فندق السلام لمحمد سعد جبر الحسناوي

فندق السلام لمحمد سعد جبر الحسناوي

الحدث المتحرّك يبث حيوية السرد

إبراهيم الأعاجيبي

يتناولُ الكاتبُ قضيةَ مهمة، تاريخية، اجتماعية، سياسية ووطنية، كلّ هذه اجتمعت في ثيمةِ الرواية، إن عملية الكتابة التاريخية تستدعيَ من الكاتب معرفة الواقعة جيداً ومعرفة الشخصية الرئيسية والثانوية فيها ليجعل من عملية استرجاع الحدث التاريخي ذو نكهة جميلة في طريقة السرد، وهذا واضحٌ جداً في الرواية، إذ القاص كان على إطلاعٍ ومعرفةٍ كبيرة في حوادث هذه الرواية، وربما كان مشاركاً في بعضِ فصولها أو شخصية من شخصياتها، المهم أنّ القاصَ كان ملماً بحادثةٍ مهمةٍ وثورةٍ شعبيةٍ عارمة لو هُيأت لها الظروف بصورة أفضل لغيرت معالم النظام السياسي بصورةٍ شبه جذرية، فندق السلام قد يبدو العنوان غريباً على القارئ الذي لا يعرف أنه اسمٌ لمكانٍ تم فيه حجز واعتقال الكثير من الثوار الذين ثاروا بوجه سلطة دكتاتورية مقيتة، حكمتهم بالحديد والنارِ، أن تسترجعَ حادثة تاريخية بإسلوبٍ قصصي لهيَ مهمة صعبة ولا بدّ من لمساتِ الابداع فيها، القصةُ تُشيرُ إلى أنّ أهالي الجنوب العراقيّ كانوا متذمرين من السلطة التي سامتهم الخسف والهوان والتعذيب طوال ردحاً من الزمن، ملّوا السلطة وقرروا أن يثوروا بوجهها ثورة مسلحة، كان الوقتُ مناسباً لقيامِ الثورة الشعبية في الوسط والجنوب العراقي، لأن النظام كان مُحارباً من كثير من دول العالم ومقيد ومحاصر حتى الاختناق، وكان خارجاً لتوهِ من حربٍ سخيفةٍ أقحم الشعب بها وفرضها فرضاً عليهم، كان النظامُ متعباً، منهاراً لا يكادَ أن ينهضَ من كبواته الطويلة وخساراته التي لا تعد ولا تحصى نتيجة لعدم رؤية سياسية تنموية تحقق اقتصاد نفعي للبلد، الثورة كان تتقدُ شرارةً وغضباً من النظام، لعلَ للثورةِ جذوراً أقدم من وقتها لكنه لم يحن موعدها، تبدأ القصة بصورةٍ شفيفة جاذبة وهو لقاءٌ بين العاشقين والذين هما شخصيتين هما عليّ وحبيبته إيمان، اللقاءُ كان جميلاً بينهما، السردُ أعطى لشخصيةِ عليّ دوراً أكبر مما أعطاه لإيمان وربما تعد إيمان شخصية ثانوية قياساً بحبيبها عليّ، شخصية عليّ كانت متحركة متفاعلة مع مجرى الحدث منذ أول انطلاقه حتى نهاية الحبكة الروائية وحلّها تماماً عندما أسقطت قوات الاحتلال الصنم الحاكم في بغداد، الروايةُ كان تتسمُ بأن حدثها متحركاً متفاعلاً مشوقاً لذا لا يمكن الاستغناء عن قراءة صفحة دون صفحة، لأنّ في كلِّ صفحة ربما تجد شخصية أو حدث أو مسألة ما، الروائي جعل من الروايةِ حديقة غنّاء تضمُ شتّى أصناف الزهور، غليان الحدث بعمليةٍ تصاعدية متناسب مع تطور الحدث الرئيس وهو الانتفاضة، هنالك نزعة دينية ترافقُ السرد كثيراً