فلسفة جي ديبور وواقعنا الإفتراضي المعاصر

623

فلسفة جي ديبور وواقعنا الإفتراضي المعاصر

عـلاء لازم العيـسى

1

جي ديبور ، فيلسوف وجودي وشاعر طليعي وكاتب سيناريو ومخرج سينمائي ، كانت فلسفته أشدّ راديكاليّة من وجوديّة سارتر من حيث شدّة الاحتفاء بالنزعة الفرديّة ولذلك كان يمقت سارتر وكامو . ولد في باريس في 28 / 12 / 1931 وتوفيّ والده وهو في الثالثة من عمره، وعهدت تربيته إلى جدّته، انتقل سنة 1942 إلى مدينة ( بو ) حيث التحق بالمدرسة الثانويّة وهناك عرف الشعر .

أسّس مع الشاعر ايزيدور إيسو حركة ( الأدبيين ) على وزن ( اليساريين ) حيث كانوا يمارسون ضربًا من سرياليّة ثوريّة ليبعثوا الشباب الفرنسي من سباته للوقوف ضد حرب فرنسا في الجزائر فقد كان من أبرز المعارضين للحرب الفرنسيّة في الجزائر ، وناهض الفنّان شارلي شابلن ، ووزّع منشورًا معاديًا له واصفًا إيّاه بالحشرة الفاشيّة ، وعصاته الشهيرة بأنّها هراوة شرطي ، وأفلامه ما هي إلّا ابتزاز عاطفي لأبناء الطبقة العاملة عن نضالها من أجل حريّتها .عاش ديبور حياته حدّ الثمالة ، لكنه كان يزدري كلّ الأشكال النظاميّة سواء كانت ثقافيّة أو اجتماعيّة أو سياسيّة أو دينيّة ، ويدعو للتخلّي عن كل سياق ، وفي ذلك كتب يقول : (( لماذا أنا أفكّر أو أكتب وفقًا لما تنتظره أنت ؟، ولماذا أتصرّف مع صديقتي وفقًا لما أظنّه نموذجيًّا في عقلها ؟، ولماذا أدخل في مراتبيّتكم الأخلاقيّة فأحترم الكبير بالضرورة ؟، بالقطع إنّني أقوم باستعراض دور ما في مجتمعكم ، أتوق للنموذج المتفق عليه عندكم ، مع مرور الوقت قد أتلاشى تمامًا ولا يبقى منّي سوى ما تريدون أنتم )) . ولكي يثبت تمرّده على كلّ السياقات لم يقتنع ديبور بنهاية مجهولة لحياته بل اختارها لنفسه وذلك في 30 / 11 / 1994 إذ اختتم حياته بالانتحار بعيار ناريّ.

2

إنّ جوهر فكر جي ديبور التي ضمّنها كتابيه ( مجتمع الاستعراض ) و ( مجتمع الفرجة ) تتلخّص بأنّ عالمنا المحسوس تحوّل إلى مجتمع صورة وفضائيّات ووسائط إعلاميّة ووسائل تواصل اجتماعي ، معنى ذلك أنّ الفرد في مجتمع الفرجة يعيش بحسب صورته لدى الآخرين لا وفق ما يكون عليه ، أما الصورة المصدّرة عنه فيجري إعدادها أو اخراجها بحيث تبدو وكأنّها أصيلة وغير مفبركة ، وهذا بخلاف المجتمع القديم الذي كان يحيا أفراده وجهًا لوجه ، ومن ثمّ فصورة الواحد منهم هي تعبير حقيقي عن شخصيّته وهويّته ، أمّا الآن فأنّ عالمنا (( علاقة اجتماعيّة بين أشخاص تتوسّط فيها الصور )) كما ذكر ديبور ( مجتمع الاستعراض ) ص10? وهذا يعني إنّك في أكثر الأحيان تقرأ أو ترى وتسمع ما لا ينطبق على شخص الكاتب أو المتكلّم، لأنّنا نعيش عالم أقنعة ليس إلّا.

   إنّ هذا الرأي الذي ذكره ديبور يذكّرني بكلام سابق للفيلسوف الألماني فويرباخ الذي توفي سنة  1872 أي قبل ولادة ديبور بمئة عام تقريبًا ، ذكره في مقدمة كتابه ذائع الصيت ( من جوهر المسيحيّة ) ، إذ قال ما نصّه : (( ولا شكّ أن عصرنا يفضّل الصورة على الشيء ، النسخة على الأصل ، التمثيل على الواقع ، المظهر على الوجود … وما هو مقدّس بالنسبة له ، ليس سوى الوهم ، أمّا ما هو مدنّس فهو الحقيقة )) ، والظاهر إنّ بعض الأمراض الاجتماعيّة والفكريّة تنتقل بحسب نظام الإرث من مجتمع إلى مجتمع ، ومن جماعة إلى جماعة ، وربّما كان الانتقال بطريقة موجّهة ومدروسة ، وإن تباعدت بينهم الأزمان والقرون .

