولد من المواجهة مع جبل في اليابان.
كتب يوهانس ف. ينسن قصائدَ، بما في ذلك مجموعته الرائدة “قصائد 1906″، وروايات، وقصص قصيرة، ومقالات، وما يسمى بالأساطير: قطع نثرية قصيرة من دون حدث حقيقي، لكن بموضوع واضح مثل “فوجي ياما” في هذه “الأسطورة”.



















