فكرة هروب من السجن الكبير

192

فكرة هروب من السجن الكبير

سعد العبيدي

لندن

سيترك الوطن، سيهرب من محنة أبقت في نفسه شرخا. فكرةٌ مرت عابرة في مخيلة السيد السفير أبو أشواق في طريق نقله مسجونا وما تبقى من الرفاق الناجين من تهمة الاشتراك بالمؤامرة الى أقبية التعذيب في أبو غريب، ليكونوا فئران تجارب يتلذذ على بعض نتائجها خلسة السيد الرئيس باطلالته من غرفة الموتى المشرفة على ساحة التعذيب مرات عدة. الفكرة تتضخم، باتت تنسج خيوطها يوم أدخل السيد جاسب ضابط المخابرات المشهور بشهوته للتعذيب قلم الرصاص في اذنيه ليمزق طبلاتها تماشيا وخطط التجريب. الفكرة تمسي معه وتصبح كذلك معه، يتخيلها مشيا بين جبال الاكراد ووديانهم توصله الى ايران، ويتصورها ركوبا لسيارات المهربين عبر الصحراء تضعه عند الحدود السورية، وثالثة أخرى صوب الاتراك تعطيه أمل في البقاء حيا وسط الحفلات المستمرة للتعذيب التجريبي المبرمج.

السنة الرابعة تقترب من نهايتها، شتائم وتهديدات الجلادين الذين كانوا يمزقون اجساد الضحايا أشلاء ينهشونها مثل أكل لحوم الغزلان في ولائم الصيد، تنتهي فجأة، تستبدل بأوراق شجب موجع للمؤامرة، واسترحام القائد عفوا عن ذنوب المؤامرة. الزبانية الذين تدربوا على الاذى وتخصصوا في فنونه الملعونة يرحلون. السياط التي اصطبغت بألوان الدماء الحمراء تختفي من أماكنها. تفتح منافذ التهوية، تدخل أشعة الشمس من فتحاتها، تكتم الحسرات في الاعماق ألما.

صفارة الصباح طويلة هذه المرة، تعلن التجمع سريعا. التوجه الى الحمامات وحلق الذقون سريعا. المرآة الوحيدة في غرفة الحرس تتشظى قطع تكفي ليرى الواحد منهم نصف ذقن يحلقه على نحو سريع، أمرٌ أصدره المرافق الاقدم للرئيس، لضيق الوقت وكثر المشاغل.

يَتركُ الاستعجال جرحا غائرا اسفل الاذن اليسرى، كأن السجين أبو أشواق نسيّ الحلاقة بشفرات الاستخدام الواحد أو لان الشعر الذي طال لمستوى الصدر تصعب حلاقته بمثل شفرات كهذه. الجرح الغائر لا ينزف، فالدم بعد فقدان نصف الوزن لم يعد يكفي للنزف، وبعض الاوردة والشرايين تعطلت من كثر الضرب القاسي على الوجه، لم تعد صالحة لجريان الدم كما كان حالها في المعتاد.

يصطف الناجون. الثلث الغائب عنهم غادر الحياة تسميما لأغراض التجريب أو ضربا بالهراوات الغليضة لخفراء يأتون من المخابرات. يشير المرافق الاقدم إكتمال حسن التأديب، يقرأ مكرمة العفو من لدن الرئيس، يتعالى الهتاف بحياته المديدة، يوجزهم بانتصاراته الفريدة في الحرب واقتداره العالي في حسمها القريب، يُسلم الواحد منهم لباس كامل على القياس، يصدر أمرا باركابهم في سيارة الكوستر المركونة جانبا.

المفاجأة صدمة مذهلة، يمسك قلبه خوفا من توقفه فزعا. يتحسس دموع قد انهمرت من اعتصار الاسى، يتذكر رفاق مات بعضهم على يديه، وكم مرة تمنى الموت على قاع الزنزانة الرطبة. يهمس في ذاتٍ يشك بوعيها:

الموت أفضل من البقاء تحت رحمة الرفاق.

الموت قبل هذا العفو حلمٌ طالما تمناه مكرمة خلاص من فعل التعذيب. لقد تبدل الحال وتغيرت الاتجاهات، ومضة أمل في الهروب تتدحرج على بساط الاعتقاد بالأسوء في العيش مع الرفاق. خليط عجيب من المشاعر والاحاسيس. ومع هذا لا خيارات متاحة سوى الانتظار.

الانتظار دقيقة واحدة في هذا الجو المقلق سنة بكاملها، يعالج وخزاته المثيرة بمعاودة الانشغال بفكرة الهروب.

