فن الصحافة في نقل المسموع والمرئي

319

فن الصحافة في نقل المسموع والمرئي
صفحة في تاريخ الصحافة الأهرام المصرية و العرب العراقية في مانشيت واحد
زيد الحلي
بين أعوام 1967 و2012 فترة زمنية طويلة، هي 45 سنة، اي اربعة عقود ونصف، وطيلة تلك المدة ظل السؤال، وسيظل يتردد في داخلي كيف لأثنين من الصحفيين العراقيين الشباب، يضعان عنوانا رئـيسا لصحيفة يومية عراقية مانشيت ثم يظهر، ان أعرق صحيفة عربية هي الأهرام تضع العنوان نفسه، لتصدران في يوم واحد، بمانشيت واحد.. ومبعث الدهشة التي ترافقني الى الآن هو معرفتي بأن الأهرام أعتادت ان تختار عنوانا رئيساً لصفحتها الأولى، ضمن طقوس وضعها رئيس تحريرها آنذاك الكاتب محمد حسنين هيكل، تتمثل بعقد إجتماع لكادر تحريرها من الصف الاول، لدراسة الأخبار المهمة المرشحة للصفحة الاولى، ثم تتجمع عدة عناوين مقترحة لتوضع امام هيكل نفسه، لأختار الأحسن.. وهذا كان يحدث كل مساء… ولا أعرف ان أستمر الحال ليومنا هذا، ام تغيرحين ترك رئاسة التحرير محمد حسنين هيكل مهامه، برغبته ام برغبة مناوئيه… فهل هو توارد خواطر، ام حس صحفي فطري، تجعل الصحفي مظهر عارف مسؤول الصفحة الاولى بجريدة العرب العراقية والعبد لله، كاتب هذا الموضوع، زميله في الجريدة، يريان الأحداث برؤية سياسية، اعلامية تتطابق مع رؤية كادر الأهرام بأمكانياتها المعروفة ؟
لا أمتلك جواباً، وأحيل تساؤلي الى سجل التاريخ الصحفي العراقي، وهو سجل مشرف ولا شك .
وأسرد الحكاية من بدايتها
في مساء يوم التاسع من حزيران 1967 اي بعد نكسة حزيران، سيئة الذكر باربعة ايام، قطعت اذاعة صوت العرب المصرية برامجها، وفي تلك الظروف كانت هذه الاذاعة مصدر الأخبار الاولى للصحيفة التي نعمل فيها، والمعروفة بتوجهها القومي، كانت احداث الخامس من حزيران وما ترتب عليها من انتكاسة كبيرة، زلزالاً هز الوجدان العربي، وهي الشغل الشاغل للشارع العراقي والعربي.. وظلت الإذاعة تعيد الأناشيد الوطنية، ولم يكن هناك فواصل بين الاناشيد، كما أعتدنا، بدت الإذاعة وكأنها بلا مذيعي ربط… سلسلة من الاناشيد الحماسية لا غير.. وأينما أدرنا مؤشر الراديو للبحث عن سبب قطع الإذاعة المصرية الشهير لبرامجها، لم نجد سوى خبر، يتيم من اثير اذاعة البي بي سي يقول ان تلفزيون القاهرة والإذاعات المصرية كافة، توقفت عن بث برامجها السياسية وتعليقاتها، وأستعانت بالأناشيد الوطنية، وذهبت بنا الظنون الى جانب مشرق، وهو شعورنا بأن مصر ثأرت لهزيمة الخامس من حزيران، فقامت بضربة عسكرية مفاجئة لأسرائيل.. وبعد فترة طالت اكثر من ساعة، اقترح الزميل العزيز مظهر عارف على رئيس التحرير الحاج نعمان العاني ومدير التحرير شاكر علي التكريتي، رحمهما الله ان يتم الاتصال بالسفير المصري لعله يفيدهما بما يريح البال، وفعلا ذلك، غير ان السفير اكد عدم امتلاكه لأية معلومات..
الرئيس.. تنحى
وفي هذه الاجواء المتسمة بالضبابية، تم ربط تلفزيون القاهرة وكافة الاذاعات بموجة واحدة، ثم جاء صوت المذيع، متهدجا، لا يقوى على القراءة، ليعلن عن بيان مهم، نزل كالصاعقة على الشارع العربي والعالم، بل هي الصاعقة بعينها الرئيس جمال عبد الناصر قرر التنحي عن الحكم ..
اصيب جميع من كان في الجريدة بالذهول، وخيم الوجوم على الشارع العراقي، ولم يقو تلفزيون بغداد، وهذا كان أسمه الرسمي، على بث خبر التنحي، إلاّ بعد اكثر من ساعة، خوفا من ردة فعل المواطنين الذين كانوا تحت وطأة هزيمة الخامس من حزيران، وقد لمحت دمعة تنثال من عيني ابو قابوس الحاج نعمان العاني رئيس التحرير والشخصية القومية المعروفة..