بالأخص في شخصياته، فسبب هذا هو أن شخصياته حقيقية فحافظ القاص على الأصالة المعرفية دون أن يسبغَ لوناً جديداً على أيةِ شخصية، كان الثورة مؤثرة في نفسية القاص ويكن لها أعظم الأثر، فلم يكتب عن سلبياتها التي ترافق كل ثورة، لأن بطبيعةِ الثورة لا تخلو من سلبياتٍ وهذه مسألة طبيعية في كل الثورات، الثورةُ كانت بوجهٍ واحدٍ وهو الأبيض اللّماع، هذا لا يعدُ عيباً على الراوي لأن فنية الرواية وقوة حبكتها وقيمها الجمالية هي التي تحدد أنّ الرواية جيدة أو لا، مثلاً كانت شخصية مصعب البصري شخصية جاسوسية فهو عين للسلطةِ فيقول القاص عنه في صفحة 18: كان مصعب البصري الذي عصب رأسه ولاث على رقبته يشماغاً أسود يصور احتراق المركز ( الذي اخترقه الثوار) بكامرته الصغيرة التي لا يزيد حجمها على حجم قداحة سجائر… كان يصور بدقة وجوه المتظاهرين ويركز عليها وخاصة من يشعر أنهم أصحاب رأيّ وقرار، هذه منقبة جميلة تضاف إلى الرواية التاريخية ككل، لأن لهذا الجاسوس أعوانٌ كثر كان لهم نصيبٌ كبير من فشل الانتفاضة الكبرى، الرواية تعد وثيقة تاريخية لمدينة تعرضت لحادثةٍ هزت الدولة والعالم أيضاً، لولا أن العالمَ قصر أو لم يدعم هذه الثورة خوفاً من المستقبل الذي يأتي بعد النظام الحاكم! لا تستطيع أن تستجمع أنفاسك وأنت تطالع السرد كيف مضى وكيف يمضي وإلى ماذا سيصل، فبالإمكان قراءة الرواية من أي صفحة لأن في كل صفحة متعة فنية ومعلومة تاريخية، ناهيكَ عن اللغة التي هي عنصرٌ مهم في عملية التواصل، إذ أنّ اللغة هي الأداة بين المُرسِل والمتلقي فهي التي تمدُ جسر الاقتران وتقوي العلاقة بين الاثنين، هذه اللغة التي كتبت بها الرواية كانت متينة ورصينة مما جعل العلاقة وشيجة بين الكاتب والقارئ، أول ظهور لكلمة فندق السلام كان في الصفحة 61، هنا أدرك القارئ ووصل السرد إلى مرحلةٍ يُمَكِنهُ من فهم واستيعاب القصة، الثورة تريد أن تسقطَ النظام فقط مع الحفاظ على مؤسسات الدولة هذا ما ذكر في صفحة 83، الشخصية الدينية في رواية فندقِ السلام كان ذكية وقد وضعَ لها القاص صندوقاً للحفاظِ عليها من أي شيء، وهذا من الحوار الذي دار بين زعيم الثورة والمرجع الأكبر السيد الخوئيّ ورئيس السلطة في مقر الرئيس الحاكم، الحوار الذي دار بينهما لم يكن بمستوى الثورة مطلقاً، ربما هذه لا تعد مثلبة في الرواية أيضاً، لأن القصة حقيقة ولها واقع يشهد ويؤيد لها، إذ أن وقوف زعيم الثورة أمام رئيس السلطة لا يمثل قوة وصلابة الثورة التي هزت وكادت أت تقوض النظام، لكن الروائي يعمد إلى أن يترك الحدث والحوار يبقى على حالهِ دون إسباغ الميك آب عليه، مثلٌ آخر وهو مسألة عدم قتال أبناء القادة مع الثوار إذ الرواية قد جعلت من أحدِ أبناء