فنان الجوع.. فرانز كافكا

فنان الجوع.. فرانز كافكا

الصيام وسيلة لإجتذاب الجمهور

ترجمة: نواف شاذل طاقة

كان الروائي التشيكي فرانز كافكا (1883-1924)  قد شرع في كتابة “فنان الجوع” باللغة الالمانية وذلك في السنوات الأخيرة من حياته حيث نشرت بعد وفاته سنة 1924 في أكثر من صحيفة ومجلة المانية. تتناول قصة “فنان الجوع” معاناة فنان يمتهن الصيام عن الطعام لمدة أربعين يوما كوسيلة لاجتذاب الجمهور المتعطش لرؤية رجل قادر على الامتناع عن تناول الطعام طيلة هذه الفترة. ويبدو أن فن الجوع كان سائدا في أوروبا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، غير أن هذا الضرب من الفن فقد بريقه مع بداية القرن العشرين، وهي المعضلة التي واجهها فنان الجوع في تجربته تلك. يتناول كافكا في قصته هذه وبطريقته التفكيكية للمشاعر الانسانية المحنة التي عاشها فنان الجوع في أوجه متعددة بدءاً بتفانيه والتزامه الاخلاقي في أصول فنه وعدم خذلانه جمهوره على الرغم من نكران الجميل الذي غالبا ما يلقاه من جانب الجمهور المتشكك بقدرته على الامتناع عن تناول الطعام، وصولا إلى لحظات اليأس عندما يكتشف بأن الجمهور لم يعد يحفل بالفن الذي يقدمه وما يتمخض عن تلك الحقيقة المدمرة من مشاعر واختلاجات متضاربة. ولعل من نافلة القول بأن “فنان الجوع” كُتبت في أخر سنتين من عمر كافكا حيث كان داء السل يفتك في جسده مما جعله، في كثير من الاحيان، غير قادر على تناول الطعام بسبب الآلام الحادة في بلعومه، حتى أن التقرير الطبي الذي صدر بعد وفاته اعتبر أن “الجوع” كان سببا في وفاته. إن ترجمة كتابات الروائي كافكا تنطوي على الكثير من التحدي والمجازفة، ولا سيما أن الكاتب غالبا ما كان يستخدم في أعماله الادبية لغة ومفردات رمزية قد يحتار المترجم بها في بعض الاحيان لانها تقبل أكثر من تفسير. كما أن أسلوب كافكا تميّز في استخدام الجمل الطويلة التي تحتل في بعض الاحيان صفحة كاملة دون أن يستخدم فيها أية نقطة تدل على انتهاء الجملة، مما شكل تحديا مضافا للمترجم. وإن كان هذا الاسلوب مقبولا باللغة الالمانية، غير أنه غير محبب في اللغة العربية، والكثير من اللغات الأوروبية، وهذا ما يجعل من مهمة الترجمة أكثر تعقيدا. وقد حرصت في ترجمتي هذه على الحفاظ، كلما تيسر ذلك، على اسلوب كافكا في السرد غير المنقطع في محاولة  للاقتراب أكثر فأكثر من أسلوبه. وفي الختام، وقد تعلق الأمر بالرؤية النقدية لمواقف كافكا السياسية وكتاباته، ولا سيما ما يردده بعض النقاد بشأن قربه أو بعده عن الحركة الصهيونية، تجدر الاشارة إلى أن كافكا توفي قبل اكثر من عشرين سنة على اغتصاب فلسطين، وعليه فهو بعيد نسبيا عن التداعيات السياسية التي وقعت لاحقا.  كما أن كافكا نفسه كان قد أكد في إحدى كتاباته بأن “لا شيء مشترك يجمعه مع اليهود”، بل أنه اعلن في إحدى مراحل حياته بأنه “ملحد”. ولا بد من الإشارة أخيرا، إلى  انني اعتمدت في ترجمة النص الذي يظهر بين يدي القارئ الكريم على أكثر من ترجمة انكليزية للنص الالماني لعدد من المترجمين وفي مقدمتهم نص يان جونسون، استاذ الادب في جامعة فانكوفر الكندية:

