فلم رياضيات معتق – علي السوداني

469

مكاتيب عراقية

وقعَت‭ ‬هذه‭ ‬الواقعة‭ ‬في‭ ‬باب‭ ‬سنة‭ ‬الرمادة‭ ‬والحرب‭ ‬الأكول‭ ‬ألف‭ ‬وثمانمئة‭ ‬واثنان‭ ‬وثمانون‭ ‬،‭ ‬بمعهد‭ ‬النفط‭ ‬ببغداد‭ ‬العزيزة‭ ‬،‭ ‬وعلى‭ ‬مبعدة‭ ‬شهقة‭ ‬من‭ ‬صفصاف‭ ‬العاشقين‭ ‬وملاذ‭ ‬الكالبتوس‭ ‬الأمين‭ .‬

وزّعت‭ ‬الأستاذة‭ ‬الجميلة‭ ‬إيمان‭ ‬،‭ ‬أسئلة‭ ‬الرياضيات‭ ‬على‭ ‬الطلبة‭ ‬النجب‭ ‬،‭ ‬وكنت‭ ‬أكثرهم‭ ‬كسلاً‭ ‬وتخلّفا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الدرس‭ ‬الرهيب‭ ‬،‭ ‬الذي‭ ‬كنت‭ ‬سيئاً‭ ‬فيه‭ ‬حدّ‭ ‬أنني‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬أحصل‭ ‬على‭ ‬درجات‭ ‬قياسية‭ ‬،‭ ‬منها‭ ‬صفر‭ ‬من‭ ‬مائة‭ ‬مثلاً‭ . ‬

لم‭ ‬أستطع‭ ‬فكّ‭ ‬أيّ‭ ‬لغز‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الورقة‭ ‬اللعينة‭ ‬،‭ ‬حتى‭ ‬عندما‭ ‬لجأتُ‭ ‬الى‭ ‬صديقي‭ ‬نصر‭ ‬عادل‭ ‬الجالس‭ ‬على‭ ‬تخت‭ ‬اليمين‭ ‬،‭ ‬وصفوت‭ ‬فاهم‭ ‬كامل‭ ‬النابت‭ ‬على‭ ‬التخت‭ ‬الشمالي‭ .‬

كانت‭ ‬المدرّسة‭ ‬ذات‭ ‬الوجه‭ ‬الذي‭ ‬سرقَ‭ ‬صورة‭ ‬البدر‭ ‬،‭ ‬قد‭ ‬حدستْ‭ ‬وعرفت‭ ‬نواياي‭ ‬المبيتة‭ ‬في‭ ‬الغشّ‭ ‬ونقل‭ ‬ما‭ ‬تيسر‭ ‬من‭ ‬إجابات‭ ‬صحيحة‭ ‬أو‭ ‬تكاد‭ ‬تكون‭ ‬كذلك‭ ‬،‭ ‬من‭ ‬أصدقائي‭ ‬ومما‭ ‬تبقى‭ ‬في‭ ‬رأسي‭ ‬،‭ ‬من‭ ‬علمٍ‭ ‬أخذته‭ ‬ودرسته‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬الأستاذ‭ ‬حاتم‭ ‬عبد‭ ‬الكريم‭ ‬،‭ ‬بإعدادية‭ ‬النضال‭ ‬بمنطقة‭ ‬السنك‭ ‬،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬أشبه‭ ‬بسجن‭ ‬مربّع‭ ‬إنْ‭ ‬دخلْتَهُ‭ ‬فلن‭ ‬تهرب‭ ‬منه‭ ‬،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬امتلكتَ‭ ‬مهارات‭ ‬وحيَل‭ ‬آل‭ ‬باتشينو‭ ‬وروبرت‭ ‬دي‭ ‬نيرو‭ ‬وقبعة‭ ‬ايست‭ ‬وود‭ .‬

