فن الوصف والتشبيه – نصوص – مقداد رحيم

عالم علي خيون السردي

فن الوصف والتشبيه – نصوص – مقداد رحيم

   يبدو الروائي علي خيون مخلصاً كل الإخلاص لفنه ومجال إبداعه: فن السرد، ليس لأنه ذهب فيه بعيداً على مستوى الشكل والبنية الدرامية للأحداث والأبطال والأمكنة والأزمنة فحسب، فاتسعت رقعة إبداعه لتتجه من القصة القصيرة والأقصوصة، إلى الرواية باعتناء واضح، وعزيمة راسخة، بل لأنه استطاع بإرادة قوية، أن يعمِّق مَلْمحَين أساسيَّين مِن ملامح فنه السردي الخاص به، وأعني اللغة والوصف، بوصفهما أداتين تقفان في مقدمة ما للسرد من شرائط ومقومات.

   وأظن ظناً هو كاليقين تماماً أن علي خيون جعل هذين الشرطين نصب عينيه في كل جملة سردية يكتبها، وقبل أن يعمل على تأليفها، بمعنى أن عمله البنائي في مستوى اللغة لم يكن، ولن يكون، اعتباطياً، أو نمطياً، أو تلقائياً، وأنه يكتب بقَصْدية وحِرفية تامة، حتى صار ذلك أسلوبَه المائزَ المفصِحَ عنه بوصفه كاتباً، وصار هذا الأسلوبُ هو الرجل!

   تتسم لغته بالوضوح والسلاسة وعدم التعقيد واستخدام الغريب من المفردات، فهو لا يراهن من أجل إثبات براعة لغوية ما، وإنما يحاول الوصول إلى الفكرة، أو رصد الحالات والمواقف، واستحداث السياقات السردية والأفعال المرافقة لها بأقل جهد ممكن من لدن قرائه الذين أراد لهم أن يكونوا من مستويات تعليمية مختلفة، وأعمار متباينة، وثقافات شتى.

   وقد ساعده ذلك كثيراً على بسط الفعل السردي الرئيس وما يتفرع منه من أحداث مُساعِدة ومُكملة على أوسع نطاق، دون أن يُحدث ذلك أي نوع من أنواع الملل لدى القارئ، أو الضجر، أو التأمل بعيداً عن الأجواء التي يرسمها له، بتلقائيةٍ باديةٍ وكأنه يتحدث معه باللغة المحكية اليومية التي لا تخلو من الحميمية.

   يضاف إلى ذلك قدرته الفائقة على استخدام تقنية الاسترجاع، واهتمامه الشديد بها، وما ذاك إلا محاولة ذكية منه لشد أزر الأحداث وتماسكها، وإبعادها عن الرتابة وما تؤول إليه من إحداث الملل لدى القارئ، فهناك دائما متغيرات في حركة الأحداث، وانتقالات بين أجواء مختلفة لا تدع القارئ يؤجل القراءة أو يتوقع نهاية الفعل المسرود ببساطة، طلبا للتشويق والإثارة، بل يؤدي ذلك إلى دفع الملل عن القارئ من خلال تلون الحدث الحاضر وما يتفرع منه من أحداث مساعدة بحدث سابق وما يتفرع من أحداث أخرى مساعدة، ليكون ذلك شاغلاً للذهن، من ناحية، وماداً للفعل السردي بالكثير من الغنى والحفر في العمق منه، من ناحية ثانية، وهو يلجأ إلى هذه التقنية باستمرار وقصدية ومبالغة واضحة على الرغم من تقسيمه الرواية على مقاطع وأجزاء كثيرة توحي، لأول وهلة، بأنه يتناول أحداث السرد بالتتابع الزمني.

   ويستمر علي خيون، في الوقت نفسه، استخدام تقنية الرواي العليم الذي يأخذ على عاتقه رواية كل شيء يخص أي حدث من أحداث السرد، ويتمدد على مساحة لا حدود لها من التعبير بالأصوات المختلفة نيابة عن أصحابها، في جميع سردياته، لأن ذلك، كما أرى، يتيح له أكبر قدر من الحرية في التعبير عما يجول في خاطره من خلال أبطاله مهما كثر عددهم، وتعددت ثقافاتهم، وتنوعت أساليب حيواتهم، دون أن يحدد نفسه بالعزف على أسلوب واحد، أو تقنية واحدة في العمل السردي الواحد، إلا في حدود ضيقة ليست الأعمال الروائية الطويلة منها.

   ولذلك نراه يستنطق حتى الأموات، ويستبطن مشاعرهم، ويصف تأملاتهم، كما فعل مع بطلته ليلى في هذه الرواية، فهي تتحدث مع مَن يحيط بها ويتجمع حولها ساعة موتها في طريق عام فتقول: “الحب أولاً، الحب أخيراً، هذا ما أوصيكم به، ولا تبالوا بمصيري، فموتي حياة أخرى، هي انتباه لكم، يدلكم على أن الحب لا يكون في قلب واحد سوى نبض محصور في محيط ضيق، الحب لا يكون إلا بين قلبين، قلبين محبين، ينبضان مع جمع من القلوب العامرة بالخير كسرب حمام أبيض. ومهما طال الزمن، وصعب الطريق، فإنني أحذركم من اليأس، وأهتف حتى يبحث صوتي:

– الحب أولاً، الحب أخيراً، الحب بين قلبين.

