فنادق الطين مقصد سياحي في قرية عمانية

684

مسفاة‭ ‬العبريين‭ (‬سلطنة‭ ‬عمان‭)-(‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬نجح‭ ‬سكان‭ ‬قرية‭ ‬مسفاة‭ ‬العبريين‭ ‬العمانية‭ ‬في‭ ‬جعلها‭ ‬مقصدا‭ ‬سياحياً‭ ‬إثر‭ ‬تحويل‭ ‬المنازل‭ ‬القديمة‭ ‬والتقليدية‭ ‬المصنوعة‭ ‬من‭ ‬الطين‭ ‬إلى‭ ‬فنادق‭ ‬صغيرة‭ ‬استقطبت‭ ‬آلاف‭ ‬الزوار‭ ‬إلى‭ ‬منطقة‭ ‬تشتهر‭ ‬بمسارات‭ ‬المشي‭ ‬الجبلي‭ ‬وقصص‭ ‬الجن‭. ‬وقبل‭ ‬ست‭ ‬سنوات،‭ ‬فتحت‭ ‬القرية‭ ‬التي‭ ‬يبلغ‭ ‬عدد‭ ‬سكانها‭ ‬800‭ ‬نسمة‭ ‬وتقع‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬ذات‭ ‬طبيعة‭ ‬أشبه‭ ‬بأخدود‭ ‬غراند‭ ‬كانيون‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬حاراتها‭ ‬الضيقة‭ ‬للأجانب‭ ‬والسكان‭ ‬المحليين‭ ‬الباحثين‭ ‬عن‭ ‬المغامرة‭ ‬في‭ ‬الصحارى‭ ‬والزوايا‭ ‬الخضراء‭ ‬في‭ ‬السلطنة‭ ‬الخليجية‭. ‬ويروي‭ ‬يعقوب‭ ‬العبري‭ ‬أنّ‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬بدأ‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2010‭ ‬عندما‭ ‬اقترح‭ ‬عمه‭ ‬على‭ ‬العائلة‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬استخدام‭ ‬المنازل‭ ‬الطينية‭ ‬بعد‭ ‬إهمالها‭ ‬لسنوات‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬القديمة‭ ‬من‭ ‬القرية،‭ ‬إنّما‭ ‬بغرض‭ ‬الضيافة‭. ‬وكان‭ ‬أصحاب‭ ‬هذه‭ ‬المنازل‭ ‬التي‭ ‬يعود‭ ‬تاريخ‭ ‬بناؤها‭ ‬إلى‭ ‬قرون‭ ‬مضت‭ ‬قد‭ ‬هجروها‭ ‬خوفا‭ ‬من‭ ‬انهيارها،‭ ‬وانتقلوا‭ ‬للعيش‭ ‬في‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر‭ ‬من‭ ‬القرية‭ ‬حيث‭ ‬بنوا‭ ‬مساكن‭ ‬جديدة‭. ‬ويقزا‭ ‬العبري‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬إنّ‭ ‬فكرة‭ ‬عمّه‭ ‬كانت‭ ‬الجمع‭ “‬بين‭ ‬حياة‭ ‬طبيعية‭ ‬بسيطة‭ ‬لا‭ ‬يمسها‭ ‬الصخب‭ ‬وهي‭ ‬الحياة‭ ‬المأخوذة‭ ‬من‭ ‬حياة‭ ‬العماني‭ ‬القديم،‭ ‬لكن‭ ‬مع‭ ‬إضافة‭ ‬لمسة‭ ‬حضارية‭ ‬توفر‭ ‬الراحة‭ ‬والسلامة‭ ‬والحياة‭ ‬السهلة‭”.‬

وبدأت‭ ‬حينها‭ ‬بلورة‭ ‬فكرة‭ ‬تحويل‭ ‬المنازل‭ ‬ذات‭ ‬الجدران‭ ‬البنية‭ ‬المصنوعة‭ ‬من‭ ‬الطين‭ ‬والطوب،‭ ‬إلى‭ ‬نزل‭ ‬بسيطة‭ ‬وأنيقة‭ ‬مفروشة‭ ‬بالخشب‭ ‬والمنسوجات‭ ‬التقليدية‭.‬