الوقت‭ ‬يجري‭ ‬وأنا‭ ‬ما‭ ‬زلتُ‭ ‬أضرب‭ ‬الصفنة‭ ‬بالصفنة‭ ‬والأخماس‭ ‬بالأسداس‭ ‬،‭ ‬لكن‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬جدوى‭ ‬أو‭ ‬برقية‭ ‬أمل‭ ‬ممكنة‭ ‬،‭ ‬حتى‭ ‬هبطت‭ ‬عليَّ‭ ‬من‭ ‬السماء‭ ‬،‭ ‬تلك‭ ‬الفكرة‭ ‬العبقرية‭ ‬الرائعة‭ . ‬حدبتُ‭ ‬ظهري‭ ‬ورحتُ‭ ‬أكتب‭ ‬ما‭ ‬رأيته‭ ‬يشبه‭ ‬قصيدة‭ ‬غزل‭ ‬وحب‭ ‬بحق‭ ‬معلّمتي‭ ‬،‭ ‬وقد‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬تماماً‭ ‬،‭ ‬فقمت‭ ‬مثل‭ ‬طاووس‭ ‬وسلمت‭ ‬الورقة‭ ‬لإيمان‭ ‬المذهلة‭ ‬،‭ ‬ومنحتُ‭ ‬الصف‭ ‬والربع‭ ‬ظهري‭ ‬،‭ ‬الذي‭ ‬استعاد‭ ‬استقامته‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬بتمامها‭ .‬

في‭ ‬اليوم‭ ‬التالي‭ ‬،‭ ‬تمّ‭ ‬استدعائي‭ ‬الى‭ ‬مجلس‭ ‬محكمة‭ ‬،‭ ‬يسمى‭ ‬المجلس‭ ‬التأديبي‭ ‬كما‭ ‬أظنُّ‭ . ‬كانت‭ ‬مدرستي‭ ‬فلعة‭ ‬القمر‭ ‬جالسة‭ ‬،‭ ‬ومعها‭ ‬عميد‭ ‬المعهد‭ ‬وأستاذ‭ ‬آخر‭ ‬غير‭ ‬مشهور‭ ‬،‭ ‬لذلك‭ ‬تاه‭ ‬مني‭ ‬اسمه‭ ‬الآن‭ . ‬تدولوا‭ ‬بالمسألة‭ ‬وتجادلوا‭ ‬بغضب‭ ‬،‭ ‬ثم‭ ‬انخفض‭ ‬منسوب‭ ‬الزعل‭ ‬،‭ ‬وارتفع‭ ‬منسوب‭ ‬الضحك‭ ‬،‭ ‬الذي‭ ‬بدأته‭ ‬أمّونة‭ ‬،‭ ‬وأنهاه‭ ‬الأستاذ‭ ‬الذي‭ ‬صار‭ ‬وجهه‭ ‬الآن‭ ‬صف‭ ‬أسنان‭ ‬عظيم‭ ‬،‭ ‬من‭ ‬قوة‭ ‬البهجة‭ ‬والتضحيك‭ ‬،‭ ‬وتم‭ ‬العفو‭ ‬عنّي‭ ‬مشروطية‭ ‬إعادة‭ ‬الإمتحان‭ ‬بقاعة‭ ‬ليس‭ ‬فيها‭ ‬سواي‭ .‬

أما‭ ‬القصيدة‭ ‬التي‭ ‬كنت‭ ‬‭ ‬برطلتُ‭ ‬‭ ‬فيها‭ ‬أستاذتي‭ ‬الجميلة‭ ‬،‭ ‬فما‭ ‬زالت‭ ‬راسخة‭ ‬في‭ ‬ذاكرتي‭ ‬:

إيمانٌ‭ ‬رياضياتْ

قوانينٌ‭ ‬وتمريناتْ

تفاضلُ‭ ‬تارةً‭ ‬فينا

تُكامِلُ‭ ‬عندنا‭ ‬مرّاتْ

جميلٌ‭ ‬وجهُها‭ ‬قمرٌ

عيونٌ‭ ‬فيهِ‭ ‬زرقاواتْ

تسائلنا‭ ‬عن‭ ‬الواجبْ

فيسري‭ ‬الهمُّ‭ ‬والآهاتْ

عذراً‭ ‬يا‭ ‬معلّمتي

لتعقيدِ‭ ‬الرياضياتْ

فلَمْ‭ ‬أقصدْ‭ ‬إساءتكِ

وحسبي‭ ‬انّها‭ ‬زلّاتْ‭ 

مشاركة