لا تسخروا من كلماتي البسيطة، لا تحتلفوا حولها، صحيح أن اختلافكم رحمة، غير أن الاختلاف غير الافتراق، الاختلاف والافتراق ليس في قتلي، وتركي ضائعة، ذاهلة، خائقة وسط الطريق، بل في ركوب مركب الشرف والغيرة، لتحديد مصيري، تلك قضية كبرى، لعلها تبدو لكم صغيرة فتخطئون” (ص196)

   ويذكرنا صنيعه هذا بصنيعه في قصته القصيرة “الحداد لا يليق بالشهداء” التي جعلها عنواناً لمجموعته القصصية التي نشرها في العام 1981 عندما استنطق بطله المقاتل “قدوري توفيق” الذي استشهد في إحدى المعارك، وجعله يروي ما حدث بعد استشهاده، وينسج الحوار على لسانه وكأنه ما زال حياً يرزق: “مزقت زوجتي ثوبها الجميل، أمسكتْ بمقص صغير وقطعتْ ضفيرتها الطويلة، صحتُ بها:

–           لا يصح أن تبكي، فجلستْ تنتحب قرب رأسي.

شعرتُ بروحي تتمزق مثل ورقة حين مزقتْ ثوبها الأزرق وارتدتْ ثوباً أسود، ولفت شعرها بفوطة سوداء، ولطمت خديها حتى شحب وجهها. صحتُ بها

–           هذا لا يصح. إنني حي. أسمع وأرى وأتكلم.” (ص99)

” كان صوت المقرئ عذباً ينتشر في أوردتي بخشوع وهو يتلو ما تيسر من سورة الرحمن. جلستُ القرفصاء في الزاوية المطلة على باحة دارنا وأنا أستمع إلى الصوت الذي ينسكب في قلبي في هدوء رزين. رأيت السرادق تنصب في الساحة التي تنفتح بعد الباب الخارجي. زوجتي ترتدي ثوباً أسود وتحدث شخصاً لا أراه ضمن المجال المسموح للرؤية.

–           سأذهب إلى أهلي، ما فائدة بقائي وحيدة؟

رأيت طرف ضفيرتها بين ساقيها، خيل إلي أنها تلامس الأرض… مددت رأسي أكثر، أين والدتي؟!، رأيتها تجلس صامتة، ما تزال ترتدي فوطتها البيضاء، ابتسمتُ لها…” (ص100-101)

    والشيء نفسه يقال بإزاء مستوى التشبيه والوصف لديه، فإن القارئ لأعمال علي خيون السردية سرعان ما يلحظ أنه كثيراً ما يلجأ إلى تشبيه العناصر أو الحالات بمشبهات بها، من أجل تقريب المعنى الذي يريد، أو لنقلْ من أجل إمتاع القارئ وإثراء النص بالعناصر الفنية الدالة على حرفية عالية تضع حداً فاصلاً بين النص العادي والنص الـمُبْدَع، حتى لَــــيُمكننا القول إن الروائي علي خيون لو لم يُهيَّأ له أن يكون سارداً لكان شاعراً!

   وليست روايته “بين قلبين” الصادرة أخيراً بمنأى عما قدَّمنا له، وإنْ كانت ليست الأخيرة من حيث تاريخ كتابتها، فمَن يُواجهها قارئاً عادياً، أو ناقداً، فلا يحتاج إلى كثير عناء ليتلمس هذه المستويات جميعاً، فضلاً عن عناصر إغناء أخرى كإشارات تاريخية (ص181و182)، ونصوص شعرية تفلسف بعض الأحداث (ص181)، وأبيات من الشعر الفصيح (147 و173)، أو العامي، أو كلمات أغنية شعبية، وأقوال وحكم مأثورة (ص180 و181 و183 و184)، وحتى الموشح الأندلسي (ص173)، بينما يدوِّن حوارات أبطاله باللغة الفصحى التي تقترب من لغة المثقفين المحكية، ورأيتُ أن أخصَّ هذا المقال بالكلام على مستوى التشبيه في هذه الرواية، وهو مما نجده في أعماله السردية جميعاً، كما أسلفنا.