وبعد‭ ‬خمس‭ ‬سنوات،‭ ‬أنشئ‭ ‬أول‭ ‬فندق‭ “‬بوتيك‭” ‬للعائلة‭ ‬وتشغيله،‭ ‬مما‭ ‬ألهم‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الجيران‭ ‬والقرى‭ ‬الأخرى‭ ‬في‭ ‬أجزاء‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬السلطنة‭ ‬فساروا‭ ‬على‭ ‬النهج‭ ‬ذاته‭ ‬محولين‭ ‬منازلهم‭ ‬إلى‭ ‬أماكن‭ ‬ضيافة‭. ‬ويوضح‭ ‬العبري‭ “‬بدأنا‭ ‬بخمس‭ ‬غرف‭ ‬فقط‭ (..) ‬ثم‭ ‬زدنا‭ ‬عدد‭ ‬الغرف‭ ‬واشترينا‭ ‬بيوتا‭ ‬قديمة‭ ‬أخرى‭ ‬حتى‭ ‬وصلنا‭ ‬الآن‭ ‬إلى‭ ‬15‭ ‬غرفة‭ ‬ولدينا‭ ‬مخطط‭ ‬للاستمرار‭ ‬في‭ ‬التوسع‭ ‬حتى‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬50‭ ‬غرفة‭”.‬

حتى‭ ‬قبل‭ ‬عملية‭ ‬تحويل‭ ‬المنازل،‭ ‬كانت‭ ‬قرية‭ ‬مسفاة‭ ‬العبريين‭ ‬الواقعة‭ ‬على‭ ‬بعد‭ ‬نحو‭ ‬ثلاث‭ ‬ساعات‭ ‬بالسيارة‭ ‬من‭ ‬العاصمة‭ ‬مسقط،‭ ‬تمتلك‭ ‬عناصر‭ ‬الجذب‭ ‬السياحي‭. ‬فالقرية‭ ‬الممتدة‭ ‬على‭ ‬قمة‭ ‬جبل‭ ‬بارتفاع‭ ‬يزيد‭ ‬عن‭ ‬ألف‭ ‬متر‭ ‬عن‭ ‬سطح‭ ‬البحر،‭ ‬هي‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬مجموعة‭ ‬منازل‭ ‬تقليدية‭ ‬متناثرة‭ ‬في‭ ‬عشرات‭ ‬الأزقة‭ ‬الصغيرة‭ ‬المطلة‭ ‬على‭ ‬الأراضي‭ ‬المزروعة‭ ‬بأشجار‭ ‬الليمون‭ ‬والموز‭ ‬والحمضيات‭ ‬والنخيل‭.‬

وهي‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬منطقة‭ ‬تُلقب‭ “‬غراند‭ ‬كانيون‭ ‬عمان‭” ‬وغالبا‭ ‬ما‭ ‬يزورها‭ ‬السياح‭ ‬للتنزه‭ ‬في‭ ‬جبالها‭ ‬الصخرية‭ ‬والوديان‭ ‬واستكشاف‭ ‬طرق‭ ‬العيش‭ ‬القديمة‭ ‬للسكان‭ ‬المحليين‭.‬

لكن‭ ‬المنطقة‭ ‬تشتهر‭ ‬أيضا‭ ‬بقصص‭ ‬الجن‭ ‬المتوارثة‭ ‬منذ‭ ‬قرون‭ ‬والتي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تُروى‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬واسع‭ ‬في‭ ‬القرى‭ ‬المشابهة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬أنحاء‭ ‬البلاد‭.‬

ويقول‭ ‬العبري‭ ‬مرتديا‭ ‬دشداشة‭ ‬بيضاء‭ ‬وعمامة‭ ‬تقليدية‭ ‬ملونة‭ ‬إن‭ ‬الإقامة‭ ‬في‭ ‬قريته‭ “‬أشبه‭ ‬برحلة‭ ‬إنسانية‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الطمأنينة‭ ‬والسلام‭ ‬النفسي‭ ‬وغسل‭ ‬الروح‭ ‬من‭ ‬صخب‭ ‬وحياة‭ ‬المدنية‭ ‬المليئة‭ ‬بالضجيج‭ ‬والزحام‭”.‬

ويتابع‭ “‬حتى‭ ‬المأكولات‭ ‬التي‭ ‬توفر‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬النزل‭ ‬تُجهز‭ ‬في‭ ‬بيوت‭ ‬عمانية‭ ‬من‭ ‬أهالي‭ ‬القرية‭”.‬

ووفقًا‭ ‬لمالك‭ ‬الفندق،‭ ‬فقد‭ ‬نزل‭ ‬5500‭ ‬سائح‭ ‬من‭ ‬ألمانيا‭ ‬وفرنسا‭ ‬والخليج‭ ‬ومناطق‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬منزله‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2019،‭ ‬بمعدل‭ ‬إشغال‭ ‬سنوي‭ ‬بلغ‭ ‬90‭ ‬بالمئة،‭ ‬مقارنة‭ ‬بـ800‭ ‬فقط‭ ‬خلال‭ ‬العام‭ ‬الأول‭ ‬في‭ ‬2015‭.‬