فنان الجوع: لقد شهد الاهتمام بفناني الجوع تراجعا كبيرا خلال العقود الأخيرة. وفي الوقت الذي كان فيه تنظيم العروض الكبيرة لمثل هذا الفن في الأيام الخوالي يعود على منظميه بأموال طائلة، فقد بات اليوم هذا الأمر مستحيلا. كانت تلك الايام مختلفة تماما، إذ كان فنان الجوع يستحوذ على اهتمام المدينة برمتها. وكانت أعداد الجمهور تتعاظم يوما بعد آخر، كلما أمضى الفنان فترة أطول في صيامه. وقد رغب الجميع برؤية فنان الجوع مرة واحدة كل يوم على أقل تقدير. وفي الأيام الأخيرة للعرض، تباع التذاكر حيث يمضي المشاهدون طيلة اليوم وهم جالسون أمام قضبان قفص صغير. بل كانت ثمة عروض في ساعات الليل تستخدم فيها المشاعل للإضاءة بغية زيادة وقعها على الحضور. وفي الايام التي يكون فيها الجو معتدلا يُسحب القفص ليوضع في الهواء الطلق، ويُعرض فنان الجوع على الجمهور وخاصة على الاطفال. وبالنسبة إلى البالغين، فقد كان فنان الجوع في كثير من الأحيان مجرد عرض يثير الضحك، وهو عرض دأبوا على مشاهدته لأنه كان تقليدا سائدا. اما الأطفال فقد تطلعوا إلى العرض بدهشة، وأفواههم فاغرة، ممسكين بأيدي بعضهم البعض لمزيد من الأمان، حيث جلس فنان الجوع هناك على قش متناثر- مزدرياً الجلوس على كرسي – وهو يرتدي رداءً أسوداً محكماً، ويبدو شاحبا، وأضلاعه تظهر بشكل بارز، أو أنه يهز رأسه بعض الاحيان بأدب، ويجيب على الأسئلة بابتسامة مصطنعة، بل يمد ذراعيه خارج قضبان القفص ليدع الناس ترى كم كان جسده هزيلا، ولكنه كان يعود بعد ذلك ليغرق في أعماق نفسه، حتى أنه لا يُعير انتباها لأي شيء، ولا يأبه حتى بما كان شديد الاهمية بالنسبة له، ألا وهو دقات الساعة، وهي قطعة الآثاث الوحيدة في القفص، ويكاد يتطلع أمامه بعينين شبه مقفلتين، ويرتشف جرعة ماء من قدح صغير بين الفينة والأخرى من أجل ترطيب شفتيه.

مراقبون دائمون

وبمعزل عن تغير مجاميع المشاهدين، كان هناك ايضا مراقبون دائمون يختارهم الجمهور – ومن الغرابة بمكان- فقد كانوا عادةً من الجزارين- حيث يتواجد منهم ثلاثة أفراد على الدوام، تناط بهم مهمة مراقبة فنان الجوع ليل نهار، ليتأكدوا بأنه لن يتناول خلسةً اي طعام. بيدّ أن هذا الاجراء كان مجرد عمل شكلي صُمم لطمأنة الحشود، إذ أن أولئك الذين امتلكوا ما يكفي من الفهم كانوا يدركون بأن فنان الجوع لن يتناول أي شيء على الاطلاق طيلة فترة صيامه، في أي ظرف كان، حتى لو اُرغم بالقوة على تناول الطعام. إن شرف فنه يُحرّم عليه تناول الطعام. وفي طبيعة الحال، لم يفهم أي من هؤلاء المراقبين هذا الأمر. وفي بعض الاحيان، كانت ثمة مجاميع ليلية من المراقبين الذين سهروا بكل استرخاء، وجلسوا سوية عن عمد عند زاوية بعيدة مسلطين جل اهتماهم على لعب الورق، بقصد واضح يكمن في اتاحة الفرصة لفنان الجوع للحصول على المرطبات، والتي، طبقا لطريقة تفكيرهم، قد يحصل خلالها سرا على بعض الطعام. ولم يكن هناك ما هو أكثر إيلاما لفنان الجوع من اولئك المراقبين، فقد تسببوا في اكتئابه، وجعلوا صيامه بالغ الصعوبة.

وقد تغلب فنان الجوع في بعض الاحيان على ضعفه فراح يغني، لأطول مدة كان خلالها قادرا على مواصلة الغناء، بينما كان الآخرون يراقبونه، لكي يبرهن للناس كم كانوا غير منصفين في الشكوك التي راودتهم بشأنه. بيدّ أن ذلك لم يبعث على الكثير من الراحة في نفسه؛ إذ راح المشاهدون حينها يتساءلون فيما بينهم عن قدرته على تناول الطعام حتى أثناء الغناء. لقد فضل فنان الجوع كثيرا المراقبين الذين جلسوا أمام القضبان مباشرة، غير راضين عن الاضاءة الخلفية الخافتة للغرفة، حيث قاموا باضاءة الغرفة بالمشاعل الكهربائية. ولم تكن الاضاءة الصارخة مصدر ازعاج له على الاطلاق. على العموم، لم يكن فنان الجوع قادرا على النوم إطلاقا، ولكنه كان قادرا دائما على الانغماس في نوم خفيف تحت أية إضاءة وفي أية ساعة يشاء، حتى لو كان ذلك وسط قاعة صاخبة مكتظة بالناس. ومع مثل هؤلاء المراقبين، كان بوسعه دائما وبسعادة غامرة أن يمضي الليلة بأكملها من دون أن يذوق طعم النوم. وكان يسعده كثيرا أن يمزح معهم، وأن يقص عليهم القصص التي صادفها في ترحاله ومن ثم، بالمقابل، أن يستمع إلى قصصهم؛ كان مستعدا لفعل كل شيء لمجرد إبقائهم مستيقظين، كي يريهم مرارا وتكرارا بأن ليس لديه ما يأكله في  قفصه وبأنه صائم بطريقة لن يقدر عليها أي منهم.

