فنون وجنون – علي العكيدي

943

فنون وجنون – علي العكيدي

الصور والمشاهد والأساليب التي أفرزتها ثورة الجماهير التي خرجت ضد الفساد وتراجع الدولة وتبعيتها ومظلومية الناس , كانت عديدة ومتنوعة سواء من الجهات الامنية الحكومية أم من الطرف الثائر الذي أبدع بحسه الوطني وبسلوكه الاجتماعي السلمي حيث كان شعار (سلمية سلمية) شعارا رائعا حقا استطاع من خلالها الشباب الثائر ان يوصل رسالة سلام واعتزاز وحب للوطن وتاريخه ومستقبله .

 والصور والمشاهد والممارسات اعلاه كانت على قسمين ولكل قسم مايخصه مما ورد أعلاه، قسم يتعلق بفنون وإبداعات المتظاهر العراقي والثائر ضد التراجع والفساد وغياب الهوية الوطنية , والقسم الأخر مايتعلق بمجانين السلطة الذين لا هم لهم سوى الاستحواذ على كل شيء دون ان يقدموا شيئا له أهمية وقيمة على المستوى العام، فكانت ممارساتهم ضد المتظاهرين تتناسب وحجم تفكيرهم وحبهم للبلد ونزاهة نفوسهم،

مايتعلق بالجانب الأول فان الثائر العراقي كان رائعا على المستوى الفردي والجماعي في ذات الوقت , فما حدث في ساحات الاعتصام يمثل حالة ايجابية بكل ماتعنيه هذه المفردة من معان جليلة وذات قيمة ،فالمتظاهرون وما يحملونه من روح وطنية وحب وإهتمام بالهوية العراقية , فقد قدموا الكثير وهم في ساحات التظاهر وفي حالة كر وفر  مع الجهات الحكومية التي قابلتهم بالعنف والحقد، فقد أجاد المتظاهرون وهم يرسمون لوحات فنية في داخل النفق وعلى جدران ساحة التحرير وكذلك في ساحات الاعتصامات في المحافظات , رسوم ونقوش  وعبارات وطنية ستظل خالدة ,ومنهم من قام وبكل شجاعة ووطنية بمعالجة الجرحى وكان لحفيدات زينب (ع) والخنساء دور بذلك , فالمراة العراقية اثبتت جدارة في ساحات التظاهر , تطبخ للمتظاهرين , تداوي الجرحى , تهيء المكان وتنظفه , وتجعل منه ساحة للزهو العراقي القادم . الشعارات التي نقشها الابطال في مكانات  العز (الان عرفت معنى الوطن) (اريد وطنا) (المراة ثورة) (ابو التكتك علم) (نازل اخذ حقي)  ونتيجة كما اسلفت لدور المراة في التظاهرات فهناك شعارات جسدت هذا الفعل الميداني الرائع (المراة ثورة), (المراة قالت كلا للطغاة) وفي مكان أخر هناك رسم مثل المراة العراقية وهي تحتضن خريطة العراق بطريقة إحتضان الام لوليدها، وفي الاعلى تم كتابة المقولة الرائعة التالية (أبد ماضيعك ياعراق).

اعمال شامخة

لم ينته الأمر الى ما وصلنا اليه ابدا فالاعمال شامخة ورائعة وعديدة , فنصب التحرير تمت انارته بطريقة مميزة تليق بهذا النصب العملاق , النافورة التي يقف النصب شامخا فوقها تم إصلاحها لتعطي منظرا رائعا للمشاهدة , المطعم التركي بدل هويته ليصبح عراقيا بالولادة والنشاة ورحلة التوجه للقضاء على الفساد والفاسدين، فاصبح شكلا أخر حيث جرى العمل على ان يكون مكانا للعز والشرف وإيواء الهوية العراقية التي ضاعت في  صراعات مجانين السياسة الذين سيطروا على البلد في غفلة من أهله . حيث أصبح  المطعم التركي(قلعة الأحرار)

الخيم هنا وهناك وكلها تحكي حكايات شباب يبحثون عن وطن عمره الاف الاعوام ضاع بين ارادات الاقزام , فأصبح رغم قوته وكبريائه ضعيفا ركيكا , وفي المحافظات التي تحولت فيها دماء شبابها الى نافورات تغطي أرض العراق الأبي بالدماء الطاهرة  شهدت هي الأخرى ذات الفعاليات الرائعة التي حولت ساحات الاعتصام او ساحات التظاهرات الى مهرجان ميداني كبير يحوي النشاطات الانسانية الرائعة التي يتشرف الفرد العراقي ان ينتمي اليها ويستمد قوته منها وامله بمستقبل أفضل من خلال فعالياتها ،التي هي بحق كرنفالات الوطنية والاصرار على تحقيق الافضل والاحسن، وماجرى في الناصرية والنجف الاشرف ،وكربلاء  الى البصرة الفيحاء والمثنى والديوانية وميسان وواسط وبابل، حيث الفعل البطولي والموقف المشّرف.