وتتراوح‭ ‬أسعار‭ ‬الغرف‭ ‬وبحسب‭ ‬الموسم‭ ‬والحجم‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬90‭ ‬و180‭ ‬دولارا‭.‬

‭- ‬طوق‭ ‬نجاة‭ -‬

وتحاول‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬يبلغ‭ ‬عدد‭ ‬سكانها‭ ‬خمسة‭ ‬ملايين‭ ‬نسمة‭ ‬تنويع‭ ‬اقتصادها‭ ‬المعتمد‭ ‬على‭ ‬النفط‭ ‬منذ‭ ‬هبوط‭ ‬أسعار‭ ‬الخام‭ ‬قبل‭ ‬سبع‭ ‬سنوات‭.‬

ولطالما‭ ‬كانت‭ ‬السياحة‭ ‬بمثابة‭ ‬شريان‭ ‬حياة‭ ‬بديل‭ ‬في‭ ‬السلطنة‭ ‬الخليجية‭ ‬التي‭ ‬تتمتع‭ ‬بتراث‭ ‬غني‭ ‬وسواحل‭ ‬تمتد‭ ‬على‭ ‬آلاف‭ ‬الكيلومترات‭ ‬وجغرافيا‭ ‬جبلية‭ ‬فريدة‭ ‬من‭ ‬نوعها‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

ويُنظر‭ ‬إلى‭ ‬جهود‭ ‬تنشيط‭ ‬السياحة‭ ‬أخيراً‭ ‬على‭ ‬أنّها‭ ‬طوق‭ ‬نجاة‭ ‬لاقتصاد‭ ‬ضُرب‭ ‬بشدّة‭ ‬جرّاء‭ ‬انهيار‭ ‬أسعار‭ ‬الخام‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭ ‬والاغلاقات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بفيروس‭ ‬كورونا‭ ‬في‭ ‬عمان‭ ‬والبلدان‭ ‬المجاورة‭.‬

وزار‭ ‬حوالي‭ ‬3‭,‬5‭ ‬ملايين‭ ‬سائح‭ ‬عمان‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2019،‭ ‬لكن‭ ‬السلطنة‭ ‬تخطط‭ ‬لجذب‭ ‬11‭ ‬مليونا‭ ‬بحلول‭ ‬عام‭ ‬2040‭.‬

في‭ ‬مسفاة‭ ‬العبريين،‭ ‬أوجد‭ ‬تحويل‭ ‬ستة‭ ‬منازل‭ ‬طينية‭ ‬إلى‭ ‬فنادق‭ ‬فرص‭ ‬عمل‭ ‬إضافية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المشاريع‭ ‬الهادفة‭ ‬للترفيه‭ ‬عن‭ ‬الزوار،‭ ‬مثل‭ ‬إنشاء‭ ‬مسارات‭ ‬جديدة‭ ‬للمشي‭ ‬لمسافات‭ ‬طويلة‭ ‬ورحلات‭ ‬تسلق‭ ‬الجبال،‭ ‬وفقا‭ ‬لعبد‭ ‬الله‭ ‬العبري‭ ‬الذي‭ ‬يمتلك‭ ‬أحد‭ ‬الفنادق‭.‬

وفي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬شل‭ ‬فيه‭ ‬الفيروس‭ ‬السياحة‭ ‬الدولية،‭ ‬كان‭ ‬أصحاب‭ ‬الفنادق‭ ‬في‭ ‬مسفاة‭ ‬العبريين‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المناطق‭ ‬يعتمدون‭ ‬بشكل‭ ‬رئيسي‭ ‬على‭ ‬السياحة‭ ‬المحلية‭.‬

وبالنسبة‭ ‬للأخصائية‭ ‬النفسية‭ ‬الهولندية‭ ‬رينودا‭ ‬التي‭ ‬تعمل‭ ‬في‭ ‬مسقط،‭ ‬فإن‭ ‬القرية‭ ‬أصبحت‭ ‬ملاذا‭.‬

وهي‭ ‬تقول‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ “‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬العاشرة‭ ‬ربما‭ ‬التي‭ ‬أزور‭ ‬فيها‭ ‬هذا‭ ‬الفندق‭ ‬خلال‭ ‬نحو‭ ‬عام‭”‬،‭ ‬مضيفة‭ “‬هذا‭ ‬ما‭ ‬نحتاج‭ ‬إليه‭ ‬الآن‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬أجواء‭” ‬التطورات‭ ‬العالمية‭.‬

وتتابع‭ “‬لذلك‭ ‬أكاد‭ ‬أزورها‭ ‬شهريا‭ ‬لليلة‭ ‬أو‭ ‬ليلتين‭ ‬لأني‭ ‬أشعر‭ ‬فيها‭ ‬بالهدوء‭ ‬والاستجمام‭ ‬والراحة‭”.‬

مشاركة