لكن فرحته كانت أكبر في الصباح عند تقديم وجبة الفطور الشهية إلى الضيوف على نفقته الخاصة، حيث كانوا يقبلون من جانبهم على تناول الطعام بشهية الرجال الاصحاء بعد ليلة عمل شاقة لم ترّ فيها جفونهم النوم. والحقيقة، فقد ظل هناك أناس ممن تمادوا في شكوكهم، وأرادوا أن يروا في وجبة الفطور هذه وسيلة غير منصفة للتأثير على المراقبين. وإذا ما سئلوا إن كانوا راغبين بالقيام بمهمة المراقبة الليلية لغرض المراقبة فحسب، أي من دون تناول وجبة الفطور، تراهم يعتذرون عن القبول. غير أنهم لن يتخلوا أبدا عن شكوكهم؛ لكن هذه الشكوك كانت على العموم جزءا لا يتجزأ من عملية الصيام. في الواقع، لم يكن بوسع أي شخص أن يمضي الوقت في مراقبة فنان الجوع يوميا، ليل نهار، وعليه لم يكن بوسع أي شخص أن يعرف، استنادا إلى ملاحظاته الشخصية، إن كان الصيام متواصلا بحق ومن دون أي انقطاع. لقد كان فنان الجوع، شخصيا، الرجل الوحيد القادر على الاحاطة بالحقيقة، وكان، في الوقت نفسه، المتفرج الوحيد القادر على أن يكون راضيا تمام الرضى عن صيامه. غير أن عدم قدرته على بلوغ الرضا التام عن صيامه كانت مسألة مختلفة تماما. وقد لا يكون الصيام على الاطلاق السبب في الهزال الشديد الظاهر عليه إلى الحد الذي اضطر الكثير من الناس، بكل أسف، إلى التخلي عن مشاهدة عروضه لانه لم يعد بوسعهم تحمل النظر إليه. ويرجع سبب تحول فنان الجوع إلى شكل أشبه بالهيكل العظمي إلى عدم رضاه عن نفسه أيضا، لأنه وحده يدرك أمرا حتى المبتدئين لا يعرفونه وهو أنه كان قادرا على الصيام بكل سهولة، بل كان الصيام أسهل شيء في العالم بالنسبة إليه. ولم يكن فنان الجوع ليخفي هذه الحقيقة، لكن الناس لم يصدقوه؛ وظن معظمهم أن فنان الجوع، وفي أفضل الأحوال، كان يصطنع التواضع. بيدّ أن أغلبهم اعتقدوا أيضا أنه كان يبحث عن الشهرة أو أنه محتال كبير، ممن كان الصيام يسيرا عليه في جميع الأحوال، لأنه عرف كيف يجعل منه أمرا يسيرا، وامتلك ما يكفي من الجرأة ليعترف بنصف الحقيقة. وكان على فنان الجوع أن يقبل بكل هذا، وأن يتكيف مع هذا الحال على مر السنين. غير أن مشاعر عدم الرضا هذه ظلت تنخر جسده طيلة الوقت، ورغم ذلك لم يغادر القفص إطلاقا بمحض ارادته بعد انتهاء أي من فترات الصيام – وهذا أمر يجب على المرء أن يعترف بأنه يحسب لفنان الجوع.