3

وفي ( مجتمع الفرجة ) يجري تسليع كلّ شيء وكلّ نشاط وكلّ فكر أرضيًّا أو سماويّا ، ومثلها مثل كلّ شيء تصبح الثقافة بكلّ فروعها سلعة  تخضع لقوانين السوق ، لا تبحث عن القيمة الفكريّة والتنويريّة بقدر بحثها عن الربح والخسارة ، فتتحوّل الثقافة إلى سلعة للتسليّة وملء أوقات الفراغ وإلى لهاث خلف الربح السريع ، وتتحول الكتابة إلى جهاد من أجل تحقيق المصالح الفردية والأنانيّة ، بعيدًا عن كلّ المعاني الإنسانيّة النبيلة أو الوطنيّة أو الإبداع ، وما يتبع ذلك من محاولة فرض الذات على الآخرين كما لو كانت الوحيدة في ساحة الكتابة والتنظير ومحاولة تسقيطهم طمعًا بالجائزة ، وفي ذلك يقول جي ديبور : (( في جذر الاستعراض يكمن أقدم تخصّص اجتماعي ألا وهو تخصّص السلطة  لذا فإنّ الاستعراض هو نشاط متخصّص يتحدّث باسم مجموع الآخرين ، إنّه التمثيل الدبلوماسي للمجتمع المراتبي لدى نفسه ، حيث يكون كلّ حديث آخر محظورًا ))      ( مجتمع الاستعراض ص13 ) ? وقال أيضًا : (( الاستعراض هو اللحظة التي تحقّق فيها السلعة احتلالها الكُلّي للحياة الاجتماعيّة ، لا تصبح العلاقة بالسلعة مرئيّة فحسب ، بل إنّ المرء لا يعود باستطاعته أن يرى سواها فالعالم الذي يراه هو عالمها ، يوسّع الانتاج الحديث دكتاتوريّته بطريقة شاملة ومكثّفة ، وفي المواقع الأقلّ تصنيعًا تتمثّل سيطرته بالفعل من خلال بضع نجوم )) ( مجتمع الاستعراض ص 20 )

4

إنّ هذا الطوفان من الصور والاستنساخات ، والتمثيل في الأسلوب والمشاعر والمواقف الفكريّة والدينيّة والسياسيّة والإنسانيّة ، الذي حذّر منه الفيلسوف الفرنسي جي ديبور ، ومن قبله بمئة سنة الفيلسوف الألماني فويرباخ ، أصبح الآن في زماننا حقيقة واضحة لا مراء فيها ، فقد (( بات في مقدور بلايين البشر أن ينالوا قدرًا من التجليّات البصريّة للتقنيّات الحديثة ، سواء كانوا فقراء يتجمّعون حول بث الفضائيّات في المقاهي الرخيصة ورقميّات التواصل المصوّرة في مقاهي الانترنت ، أو ميسورين يمتلكون في بيوتهم أحدث أجهزة التلفزيون واستقبال الفضائيّات  وأثمن أجهزة الكومبيوتر القادرة على الاتصال السلكي واللاسلكي بشبكة المعلومات العالميّة ، بل الكوكبيّة )) .  فإذا عرفنا بأنّ مسيرة المعرفة الإنسانيّة عمومًا منسوجة من كتلة تصوّرات متفاوتة في تعبيراتها ودلالاتها، وإنّ هذه المسيرة كانت مترافقة على الدوام مع زيادة الثراء التخيّلي والتراث البصري على طول التاريخ ، فالصورة ـــ كما يرى هيدجر ـــ كانت دائمًا عنصرًا تحريضيًّا في الانشغالات الفلسفيّة ، ومدخلًا حتميًّا للإجابة عن سؤال الماهيّة ، التي تعني هيأة الشيء ، حيث يتجلّى بقاء الأشياء في استمرارها وبقائها .