وبدأت الأنباء تترى مظاهرات عفوية تعم القاهرة ومحافظات مصر، تطالب عبد الناصر بالعدول عن قراره، ولأول مرة يشاهد المواطنون الاسماء الفنية والادبية تسير في مقدمة المظاهرات، ام كلثوم، محمد عبد الوهاب، عبد الحليم حافظ، نجيب محفوظ، توفيق الحكيم وغيرهم.. مظاهرات لم يشهد التاريخ العربي لها مثيلاً.. في مثل هذه الأجواء، كان علينا تهيئة عدد الصحيفة لليوم التالي، العاشر من حزيران… بدأ عمال مكائن التنضيد بأستقبال الأخبار التي لا يجمعها جامع سوى انباء المظاهرات وبرقيات التأييد والاستنكار… وقد لفت نظري ان أذاعة اسرائيل لم تعر أهتماماً للضجة التي أحدثها قرار جمال عبد الناصر بالتنحي، ففضلت بث اغنية انت عمري لأم كلثوم التي اعادتها اكثر من مرة ليلة 9 ـــ 10 حزيران..
وتكدست الاخبار المنضّدة، بطريقة لا يمكن التعامل معها صحفياً لكثرتها وعدم تنوعها سياسياً.. فكيف الحال ؟ وهنا كانت الفكرة التي رفضها بشدة رئيس التحرير في البداية، وأقتنع بها مدير التحرير.. ثم بعد لآي وافق عليها رئيس التحرير وكانت تتمثل بأختيار صورة لجمال عبد الناصر يتم تكبيرها على حجم الجريدة وتكتب فوقها عبارة واحدة هي نرفض تعبيراً عن نهج الجريدة القومي ومواكبة لصيحات الرفض التي عمت الشارع العربي.. وبدأنا البحث عن الصورة المطلوبة، وهاهي اصبحت بأيدينا .
وحدث طارئ، كاد ان يلغي الفكرة، حين أعتذر السيد بابكين صاحب معمل زنكراف بابل المتخصص بعمل كليشهات معظم الصحف العراقية، آنذاك لعدم استطاعة معمله تكبير صورة جمال عبد الناصر بالحجم الذي تريده الصحيفة في هذا الوقت القصير، لكن طريقة ألأستاذ شاكر علي التكريتي في الاقناع تغلبت على اعتذار السيد بابكين وفي تمام الساعة الخامسة زوالية فجراً، تسلمنا الكليشة وحملناها بأعتناء الى ماكنة الطبع، لتظهر الصحيفة بعد حوالي الساعة وهي تحمل عنوانا، توأماً مع عنوان اشهر صحيفة عربية وهي نرفض لتتشكل بعد ذلك علامة مضيئة في تاريخ الصحافة العراقية، فليس سهلاً ان تتوافق صحيفة عراقية ذات الامكانيات البسطة مع الصحيفة الاشهر عربيا، والتي تمتلك امكانيات صحفية كبيرة، وحمل المواطنون في تظاهراتهم التي ملأت شوارع العراق، الصفحة الأولى من صحيفة العرب بعد ان حولتها المطابع الاهلية الى ملصقات… انه حدث مهم، غيبته السنين ولم يشر اليه احد حتى من قبل الذين حصلوا على شهادات الدكتوراه في تاريخ الصحافة العراقية… مع الأسف
وانني حين أشير الى هذه الصفحة من سجل الصحافة العراقية، ونحن نحتفل بعيد تأسيسها، لا ابغي ابراز حالة شخصية رغم ان ذلك يشكل تاريخاً في مسيرتي المهنية، لكن الأمل يحدوني، بأن يتعرف الجيل الجديد من الأعلاميين الشباب على سلفهم من الصحفيين الذين تصدوا بمهنية عالية لأحداث جسيمة، وخرجوا بأمتحان التحدي بزهو وألق، فالصحفيون الشباب، من الذين ألتقيهم لا يعرفون حالياً، إلاّ النزر اليسير من معاناة الرواد… فهل نبدأ بالخطوة الاولى في تصفح حي لكتاب الصحافة العراقية؟… آمل ذلك، خدمة لتاريخ مجيد قبل ان يمحيه الكسل وعدم المسؤولية
دعوة لكلية الاعلام وهنا، ادعو زملائي وأخوتي في كلية الاعلام وفي نقابة الصحفيين العراقيين الى تكليف الزملاء القدامى للقيام بألقاء محاضرات على جيل المستقبل وجعل تلك الفقرة احد الواجبات التي ينبغي التعرف من خلالها على ماضي الصحافة والاعلام في العراق، ولنا في كلية الاعلام بالقاهرة وبيروت وتونس، اسوة يمكن الاهتداء بها.. وكم يكون الامر جميلا، حين يعي الجيل الحاضر، ان الصحفي العراقي أدرك في وقت مبكر، ان الصحافة ليست آلات طباعة، او قصاصات ورق، وليست حروفاً وخطوطاً وألواناً على ورق مصقول او ورق جرايد ، انما هي في الاساس والاصل المبادرة والابداع والحرية، فأعطى من اجل ذلك الكثير، وتحايل على الكلمات والجمل من اجل