القائد الثوري ضمن مركز القيادة هذه جعلت السؤال يُثار ولا بدّ من إجابة، تستمرُ القصة بسردِ حوادث القصة تارةً تأخذ الجانب السياسي ومرة الجانب الوطني وهكذا لتتدخل الرواية لتكون وثيقة تاريخية لمدينةٍ أو لبلدٍ تعرض لأزمة حادة خانقة فجرت ثورة كبرى سُميت انتفاضة الواحد والتسعين إشارة إلى سنةِ حدوثها وهو عام 1991، إيمان المرأة الحبيبة كانت راجحة العقل لكن السرد لم يعطها الصوت الروي الكبير في القصة للتناسب مع هيمنة السرد مع شخصية علي، مكان وزمان الرواية كان واقعياً ومؤرخاً، كل الاحداث كانت مدعومة بتاريخٍ يُعضدُ قوتها ويجعلها أوثق، من الانطلاقة الأولى للسرد والحدث يتحرك ويمشي بصورة تكاد تُرهق القارئ ويكاد يفلت منه حبل الرويّ، الحدث كان متفجراً كتفجر الثورة ومستعراً كلهيب الثورة، هل الرواية إلا حدث؟ هذا السؤال كثيراً ما رددهُ النُقاد فيما بينهم ونقول هل هذه الرواية إلا حدث، نعم الحدث أو مجموعة الاحداث كانت تصب في مصبٍ واحد ومنطلقٍ واحد، الرواية جامعة شاملة في النضال والثورة، كأن تكون الثورة فكرية أو همجية، يذكرُ الروائي أن الثوار أنشأوا جريدة لهم لأنهم يريدون أن ينظروا لثورتهم بثقافة ووعي الذي هو أبقى وأكثر أثراً، لغة السلاح لم تلجأ لها الثورة حتى طفح الكيل ولم يبقَ من وسيلةٍ إلا هو، لعلَ عنصر التشويق كان يرافق الحدث ويسايره في ديناميكيته المستمرة حتى آخر القصة، لعل هذه الرواية ستبقى ولن يندثر أثرها، لأنها وثيقة تاريخية وتاريخ وهذا مستحيلٌ أن يُدرسَ أو يُطمس أثره على مدى كل الأجيال، لا بدّ لأيِّ جيل أن يحفظ تاريخه والقاص هنا حفظ تاريخه وتاريخ مدينته في ما خطه في روايته هذه، الاسلوب السردي لم يكن يميلُ إلى الحشو بل كان همهُ أن يسردَ ما يؤثر وأثر في مسيرة السرد وحركيّته المستمرة، تنتهي القصة والقارئ محمل بشتى الأسئلة والاستفهامية والتعجبية عما قرأ وما نتج عنه الحدث؟! هذه الاسئلة تفتحُ أبواباً أمام القارئ أن يعيدَ القراءة ليحفظَ هذه الاسماء الكثيرة التي وردت، إنّ الأسماءَ الواردة في الرواية كثيرة جداً حتى ليصعب على القارئ أن يحصيها كلها ويعرف أدوارها ما لم يعيد ويعيد حتى يحفظ، تحتاج عند قراءة الرواية إلى مسودات كثيرة تكثر أو تقول بحسب سعة اطلاعك ومعرفتك التي تريد أن تأخذها من الرواية. الحدث كان يمشي في سهمٍ هرمي صاعداً إلى الأعلى قد يقف بعض الأحيان ليلتقط القارئ أنفاسه قليلاً ثم يعود الحدث السردي يتحرك بصورة تصاعدية متطورة يوماً بعد آخر، زمن السرد كان ملازما لحدث السرد، مما أعطى قناعات للقارئ فيما يقرأ، الكــــاتب مارس دور المؤرخ الأدبي وليس التاريخي البحت، هنا ضم الميزتين معاً فحقق للقراء ما يشتهون وما يريدون.

مشاركة