
فنان الشعب فؤاد سالم في ذكرى رحيله العاشرة
بيادر الخير الخطوة الأولى والشهرة مع يابو بلم عشاري
البصرة – امجاد ناصر
(دكيت بابك يا وطن)، والوطن لم يفتح ابوابه له وظلت موصدة بوجهه،( ياطير الرايح لبلادي اخذ عيوني تشوف بلادي، مشتاق الاهلي الطيبين، مشتاقلهم صارلي سنين ياعيني اه يا بلادي، مشتاق لكل الاحباب ولكل شارع وكل باب، لاهلي واطفالي وترابك يا وطني الغالي)،جاء الطير لبلده ولكن لم يجد ما يمكن مشاهدته من جمال فقط اهله الطيبين لان الخراب والدمار والفساد تفشى في بلاده اكثر مما كان عليه قبل ما مغادرته مرغما. هذا هو فؤاد سالم فنان الشعب، كان يعاني من تلف في انسجة الدماغ و تصلب في الشرايين ومرض السكري وظل يصارع المرض لسنوات طويلة حتى توفي في مستشفيات سوريا في 2013 – 12- 21، رحل في الغربة التي تنبأ العيش فيها وهو داخل وطنه يغني للغربة ويركز في أغانيه العاطفية على الوطن فكانت رائعة السياب غريب على الخليج تتويجا رسميا لغربته المتواصلة، سالم الصوت الشجي الذي يسحرنا باحساسه فهو ليس يطربنا غنائا فقط بل يدع المتلقي العيش في اجواء الاغنية وكاننا نشاهد عملا سينمائيا او في صالة المسرح، هذا هو احساس فؤاد سالم، الذي قل نظيره في ساحة الغناء الان. لانه يختار كلمات اكبر الشعراء ويتعامل مع اكبر الملحنيين، وكل اغنية هي عبارة عن سمفونية وملحمة وطنية خالدة.
في اخر لقائي معه في عام 2005 في مهرجان المربد قال، ان حياته (كانت عبارة عن مطاردات من مخابرات وامن النظام السابق وابحث عن الاستقرار في بلدي ومدينتي ولكن ليس لدي شبر في هذا الوطن الذي تغربت من اجله وحكمت بالاعدام لقضيتي السياسية الوطنية ضد الطغاة والدكتاتورية واحد الفنانين سامحه الله كان يدبر لي مصيدة لاستدراجي لاحد الاماكن وتقديم راسي هدية للنظام حتى يحظى بحبهم ودعمهم، وانا استغرب لماذا الحكومة تغيب حق الفنانيين المناضلين الذين كانوا بوجه المدفع بينما يعتلي السلطة من كان ليس له اسم يذكر او غير معروف، للاسف هذا معيار ومقياس النضال اصبح، وحقنا سلب في العراق وخارجه، ولم يطرق بابي احدا من الحكومة او الوزارة والنقابة وانا في سوريا الا احد المسؤلين كرم الفنانيين بمبلغ الف دولار، كنا سابقا نعاني من الحكام والان هم أنفسهم كانوا معارضين ومناضلين وسياسيين لماذا عندما يستلمون المناصب يتناسوا من كان معهم اكثر نضالا وتضحية، وكنا نحلم ونتفق على اعمار العراق لماذا الان ندمر العراق ونزرع الطائفية ونسلب حقوق الشعب بالعيش، كنت اعتلي المسرح امام الجمهور ومخابرات النظام وصدري مفتوح لاستقبال الرصاص وهم يكتبون مقالا صغيرا في صحف محدودة التوزيع وباسماء مستعارة اصبحوا مناضلين ونحن ماذا بنظرهم ؟ واستغرب من عدم انجاز معاملتي التقاعدية وبطاقة التموينية التي لم استلم منها اي شيء يذكر، ورغم ان ابنائي عراقيون من اب وام عراقيين الا ان هناك صعوبة بالحصول على اصدار بطاقة الاحوال المدنية والجوازات العراقية).