من جانبه، كان متعهد العروض قد وضع مدة زمنية قصوى للصيام أمدها أربعين يوما- ولن يسمح على الاطلاق لفترة الصيام تلك بأن تتجاوز المدة المقررة، حتى لو كان ذلك خلال العروض التي تقام في المدن الكبرى. في الواقع، كان لديه سبب وجيه؛ فقد اثبتت التجربة بأن المرء يستطيع في نحو أربعين يوما أن يستحوذ باضطراد على اهتمام المدينة عبر زيادة تدريجية في حجم الدعاية، لكن بعد ذلك التاريخ تدير الناس ظهورها- وبوسع المرء بعد ذلك أن يرى انخفاضا كبيرا في حجم الاقبال. في هذا الصدد، كانت هنالك، بطبيعة الحال، فروقات طفيفة بين المدن والبلدان المختلفة، ولكن كقاعدة عامة ، كانت فترة الأربعين يوما أقصى فترة ممكنة للصيام، وهو تقدير صائب.  وهكذا فُتح في اليوم الأربعين باب القفص- الذي كان مغطى بالورود- حيث غصت مدارج المسرح بجمهور متحمس، وعزفت فرقة موسيقى عسكرية، كما دخل طبيبان إلى القفص بغية اجراء الفحوصات اللازمة على فنان الجوع، وتم اعلان النتائج على المسرح عبر مكبر الصوت. وأخيرا، وصلت فتاتان كانتا سعيدتين لانتقائهما من بين العدد الكبير من الحضور، إذ أخذتا بيد فنان الجوع لخطوتين خارج القفص، حيث وُضعت وجبة طعام أعدت بعناية من قبل المستشفى على طاولة صغيرة. وفي تلك اللحظات، غالبا ما كان فنان الجوع يرفض المغادرة. ورغم ذلك، فقد مدّ ذراعيه الهزيلتين بكامل ارادته لتتلقفهما أذرع الشابتين الممتدة واللتين انحنتا عليه، ولكنه لم يرغب بالوقوف على قدميه. لماذا التوقف الآن بعد أربعين يوماً؟ كان بوسعه أن يمضي لفترة أطول، لفترة غير محددة من الزمن. لماذا التوقف الآن، وهو في أفضل حال، بل انه لم يصل بعد إلى أفضل حالات صيامه؟ لماذا أراد الناس أن يسلبوه شهرة الصيام لفترة أطول، ليس لمجرد أنه يمكن أن يصبح أعظم فنان جوع في جميع الأوقات، وهو الأمر الذي ربما كان قد حققه بالفعل، لكن كان بوسعه أيضا أن يتفوق على نفسه على نحو لا يمكن تخيله، لانه شعر بأن لا حدود لقدرته على الصيام. لماذا لا تمتلك هذه الحشود التي تزعم أنها معجبة به أيما إعجاب إلا القليل من الصبر؟ لو كان قد واصل المضي قُدماً واستمر بالصيام لفترة أطول.. لماذا لم يكن بمقدورهم أن يتحملوا ذلك؟ حينها، أيضا، كان متعبا وشعر بالراحة لدى جلوسه فوق القش. والآن يفترض به أن يقف على قدميه بكامل طوله وأن يذهب لتناول الطعام، وهو أمر، حالما يتخيله يشعر بالغثيان على الفور. بيدّ أنه كظم بصعوبة بالغة كل هذا ولم يبح به تقديرا منه لهاتين الشابتين. ورفع بصره صوب عيونهما، التي بدت بمنتهى الود لكنها في الواقع كانت قاسية، وهز رأسه الذي ازداد ثقلا فوق رقبته الواهنة.

حقيقة فنان

لكن حدث بعد ذلك ما كان يحدث دائما. جاء بعد ذلك المتعهد ورفع ذراعيه فوق فنان الجوع بصمت كامل- فصوت الموسيقى جعل الكلام مستحيلا-  وكأنه يدعو السماء للنظر إلى صنيعتها هنا فوق هذا القش، هذا الشهيد البائس، الأمر الذي عبر تماما عن حقيقة فنان الجوع، ولكن في سياق مختلف تماما، ثم أمسك بفنان الجوع من خصره، حيث كان في تلك الاثناء يسعى بحذر متكلف لجعل الناس تصدق بأنه كان يتعامل مع شيءٍ ما هش، ثم مضى به نحو الشابتين اللتين تغيرت سحنة وجهيهما لتصبح شاحبة – ولكن ليس قبل أن يهز جسد الفنان بعض الشيء دون أن يرى الآخرون، حتى بدأت ساقا الفنان والجزء العلوي من جسده تهتز يمينا وشمالا من دون إرادته. في تلك الاثناء، بدا فنان الجوع أنه قد تجرع كل معاناة الدنيا. انخمد رأسه فوق صدره – وبدا ذلك الرأس وكأنه قد تدحرج حتى توقف هناك لسبب لا يمكن تفسيره- وكان جسده قد استعاد استقامته، وضغطت ساقاه على ركبتيه، في رد تلقائي نابع من الرغبة في الحفاظ على النفس، إلا أنهما بالكاد لامستا الأرض، وكأنهما لم تكونا على الأرض، بل كانتا تبحثان عن الارض الحقيقية. ومالّ جسده بكل ثقله، رغم اعتراف الجميع بأن جسده كان هزيلا جدا، على واحدة من الشابتين، التي طلبت العون بأنفاس متهدجة، لأنها لم تكن لتتخيل مركز الشرف الذي حظيت به سيكون على هذا النحو، ثم قامت بعد ذلك بمد رقبتها إلى أبعد حد ممكن لكي تشيح بوجهها بعيدا عن أدنى إمكانية لملامسة فنان الجوع. ولكن بعد حين، وعندما لم تتمكن من السيطرة على كل هذه الاحداث ولم تأت صديقتها الأوفر حظاً لمساعدتها، أخذت ترتعد واكتفت بمسك يد فنان الجوع الواقف أمامها، تلك اليد التي كانت عبارة عن مجموعة من المفاصل الصغيرة، حتى انفجرت بالبكاء، وسط بهجة وضحك من كان في القاعة، مما دعا إلى اعفائها من المهمة من جانب أحد المرافقين الذي كان واقفا في طابور الانتظار لبعض الوقت. ثم جاءت بعد ذلك وجبة الطعام، ليضع المتعهد قليلا منها في فم فنان الجوع، الذي بدا نصف فاقد للوعي، وكأنه مغمى عليه،  وراح يثرثر بطريقة تبعث على البهجة في نفوس الجمهور بهدف صرف الانتباه عن حالة الفنان؛ ثم دعا الحضور بعد ذلك إلى تناول نخب من الشراب، وهو ما كان فنان الجوع- افتراضا- قد همس به في أذن المتعهد، وأكدت فرقة الاوركسترا كل شيء بصخب كبير،  فتفرق الحضور، ولم يكن من حق أي شخص أن يكون غير راضٍ عن الحدث، أي شخص عدا فنان الجوع- فقد كان دائما الشخص الوحيد.