أقول : فإذا عرفنا كلّ ذلك ، استطعنا أن نقدّر مدى خطورة واقعنا الافتراضي المعاش ، وعمق مفعول وسائل الاتصال الالكترونيّة في مواطن الإثارة ، وتشكيل العقول سلبًا وايجابًا ، وتوجيه وتشكيل الرأي العام بما يجعل الأخبار مقبولة أو منبوذة، وممارسة عمليّة قلب الحقائق ، وما تؤديه هذه الوسائل من تحوّلات عميقة في طبيعة حياتنا وطموحاتنا ، وفي إعادة صياغة العالم ، وفي دفع الأفراد للقيام بأدوار قد حدّدها لهم غيرهم .

5

  وبالرغم من وجود مجموعة متفائلة تنظر إلى ثقافة وسائل الإعلام الإلكترونية الجماهيريّة على أنّها ثقافة ايجابيّة ، ستزيد من ممارسة الديمقراطيّة ، وفهم الآخر المختلف ثقافيًّا ، وعلى أنّها فجر إنسانيّ جديد ، وثقافة تحرّرية ضد الهيمنة بكلّ أشكالها تشجّع على الابتكار والإبداع .يأتي جي ديبور ليقول : (( في هذه الحركة الجوهريّة للاستعراض ، التي تتمثّل في تلقّفه لكلّ ما كان يوجد في النشاط الإنساني في حالة سائلة ، ليتملّكه في حالة متجلّطة كأشياء ، أصبحت هي القيمة الوحيدة عن طريق صياغتها السالبة للقيمة المعاشة ))( مجتمع الاستعراض ص19 ) . وبعيدًا عن تشاؤم ديبور يأتي بعض الباحثين مثل ( مارك بوستر ) لينظر إلى تكنولوجيات الواقع الافتراضي الجديدة بطريقة أكثر علميّة وتحليليّة ، وليست فلسفيّة تجريديّة فيقرّر بأنّ هناك ثلاث إشكاليّات لثقافة الإنترنت ، هي : اشكاليّة الحقيقة ، واشكاليّة الذات ، واشكاليّة الحكايات . فإشكالية الحقيقة تعني تعدّد صور الحقائق بتعدّد الهويّات والمصادر ، كما إنّ تقليص هذه التكنولوجيات للزمان والمكان جعل الحقيقة بلا أساس مادي ومعتمدة على الخيال ، وعلى السرعة الفائقة في نقل الصور والمعلومات إلى المتصفّح لمواقع الإنترنت، وكلّما زادت المواقع التي تقدّم الموضوع كثرت الرؤى المؤسّسة لعشرات الحقائق ، ممّا يؤدي إلى ضياع بعض الحقائق أو شيئًا منها .  وتتمثّل اشكاليّة الذات بقيام الميديا الجديدة بإشباع حاجات الأفراد الاستهلاكيّة فقط ، وعدم الاهتمام بعمليّات التنشئة الاجتماعيّة التي كان يرعاها المنزل والمدرسة ودور العبادة بخطابات كبرى تقدّم إجابات عن أسئلة أساسيّة في حياة الفرد كالهدف من وجوده ، ومعايير الخطأ والصواب ، ورؤية الذات لنفسها ، فيؤدي إلى ايجاد ذات متشظّية متعدّدة الأوجه ومتداخلة السمات ، تساعد على تفكّك المجتمع وتشظّيه . أمّا اشكاليّة الحكايات في الفضاء الإلكتروني فهو تحوّل وظيفة الثقافة من البحث عن الحقيقة ، إلى محاولة إرضاء الجميع ، فالكلّ على صواب ، والتعايش أفضل من محاولة معرفة الحقائق ، من أجل كسب أكبر عدد ممكن من المشتركين ، ومن هنا تتحوّل شبكة الإنترنت إلى وسيلة لتوجيه رسائل إقناعيّة لخدمة المسوّقين ومن يعمل خلف الكواليس . ( ينظر: الصورة والجسد دراسات نقديّة في الإعلام المعاصر، د. محمّد حسام الدين ص102 ) .

6

أخيرًا ، فإننا يجب أن نعترف بأن موج انجازات تكنولوجيا الانترنت واقع لا بدّ منه ولا مفرّ منه ، ومن ثمّ فإنّه موقف متغلغل في جميع جوانب حياتنا تقريبًا ، ولكي لا تمسخنا هذه التكنولوجيا ، يجب علينا أن نتعلّم ابتداءً من أنفسنا وبيوتنا ومدارسنا كيف نمارس التفكير السديد ، فننتفع من إيجابياتها ونبتعد قدر الإمكان من الوقوع داخل إطارها .

مشاركة