الكتابة بأمور كانت من المحرمات، في سبيل القارئ، وفي سجل الصحافة العديد والكثير من الشواهد على وطنية الصحفي العراقي، وأعني بالوطنية محبة المواطن والخوض بمعاناته وعرضها للرأي العام بحذر، لكن بعمق وأحساس بالمسؤولية، انطلاقا من قناعة متجذرة في الوجدان بأن الصحافة الحقيقية لا تحيا بدون الابداع، ولو غادرتها فانها تصبح قصاصات وكلمات بكماء وخرساء.. لا تشع ولا تضيء وأجد ان من الضروري، تكريس القناعة عند الجيل الجديد بأن على الصحفي السعي لجعل قارئه، كشارب القهوة يستمتع بها رغم سوادها ومرارتها، ولا أعني هنا، ان يكون الصحفي في كتاباته، دائما ينحو الى تناول الاشياء الصعبة، او يطرح الأمور بطريقة قاسية في الكلمة والمعنى، بل اقصد ان يكون موضوعيا، وأن يمتلك عدسة قادرة على ألتقاط الجوانب القابعة في دهاليز الحياة والتي تخفي وراءها الكثير من المعاناة او الجمال، من اجل ان يسقط عليها في كتاباته من حكم ودروس التاريخ، ما يجعلها مرتبطة بالحاضر.. والصحافة النبيلة، صورة عن خلجات انسانية، وما الصحفي المبدع إلا سبيكة مصنوعة من تلك الخلجات.. والصحافة ليست كلمات منمقة، بل هي تجربة في الحياة يمر فيها الصحفي، وتدفع بالقارئ في خضم لجتها ليعيشها مع الصحفي.. وهنا تكمن عظمة الصحفي في كونه احد بناة المجتمع.. ولعل الأشارة الى الموهبة الصحفية وكيفية تنميتها، ضرورية جدا في المراحل الدراسية الاولى لطلبة الاعلام، فموهبة الصحفي، تنبع من مكان عميق في ما وراء الذكاء، وهي مسؤولة عن ومضة او قدحة الفكرة او المقالة وحتى الخبر.. ومن لا يحظى بالموهبة، فأنه يكون من الصحفيين الذي يمرون امام مشهد مرحلية الزمن مرورا خجولاً، ثم يغادرون غير مأسوف عليهم الى ضفة بعيدة عن وهج الصحافة.. وقد صادفت مثل هؤلاء الذين ولجوا عالم الصحافة، فكانوا مصاببين بالدوار في كتاباتهم، وبعظهم كان مثل شجرة يابسة بأنتظار الفأس لقطعها… انهم اشبه بمثل من يتأبط ذراع أعمى.. وفي الصحافة، تبرز حقيقة الحقائق، رغم ان الكثيرين يحاولون تجاوزها، عن قصد او عن جهالة، وهي ان الادراك كلما كان عميقاً، كان تفسيره أصعب، وكلما تعمق الاحساس بالاشياء، كان التحليل أقرب الى المنطق.. لكن ذلك لم يكن مع الأسف على اولويات معظم من تسلموا قيادة دفة السفينة الصحفية سابقا وحاليا، إلا في حالات اسثنائية.. فعندما يكون الهم هو اصدار الصحيفة بمواعيدها، حاملة لـ مانشيتات لكسب الود، دون الاهتمام بالمحتوى والمضمون، نجد فيها شعراً بلا قصيدة، ومقولات لا مقالات ومواقف ولا سياسة، مما جعل الهشاشة تكون سيدة المنطق، وبذلك يتم صدم القراء… وما أكثر الصدمات التي تلقاها القارئ في وطني
لقد نسى، من بيدهم الأمر ان الصحفي الحقيقي، عملة نادرة، وعظمة القائمين على رأس العمل الصحفي، تتمثل ببحثهم عن المواهب، قبل البحث عن الولاءات الشخصية والتملق، فكم من صحفي حاذق ظل خلف سياج الصحافة، فيما تسلق وتسيد الواجهة أناس يحملون كل الصفات عدا صفة الصحفي فالصحفي النابه، ليس حبة رز في كوم الرز، حيث بالإمكان أخذ هذه الحبة ورميها في البحر… فلا كوم الرز اهتم بها.. ولا هي أثرت فيه، إنما هو ربان سفينة المجتمع..
/6/2012 Issue 4227 – Date 16 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4227 التاريخ 16»6»2012
AZP09