وهكذا عاش فنان الجوع لسنوات طويلة حظيت باحترام العالم، ويبدو أنها كانت تحت هالة من الأضواء، تخللها قسط من الراحة تمتع به الفنان بشكل منتظم، ولكن المزاج كان رغم كل ذلك كئيبا على الدوام، وراح يزداد  كآبة في جميع الأوقات، لأن أحدا لم يتمكن من أخذه على محمل الجد. ولكن كيف كان له أن يجد العزاء في كل هذا؟ وماذا تبقى له أن يتمناه؟ وإذا ما أراد أي رجل طيب القلب، شعر بالأسف حياله، أن يٌبيّن له بأن حزنه قد يرجع إلى صيامه، فقد يحدث أن يرد فنان الجوع بثورة من الغضب ويبدأ بهز القضبان كالوحش، باعثا الخوف في قلوب الجميع. بيدّ أن المتعهد امتلك طريقة لعقاب مثل تلك اللحظات، وهي الطريقة التي كان سعيدا لاستخدامها؛ إذ يقوم المتعهد حينها بالاعتذار للجمهور عما صدر عن فنان الجوع، موضحا بأن حالة الغضب تلك لم يفجرها سوى الصيام، وهو أمر سهل الادراك لمن شبعت بطونهم، وكفيل بتبرير سلوك فنان الجوع من دون الحاجة إلى مزيد من الايضاحات.  ومن هنا سيمضي المتعهد إلى الحديث عن الادعاء الذي سيكون من الصعب تفسيره أيضا بشأن قدرة فنان الجوع على الصيام لفترة أطول من الفترة التي كان يمضيها عمليا. وسيثني على الكفاح النبيل، والنوايا الطيبة، ونكران الذات الكبير الذي انطوى عليه الادعاء من دون أدنى شك، غير أنه سيحاول بعد ذلك، وبكل بساطة، أن يناقض كلامه عندما يبدأ بعرض صور فوتوغرافية، والتي كانت هي الاخرى معروضة للبيع، إذ كان بوسع المرء أن يرى فنان الجوع فيها في اليوم الأربعين من صيامه طريح الفراش، يكاد أن يموت من فرط الاعياء. وعلى الرغم من أن فنان الجوع كان قد اعتاد كثيرا على هذا التشويه للحقائق، فقد ساهم عرض تلك الصور في إثارة اعصابه مرة أخرى وكانت سببا في تحميله ما لا طاقة له على تحمله. وأضحت نتيجة النهاية المبكرة للصيام اعتقاد الناس أن الغضب الذي اعتراه كان بسبب الصيام نفسه! وكان من المستحيل محاربة قلة الادراك هذه، مقابل عالم من سوء الفهم. وبكل حسن نية، دأب فنان الجوع على الاستماع بشغف إلى المتعهد من خلف قضبان قفصه، ولكن في كل مرة، تم فيها عرض الصور الفوتوغرافية تلك، تراه يترك القضبان، ليغرق إلى الوراء وسط القش، مطلقا حسرة من أعماقه، وكان بوسع جمهور مطمئن أن يأتي مجددا لمشاهدته.  وبعد مضي بضع سنوات، عندما استذكر أولئك الذين شاهدوا هذه العروض تلك المشاهد مرة أخرى، كانوا في الأغلب غير قادرين على فهم أنفسهم، لأنه في غضون ذلك، كان التغيير المشار إليه آنفا في اهتمامات الجمهور قد ابتدأ: وبدا وكأن التغيير قد حدث بين ليلة وضحاها. وربما كان هناك مزيد من الأسباب العميقة لهذا التغيير، ولكن من كان ليهتم بمعرفة حقيقتها؟ على أي حال، وجد فنان الجوع المدلل نفسه في يوم من الأيام مهجوراً من جانب الجمهور المتطلع للمتعة، ذلك الجمهور الذي فضّل الذهاب إلى مصادر اللهو الأخرى. وراح المتعهد يجوب نصف أوروبا مرة أخرى مصطحبا معه فنان الجوع، ليرى إن كان بوسعه أن يعيد اكتشاف الشغف القديم هنا أو هناك، لكن الجولة لم تكن مجدية. لقد حدث وكأن اتفاقا سريا قد نشأ ضد عروض فن الجوع في كل مكان. بطبيعة الحال، لم يكن من المعقول أن يحدث ذلك فجأة ومن دون سابق إنذار. وقد تذكر الناس بعد ذلك بعض الاشياء التي لم يمنحوها ما يكفي من الانتباه وسط سكرة النجاح تلك، بعض المؤشرات التي قُمعت على نحو غير مناسب، لكن الأوان قد فات الآن لفعل أي شيء لمواجهتها. وبطبيعة الحال، كان من المؤكد أن تعود شعبية الصيام في يوم من الأيام، لكن ذلك لم يكن ليشكل أي عزاء لأولئك الاحياء منهم الآن. فما الذي كان عليه أن يفعله فنان الجوع الآن؟ رجل صفق له آلاف الرجال في وقت من الأوقات، غير أنه لم يعد قادرا على تقديم عرض واحد في اكشاك الاستعراض في أصغر معارض اللهو. ولم يكن فنان الجوع مجرد عجوز بلغ من العمر حداً لن يتمكن معه من تغيير صنعته، لكنه كان قد كرس حياته بكل اخلاص للصيام أكثر من أي شيء آخر في الحياة. وهكذا، ودّع فنان الجوع المتعهد، رفيق الدرب الذي لا نظير له، وراح يعمل لدى سيرك كبير. ولكي يتجنب أية مشاعر حزن، لم يلق فنان الجوع أية نظرة على شروط عقد عمله في السيرك. إن سيركا كبيرا بعدد هائل من رجاله، وحيواناته، وحيله، الذي يشهد دائما حركة رواح ومجيء وتجدد، قادر على استخدام أي شخص في أي وقت كان، حتى فنان الجوع، على أن تكون مطالبه، بطبيعة الحال، معقولة.