التكتك قد أخذت لها دورا وحازت على مكان ليس في ساحة التحرير والخلاني والوثبة والرصافي وباب المعظم فقط ،بل في قلوب الشعب الطيب الذي تفاعل وبقوة مع مواقف اصحابها البطولية ،ولمن لايعرف ماهي التكتك اقول :التكتك واسطة نقل صغيرة دخلت العراق في السنوات الثلاث او الاربع الاخيرة وهي علامة مميزة لتخلف الدولة , فالدول المتقدمة تجاوزت حتى السيارات التقليدية بالنقل العام لتدخل في عالم المترو والانفاق تحت الماء والجسور فوق مياه البحار التي طولها مئات الكيلو مترات والقطارات السريعة  فضلا عن النقل الجوي داخل وخارج المدن . المهم هذه التكتك كان لابطالها من شباب العراق الواعد دور كبير بنقل الجرحى والشهداء والمصابين الذين تلقوا رصاص الاجهزة الحكومية بصدورهم العامرة بحب العراق , حيث قام أصحاب التكتك واغلبهم من الشباب ويعملون بقوت يومهم بنقل الجرحى، في سلوك ميداني يؤشر على مدى قدرة العراقيين على التكاتف في أوقات الشدة , هذا الفعل قد أثر كثيرا على نظرة الناس لهؤلاء, وهنا أسأل الجهات الحكومية او من هم بالواجهة السياسية التي تقود العراق اليوم سواء بالسلطتين التنفيذية والتشريعية ام غيرها , فأقول ما الذي جعل الناس تتعاطف مع أبو التكتك  ومع المتظاهرين جميعا ؟, وعندما أقول الناس اقصد الشعب بكل اطيافه وخاناته الشعبية والسياسية والاجتماعية والجماهيرية وغيرها ،ماهو سبب هذا التعاطف وهذا الالتفاف الجماهيري وهذه الوقفة ضد الفساد والفاسدين، ضد كل من سرق أموال العراق وساهم باضعافه وتراجعه ؟ وهنا على الجهات التي وجهنا لها السؤال ان تكون صادقة بجوابها وتعترف، بان عجز الاحزاب السياسية التي تسلطت على العراق منذ عام 2003م الى اليوم عن القيام بعمل واحد يستحق الذكر ويهدف الى تطور العراق والنهوض به وعدم الاهتمام بالهوية الوطنية وطرح المشروع الطائفي الذي ادى بالبلد الى التدهور والانحدار،  هذا وغيره الكثير كان سببا مباشرا بخروج الناس ضد الطبقة السياسية التي كما اشرت لم تقدم لهم مايجعلهم في راحة من البال وطمأنينة على المستقبل  مستقبلهم ومستقبل ابنائهم . هذا جزء بسيط او صورة مصغرة جدا لحقيقة ما حدث في جانب المتظاهرين الثوار وهم يقدمون للعراق العظيم موقفا لاينساه الناس ابدا حين حركوا ماهو ساكن منذ سنوات..

الرصاص الحي

اما من الجانب الاخر , الجانب الذي تصدى لهؤلاء الثوار رغم سلمية توجههم , تصدوا لهم بقوة وخشونة فمن الرصاص الحي الى الغاز المسيل للدموع -الذي أكد بعض من قال إنه يحمل بين طياته ماهو ممنوع دوليا –  الى الهراوات وبقية الوسائل , الى زج مجاميع من المخربين تعمل على حرق الممتلكات الخاصة والعامة لغرض تشويه الهدف السلمي للمتظاهر الذي يهدف بخروجه الى اعادة وطنه كما كان كبيرا عزيزا، لقد كان الرد عنيفا وكأن الامر  هوخيانة وليست وطنية  واضحة المعالم ، ومطاليب اقرها الدستور العر اقي الذي كتبته الطبقة السياسية نفسها، واخيرا نقول لماذا ضياع العراق، أين الاستقلال السياسي للبلد ،الذي اصبح العوبة بيد دول الجوار؟ وهو ذلك العزيز الكبير ، صاحب التاريخ المجيد والأهمية المؤثرة انه العراق ياسادة ،لماذا هذه التضحية بسمعته وعظمته وهو بلد الابطال الغيارى، وهو (بلد المال والرجال) كما قال عنه الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام)  وهو (جمجمة العرب) كما وصفه الخليفة الثاني عمر بن الخطاب (رض) ،إن الحرص على العراق والاهتمام بالهوية الوطنية شرف لكل سياسي غيور، ان الدول تنهض باهتمام سياسيها فيها وليس  بالعمل على اضعافها ونهب خيراتها والمساهمة بتراجعها.

{ اكاديمي عراقي

مشاركة