   تحتشد مجموعة من التشبيهات الطريفة في “بين قلبين” ليأخذ كل منها دوره في تقريب البعيد  من غايات السارد، أو إمتاع القارئ، وشحذ خياله بصور منتزعة من مشاهدات أو تجارب أو خبرات غائبة يستحضرها بأسلوب رشيق، ليجعلها أليفة لصيقة بالواقع، كما في هذه الأمثلة المنتشرة في الرواية:

1-         الهمس في آذانها يجعلها خفيفة الوزن مثل ريشة (ص13)

2-         تكاد النجوم التي تتحرك مع حركة الأرجوحة تسقط في حضنها ككرات صغيرة تعبث بها كما يفعل طفل سعيد. (ص13)

3-         أنصتت ليلى لصرير البوابة الخشبية العريضة وهي تفتح على الصالة التي يتوسطها سليم ينفتح باتجاهين كجناحي طائر عملاق (ص19)

4-         فمشت ليلى ببطء كالسائر في نومه (ص19)

5-         بينما كان الجسر مثل أفعى عملاقة تغمر رأسها مرغمة في عمق المياه (ص24)

6-         وصبرية كما ترين مثل ثور في ساقية! (ص30)

7-         هاهي تسمع حكاية فرحة فترتعد مثل سعفة في عاصفة (ص30)

8-         وهو في القمة يشم رائحة الماضي مثل رائحة وقود ثقيل أسود يحترق(ص39)

9-         صمت الرجلان كأنهما يتأملان بئراً عميقة (ص65)

10-       وأغمضت عينيها كأنها تجرعت للتو كاساً من السم (ص70)

11-       بدت مقطبة كأنها تودع جنازة ميت (ص72)

12-       وظلت تهز رأسها كالبندول (ص74)

13-       وكان التوقيت الشتوي يجعل النهار قصيراً والغروب مثل ستارة تهطل رويداً رويداً على الكائنات (ص79)

14-       وأردافها التي تشابه أرداف حصان أصيل (ص81)

15-       خريف ذابل، تساقطت فيه الأوراق حائرة كالأيام (ص98)

16-       وغاب معه الأمل بالسلام، كأنه صياد يجوب البحار البعيدة، ليأتي بكنز يجلب المنفعة والفتنة معاً (ص99)

17-       ينبئ بالكارثة كمجهول يتحسس هول الزلزال قبل وقوعه (ص109)

18-       وبدت ليلى في ضوء الفانوس، في بجامتها البيضاء، كأنها حمامة ليس بمقدورها الطيران (ص110)

19-       شكله الذي بدا نظيفاً كأنه خرج لتوه من الحمام (ص113)

20-       وأضاف كشيطان يعظ (ص117)

21-       نهض على نحو مفاجئ، كأنه ممثل أنهى دوره (ص118)

22-       حياته غامضة، وهبوطه على القصر مثل هبوط إنسان غريب من كوكب بعيد (ص123)

23-       ولكنها صارت تألفه كمن يعاشر حيواناً مفترساً ثم يطمئن إليه (ص123)

24-       شعرت على حين غرة، كأن إنساناً ينتزع نفسه لينطلق من داخله (ص124)

25-       ما يقوله يجعل لك جناحين تطيرين بهما في فضاء رحب (ص127)

26-       هذه الموسيقى لها رقصة، إنها تنثر ما يختزنه عقلي الباطن كما تنثر الريح ريشاً على قارعة الطريق (ص130)

27-       والهواجس بلسانه الذي يركِّب الأشياء فيبهر بها العين كساحر ماهر (ص135)

28-       أشك في أنك نسيت تلك الأيام المتناثرة في ثنايا الذاكرة كقِطع سُحُب بيض (ص143)

29-       المصائب تتجمع كالغيوم (ص151)

30-       لكنه طرد طيفها كما يبعد الإنسان ذبابة تطن فوق أنفه (ص160)

31-       ويخطو بقدمين منفرجتين كما يفعل الكبار في استعراض عسكري كبير (ص164)

32-       انتفظت ناهد كمن لدغت، وقالت وهي تطوي ساقيها وترفع جسمها الطويل مثل أفعى مستنفرة (ص173)

33-       ضحك ضحكة رجل شرب نصف بطل من العرق وقال مازحاً (ص179)

34-       كانت تقاطيعها ضخمة ولكنها جميلة كوجه ممثلة عالمية (ص186)

35-       والسؤال الذي سيظل حائراً مثل طائر محاصر في قفص (ص196)

   على أن ما يفعله علي خيون في هذا الشأن ليس خاصاً به وحده، ولا يمكن أن ننسبه إليه بوصفه اختراعاً له وابتداعاً منه، فطالما عجت الأعمال الروائية العالمية وغير العالمية المشهورة بمثل هذا الصنيع، غير أن ما يمكن أن يجعل منه فضيلة من فضائله، وسمة من سماته هو أنه وضع يده على سر هذا الفن، وجعله وكْدَهُ، واستغله كل الاستغلال، وجعله منوالاً يــــدور عليه نسيجُ أسلوبه الســــردي، ليمتاز به عن كثير مِن الساردين.

ولا نجد ضيراً في الإشارة إلى أن روايته “بين قلبين” وإنْ كان عنوانها يشي بتناول موضوع الحب وحده، إلا أنها، فضلاً عن علاقات الحب المتشعبة التي زخرت بها على مدى الفعل السردي، تناولت الأحداث التي مر بها العراق في السنـــــــوات الأخيرة من تاريخه، والتحولات الحاسمة التي شهدها، وكأنه أراد ألَّا يفوته أنْ يُسهم في صياغة أدب يعبر عن القضايا الوطنية الجديرة بالاهتمام، وأن يقوم بأداء وظيفته كأديب ملتزم كما ينبغي.