علاوة على ذلك، فان العمل في مثل هذه  الحالة الخاصة لا يشمل فنان الجوع وحده، لكنه يشمل ايضا اسمه القديم وشهرته أيضا. والحقيقة، وفي ضوء طبيعة مزايا فنه التي لم تضمحل بفعل تقدمه بالسن، لن يكون بوسع أي شخص أن يزعم أبدا بأن فنانا فقد بريقه، ولم يعد في أوج عطائه، سيرغب بالانزواء إلى ركن مهجور في السيرك، بل على العكس من ذلك، فقد أعلن فنان الجوع أن بوسعه أن يصوم تماما كما فعل في بداية عهده- وهو قول كان بمنتهى المصداقية. وبالفعل، فقد أكد بأن الجمهور إذا ما تركه يفعل ما أراد – وأن وعدا قُطع له بهذا الصدد من دون أي تراجع – فانه سيدهش العالم بحق هذه المرة  كما لم يفعل من قبل في حياته، بيدّ أن هذا التأكيد من جانب الفنان، وفي ضوء تغير المزاج السائد حينئذ، ذلك المزاج الذي غابت حقيقته بكل سهولة عن فنان الجوع في لحظة حماسته تلك، لم يجلب سوى الابتسامات من الخبراء المعنيين بالأمر.

فنان الجوع

ومع ذلك، لم ينسّ فنان الجوع احساسه بما كانت عليه الأمور في واقعها، كما أدرك بشكل بديهي أن الناس لن تنظر إليه وإلى قفصه كنجم يسترعي كل الانتباه وسط حلبة السيرك، لكنهم سينقلونه خارجاً في مكان يكون الوصول إليه يسيرا قرب اسطبلات الحيوانات. وانتشرت حول قفصه لوحات إرشاد هائلة طليت بألوان زاهية أعلنت عما يمكن مشاهدته داخل القفص. وخلال فترات الراحة التي تخللت العرض الرئيسي في السيرك، وعندما انطلق الحضور خارجا لرؤية اقفاص الحيوانات، كان من الصعب عليهم ألاّ يمروا من أمام فنان الجوع وأن يتوقفوا هناك هنيهة. ولربما كانوا سيمكثون أمامه فترة أطول، لكن الجموع التي تدافعت وراء بعضها البعض في ذلك الممر الضيق، ممن لم تفهم سبب هذا التوقف على الطريق المؤدي إلى اقفاص الحيوانات التي أرادوا رؤيتها، جعلت من امكانية القاء نظرة طويلة متروية على فنان الجوع أمرا مستحيلا. وهذا كان أيضا سببا جعل فنان الجوع ينطوي على نفسه مرتجفا خلال ساعات الزيارات تلك، والتي كان الفنان، بطبيعة الحال، يتطلع إليها قدما إذ كانت تشكل الهدف الوحيد لحياته. وفي الأيام الأولى، كان يتحرق شوقا بانتظار فترات الاستراحة التي تتخلل عروض السيرك. وكان يتطلع بكل بهجة إلى الجمهور الذي تدفق من حوله، لكنه سرعان ما اصبح على قناعة، بالاستناد إلى النوايا الواضحة، بأن الغالبية العظمى من هؤلاء المتفرجين، ومن دون أي استثناء، لم تأت إلاّ لزيارة اقفاص الحيوانات، وهي قناعة ما كانت لتغيب عن أكثر الناس عنادا- فضلا عن حقيقة أن خداع الذات لم يكن بوسعه أن يصمد أمام وضوح ما يجري. ومع ذلك، فقد بقي ذلك المشهد من بعيد يمثل احلى لحظات حياته. ولكن مع وصول هذه الحشود إلى قفصه، كان بوسعه أن يسمع على الفور تعنيفا وصراخا متبادلين بين المجاميع الأخرى المتعاقبة بازدياد، بين من يريد الحصول على ما يكفي من الوقت للنظر إلى فنان الجوع، ليس بقصد فهم ما يفعله الفنان بل لمجرد اشباع رغبة التحدي- وهؤلاء هم أكثر إيلاما له- ومجموعة أخرى من المشاهدين كان همها الوحيد الذهاب إلى اقفاص الحيوانات.