وقال الفنان الملحن طارق شعبان (برز الفنان فؤاد سالم خاصة بعد أن غنى يا سوار الذهب فظهر بصوت طرب عذب وبوسامه رائعة وتوالت أغانيه لتثري مكتبة الاغاني العراقية التي بدت تغتنى بالكثير من المطربين والملحنين وشعراء الاغنية فكانت أختياراته لاغانيه دقيقة وناجحه خاصة في اداء الاوبريت ( بيادر خير والمطرقه و نيران السلف )، وفي عام 1976 اقترحت عليه لجنة الفحص الموسيقي في الاذاعة أن اعطي لحنين من الحاني له. وذهبت الى بيته في الكرادة واسمعته الالحان فسرٌ كثيرا وأثنى عليه لكن ظروفه الصحية وسفره بعد ذلك حال دون تسجيل اللحنين وألتقيت المطرب فؤاد في سوريا عام 2004 ومعه المطرب الكبير سعدون جابر وكان لقائا وديا جميلا وفي عام2007 أتصلت على صديقنا المطرب فؤاد وانا في الامارات العربية ومعي صديق يعرفه اسمه ابوشيخه وتكلمنا معه حيث فرح بسماع صوتي وهو أخر لقاء مع فناننا الكبير، لقد كان المطرب فؤاد سالم صوتا جميلا وانسانا وديعا وكانت أغانيه محبوبه للجميع وليس لفئة واحدة لانه دخل قلوب العراقيين والعرب بصوته وروحه الفنية الزاهرة ).
رموز الاغنية
كما اشار التدريسي في كلية الفنون الجميلة بجامعة البصرة كريم عبود المبارك ان (فقدنا رمز من رموز أغنية الوطن والالتزام، فؤاد سالم كنت في سنين الألم والظلم حاضر بصوتك الشجي غائب بل مبعد عن بلدك ظلما، لقد قدمت للأغنية العراقية بشكل عام والأغنية البصرية بشكل خاص قالب غنائي متميز خاص ومتفرد بك، زاوج بين الطرب والثورية والعشق فكنت جواز سفر حقيقي للعًراقيين في كل مكان، حملت فكرك وتمسكت به لأنك كنت تدعو لسعادة اهلك وصاحبك وشموخ وطنك، غادرتنا يا فؤاد جسدا ماديا وستبقى معنا روحا تحلق في سماء النغم الصافي دوما ). فيما قال الروائي والكاتب المسرحي عبد الكريم العامري( مات فؤاد سالم، صوت البصرة الشجي، غريبا بعيدا عن وطنه، بينما الغرباء يلتحفون سماء الوطن). كما اشار المخرج عيسى حسين : (لم يغن فؤاد لذاته. وضع روحه وشخصه فى كل اغانيه للوطن ونذر نفسه من اجل شعبه. فذاق مرارة العيش فى غربة قاتله وتحمل ويلاتها وعذاباتها و ظل وفيا لمدينته البصرة ولكن مدينته لم تفي معه ). و يضيف الشاعر والصحفي، علي نكيل ابوعراق : (لم يكن فؤاد سالم مطربا تقليديا ظهر نهاية الستينات ومطلع السبعينات بعد ان حملته سفينة الاوبريتات البصرية الصاعدة من بين غابات النخيل وظلال الشناشيل ببهاء باذخ وقدرة مميزة الى بغداد التي كانت تنتظر بلهفة مترقبة فيوضات الجنوب، لم يكن فؤاد مطربا ذا خامة صوتية نادرة بل كان شابا بصريا بوعي متقد وروح ناهضة متقدة اشتعلت روحه وقدح وعيه بعذابات الفقراء وامالهم وتطلعاتهم، وعلى الرغم من انه كان ينتمي لعائلة تعد من اغنى عوائل البصرة ( بيت بريج) لكنه كان نصيرللعمال والفلاحين ولعل شوارع المعقل والعشار وباقي مناطق البصرة لم تزل تتذكر الشاب الوسيم اليساري الذي كان يسمى حينها وقبل احترافه (فالح حسن). مشيرا : ان ليس ثمة عراقي كان لا