وحالما كانت حشود الجمهور الكبيرة قد تجاوزته، بدأ مرور المتأخرين من الجمهور، ورغم أنهم لن يجدوا أي شيء يمنعهم من الوقوف أمامه لأي فترة شاءوا، لكنهم مروا من أمامه بخطوات سريعة، ومن دون أن يلتفتوا إليه، كي يصلوا إلى اقفاص الحيوانات في الوقت المحدد. وكان من ضربات الحظ النادرة أن يقف رب عائلة جاء بأطفاله إلى السيرك، ليشير بأصبعه إلى فنان الجوع، ويقدم شرحا مفصلا عما يجري هناك، ويتحدث عن السنوات الخوالي التي شاهد خلالها عروضا  مماثلة لكن لا يمكن أن تقارن بما يجري هنا الآن. حينئذ، وقف الأطفال غير قادرين على فهم ما يجري، لأنهم لم يسمعوا عن هذا الأمر من قبل في مدارسهم أو خارجها. ما الذي يعنيه الصيام بالنسبة اليهم؟ وعلى الرغم من ذلك فإن مع البريق الذي انطلق من عيون هؤلاء الاطفال المتعطشة للمعرفة قد يتكشف أمر جديد ينبئ بعهد أكثر عطاءً. ربما في يوم ما، قال فنان الجوع لنفسه، كل شيء سيتغير قليلا نحو الأفضل. ولو كان موقعه ليس قريبا جدا من اسطبلات الحيوانات، سيكون حينها يسيرا على الناس أن يختاروا. غني عن القول، كان فنان الجوع مستاءً جدا ومكتئبا طيلة الوقت بسبب الرائحة الكريهة المنبعثة من الاسطبلات، وهيجان الحيوانات في الليل، وقطع اللحم النيئة  التي تُجر أمامه لتقدم للوحوش آكلة اللحوم، وزئير وضوضاء الحيوانات أثناء تناول طعامهم في الليل. لكنه لم يجرؤ  على الاتصال بالإدارة بشأن هذه الأمور. وفي جميع الأحوال، كان عليه أن يشكر الحيوانات لجلبها تلك الحشود من الجمهور، هنا وهناك، حيث كان من بينهم من قُدر له أن يأتي لزيارته. ومن يدري أين كانت الادارة ستضعه إن أراد تذكيرها بوجوده، فضلا عن حقيقة، ان موقعه كان بمثابة عقبة تقف في طريق الحشود إلى أقفاص الحيوانات، بالمعني الدقيق للكلمة.

وفي جميع الأحول، إن عقبة صغيرة ليست سوى عقبة زائلة. لقد اعتاد الناس على القبول بفكرة غريبة مفادها أنه في مثل هذه الاوقات سيرغبون بإيلاء الاهتمام بفنان الجوع، ورغم هذا الادراك المعتاد فقد صدر الحكم بحقه. قد يكون بوسعه أن يصوم قدر ما يستطيع- وهذا ما فعله تماما- لكن ما من شيء قادر على انقاذه. لقد مرّ الجمهور من أمامه مباشرة. ولو حاول شرح فن الصيام لأي واحد من هؤلاء! فان لم يستطع أحد منهم أن يشعر به، حينها لن يكون بمقدور أي شخص آخر أن يجعلهم يدركون حقيقة ما يجري. وفي هذه الأثناء، باتت لوحات التعريف قذرة ولم يعد بالامكان قراءتها، بل قام الناس بتمزيقها، ولم يفكر أحد باستبدالها. وبقيت اللوحة التي ترمز إلى عدد الأيام التي أمضاها فنان الجوع صائما على الطاولة دون تغيير لمدة طويلة، بعد أن كانت تُغيّر يوميا بكل عناية ، إذ بعد مضي الأسابيع الأولى شعر العاملون في السيرك بالضجر من القيام بهذه المهمة التافهة. وهكذا واصل فنان الجوع الصيام من دون توقف، تماما كما كان قد حلم بذلك يوما من الايام، ولم يجد أية صعوبة تحول دون نجاحه في تحقيق ما كان قد توقعه من قبل، لكن لم يكن هناك أي شخص يتولى حساب الأيام- لم يكن هناك أي شخص، حتى فنان الجوع نفسه، لم يعرف كم كانت انجازاته عظيمة في أي يوم من تلك الايام، حتى بات قلبه مثقلا. وإذا ما حدث بين الفينة والأخرى أن مرّ شخص وتوقف أمامه ليسخر من الأرقام القديمة متحدثا عن احتيال، فقد كانت بالواقع أغبى كذبة يمكن ان تبتكرها اللامبالاة وطبيعة الكيد الفطرية لدى الانسان، لان فنان الجوع لم يكن مخادعا- كان يعمل بكل صدق- لكن الحياة سرقت منه أجره.

وهكذا توالت الايام، وهذه بدورها وصلت هي الأخرى إلى نهاياتها.

قش عفن

أخيرا، استرعى القفص انتباه احد المشرفين، الذي استفسر من أحد العمال عن سبب تركهم ذلك القفص المفيد من دون استخدام وفي داخله ذاك القش العفن. ولم يكن بوسع أي شخص معرفة سبب ترك القفص حتى تذكّر أحدهم بمساعدة الطاولة التي وضعت فوقها لوحة ترقيم عدد الأيام، بأن فنان الجوع يقبع في القفص، إذ دفعوا بالقش جانبا بمقشة ليجدوا فنان الجوع هناك. سأل المشرف: “ألا تزال صائماً؟.. متى ستتوقف عن الصيام أخيرا؟”. همس فنان الجوع: “سامحني عن كل شيء”. لم يفهم ما قاله فنان الجوع سوى المشرف الذي وضع أذنه قريبا من القفص. أجاب المشرف: “بالتأكيد.. إننا نسامحك”، ضاربا على جبهته بأصبعه كي يشير إلى الحضور بأن فنان الجوع كان هناك داخل القفص. قال فنان الجوع: “لقد أردتك دوما أن تُعجب بصيامي”. أجاب المشرف: “لكننا معجبون به”. قال فنان الجوع: “ولكن ما كان عليك أن تعجب بصيامي”. “، ردّ المشرف: “إذن، نحن غير معجبين به”، ولكنه عاد ليسأل “لكن لماذا علينا ألا ّ نُعجب بصيامك؟”. أجاب فنان الجوع: “لأنه كان عليّ أن أصوم. ليس بوسعي أن أقوم بأي شيء آخر”. قال المشرف: “أنظر إلى نفسك فقط.. لماذا لا تستطيع أن تفعل أي شيء آخر؟”. أجاب فنان الجوع: “لأنه”، ثم رفع رأسه قليلا وهمس بشفتيه بعد أن تكورت وكأنه يحاول تقبيل شخص ما موجها الحديث إلى أذن المشرف حتى لا يفقد أي كلمة من حديثه: “لأنني لم أجد الطعام الذي يمتعني. ولو كنت قد وجدت ذلك الطعام، صدقني، لما جعلت من نفسي مشهدا مسرحيا ولكنت أكلت من كل قلبي، مثلك ومثل الآخرين”. كانت تلكم كلماته الأخيرة، ولكن في عينيه المنخذلتين اللتين لن تجد فيهما أي كبرياء، كانت هناك تلك القناعة الراسخة بأنه كان مستمرا بالصيام. قال المشرف: “حسنا.. نظفوا هذا المكان الآن ورتبوه”. وقاموا بدفن فنان الجوع جنبا إلى جنب مع القش، ووضعوا في قفصه نمرا يافعا. وكان من الواضح، حتى لأكثر الناس بلادة، أن منظر هذا الحيوان المفترس ممتعا وهو يتجول داخل القفص، الذي بقي كئيبا لفترة طويلة. لم يعد القفص ينقصه أي شيء. ومن دون أن يفكروا طويلا بالامر، جلب الحراس الطعام للحيوان. لقد استمتع النمر بالطعام وبدا وكأنه لم يفتقد حريته على الاطلاق. كان هذا الجسد النبيل مزودا بكل ما هو ضروري، إلى حد الانفجار تقريبا، وقد بدا وكأنه يحمل الحرية أيضا بين ثناياه. ويبدو أن تلك الحرية كانت في موضع ما في أنيابه، حيث تدفقت سعادته بالحياة باندفاع هائل نابع من اعماق حنجرته إلى حد لم يعد يسهل معه على المشاهدين مواصلة العرض. غير أنهم سيطروا على أنفسهم، وواصلوا التدافع نحو القفص، ولم يكونوا راغبين بالمغادرة.