يحبه حتى مناوئيه من ازلام السلطة كانوا يسمعون اغانيه الناضجة في كل المواسم خلسة او في جلساتهم الخاصة لأن اغانيه منعت بعد سنة 1979، ولعله اعجاز كبير لم يحققه سوى الشاعر الكبير مظفر النواب وفؤاد سالم في ان يردد اعدائك ما تريد قوله، وقد اثمر تعاوننا الاغنية الوحيدة التي سجلها بعد رحيل النظام السابق 2003 وهي (يم محمد) التي ضاعت في رفوف الفضائية العراقية وهي من الحان الملحن الكبير الراحل طارق الشبلي الذي كان ينوء تحت المرض ولم تقدم له الحكومة بوقتها الرعاية ) . ومن اللقاءات النادرة التي انجزتها مع صاحب الكلمات الشهيرة يا بو بلم عشاري، الشاعرعلي العضب الذي رحل عام 2022 بعد معاناته من اصابته بالجلطة الدماغية : (كان فؤاد سالم، عضوا في فرقة المواني مع طارق الشبلي ومجيد العلي وعضوا في الفرقة البصرية برئاسة حميد البصري وكان فاعل في احياء الحفلات، غنى من تاليفي يابو بلم عشاري والله شحلاة العمر ياسمرة وحدر يهل بلام والعديد من الاغاني في خارج العراق، وقبل السقوط وبعده اوبريت المعبر شنان من تاليفي والحان طارق الشبلي و (انت امس وانت باجر) تاليف مشترك مع فالح حسون الدراجي. فؤاد كان بطل ونجم الاوبريت و قدمنا في قاعة الخلد في بغداد بيادر الخير بالاشتراك مع شوقية وقصة ياسين النصير، ثم قدمنا في1971 اوبريت المطرقة).
سيرة ذاتية
وفؤاد سالم من ابرز رواد الأغنية العراقية في السبعينيات، اسمه الحقيقي فالح حسن بريج من مواليد محافظة البصرة قضاء التنومة 1945- 2013 ، وهو اب للفنانتين الراحلة ( نغم ) بعد اصابتها بفايروس كورونا عام 2021 والفنانة جمانة، وكان متزوج من الفنانة الراحلة مي جمال. يجيد الاطوار الابوذية (الشطيت والشطراوي والغافلي والحياوي والعياش والملائي واللامي، إضافة إلى تميزه بالغناء البغدادي، بدأ الغناء عام 1963 وكان متأثراً بالمطرب الكبير ناظم الغزالي، و أول ظهوره مع أول أوبريت غنائي عراقي (بيادر الخير) في بداية السبعينات، الذي انتجه نادي الفنون بإمكانيات متواضعة وكان من أخراج الفنان قصي البصري، ثم أتبعه بعد عام باوبريت (المطرقة) وكلا الاوبريتين احدثا ضجة فنية واعلامية وسياسية أيضا كون غالبية اعضاء نادي الفنون والقائمين عليه كانوا من الشيوعيين العراقيين أو اصدقائهم.
خرج من العراق لأسباب سياسية وفكره الشيوعي، بعد ان تم فصله من معهد الفنون ومنعه من الغناء في الأماكن العامة و دخول الاذاعة والتلفزيون ثم ااعتقاله.. وقال مرة: (ذات مرة استطعت ان اغني في مكان ما لكنهم انتظروني في الخارج واشبعوني ضرباً باعقاب المسدسات وجعلوا دمائي تسيل على الأرض عندها ايقنت ان لا مكان لي في العراق لانهم سيقتلوني في المرة القادمة فغادرت العراق وقلبي على كفي).
كتب فؤاد سالم، الكثير من كلمات أغانيه ولديه ثلاثة دواوين تتضمن شعرأً وزجلاً (عسر الحال) و (للوطن للناس اغني) و (مشكورة) وديوان اخر عن ادب الفنون الشعبية ويتضمن 140 أبوذية و 200 دارمي.


