يضع قدمه اليمنى على أرضية السيارة الكوستر مستعينا برفيقه السجين محمد لمصاعب في ثني الساق التي تضررت في أحد غزوات التعذيب. تغادر اسوار السجن المشؤوم، ركابها يتلصصون في نظرهم خلسة على عالم جديد غير ذاك العالم المحدود، يغمضون العيون كلما التفت الضابط ناحيتهم، خشية العقاب على جريمة عدم الاستئذان بالنظر الى هذا العالم الجديد. نظرات الخلسة الى الشوارع التي تمرمنها السيارة يتخيلها السيد أبو أشواق مسارب هرب محتملة، حتى لم يبهره التغيير الحاصل في البناء خلال مدة سجنه، ولم يثيره اعلان صفارة الانذار عن غارة جوية في حرب عرفَ أمر حصولها قبل قليل. منشغل فقط بفكرة الهروب التي سيطرت عليه حد التسلط القهري، وبالاعتقاد من أن العراق بات سجنا كبيرا، والعودة الى أبو غريب محتومة، والافراج اذا ما كان حقيقة فهو فصل من مسرحية، تعيده بعض مشاهدها الى ناصية السجن ثانية بتهم أخرى لمؤامرات أخرى أتخذت سبيلا للتصفية وادارة شؤون الحكم.

الافراج يبدو حقيقة، يبتسم الضابط لأول مرة، يعلن الوصول الى علاوي الحلة آخر محطة في رحلة الأربع سنوات.

النزول هنا.

التفرق من هنا.

تَذكّر التعليمات بعدم التواصل والاتصال، والتزام الصمت والذهاب الى البيت كل بالطريقة التي يراها مناسبة تبدأ من هنا.

سيارات الاجرة تتقاطر على ركاب الكوستر حال وقوفها، أسلوب أصحابها والحاحهم ونظافة سياراتهم توحي وكأن الامر مرتب. يسأل صاحب احداها أبو أشواق في طريقه الى حي السيدية عن الوجهة التي جاء منها وأسباب التعب البادي على هيئته العامة، فيحصل على اجابة توحي وكأن الطريق من عمان لا يساعد على النوم، فيظن مع نفسه قد ضَمِنَ النجاح في أول اختبار أمني لمتابعة الكتمان.

يختار في وجهته بيت النسيب، يتحاشى باختياره وقع الصدمة على نفس الزوجة والبنات في لقاء مفاجئ غير محسوب. يأخذ وقتا كافيا يهيء نفسه للتعامل مع الواقع الجديد والاهم منها يتفادى مظاهر اللقاء الصاخبة وما ينجم عنها من اشارات قد تغضب الرفاق أو تدفعهم لتفسيرها احتجاجا على اجراءات السجن.

ينتظر وصول الاحبة ساعة عادلت في وقعها الثقيل سنوات السجن الاربع، استبدل التفكير بتفاصيل الهروب بأخرى تتعلق بكيفية اللقاء؟.

ماذا أقول عن السجن؟.

ما هي الأسباب؟.

كيف أخفي عن شريكة عمري طعنة جاءت من الرفاق؟. كيف أقنعها بفكرة الهروب وكتمانها عن البنات؟. يتوقف عن التفكير، يحاول التكلم مع نسيبه القريب، تذكر الايجاز الاخير لضابط المخابرات عن التزام الصمت وعدم التطرق للموضوع، والقدرة التي يمتلكها الجهاز بسماع الهمس بين الازواج، يغير الموضوع، يفتح صفحة جديدة، يؤكد الرغبة في بدء مستقبل جديد وسط العائلة التي أحبها وفارقها أربع سنين.

يعاود التفكير بالهروب، بعد أستفاقة الزوجة من غيبوبة صدمة أصابتها عند سماع الصوت المميز يتكلم حال دخولها بيت الاخ الكبير. يبدأ التخطيط جديا للتنفيذ بعد استلامه الوظيفة مسؤولا عن التعبئة في المؤسسة العامة للكهرباء، يضيف الى مهامه قضايا تتعلق بالحماية السلبية لمحطات الكهرباء، تمويه وجودها عن طيران العدو، مهمات تقتضي الاستطلاع والتنقل بين المحطات المنتشرة في العراق، جاءت مناسبة لما يريده مجالا ملائما للتنفيذ. عكاشات منجم للفوسفات بين القائم والرطبة قريب من الحدود السورية، له محطة كهرباء خاصة، لابد من حمايتها وتمويهها عن الطيران الايراني الذي بات يشن غارات ستراتيجية من الاراضي السورية. تحصل الموافقة على مقترحه فورا مع تقدير لجهوده الوطنية في دعم المعركة والقائد. يقيم فيها خمسة أيام، يجري استطلاعا مفصلا لطرقها ونياسمها، يحسب المسافة والاتجاه لكل العلامات الفارقة فيها، يحدد نوع القطعات العسكرية المرابطة في محيطها، وشكل المراباة واسلوب الدوريات، يقتنع بامكانية النجاح، قناعة يبطلها تنويه لآمر اللواء التابع الى الحدود من ان السلطات السورية أعادت الى العراق هاربين تسللوا اليها من نفس المنطقة.

يغير وجهته صوب الجنوب، يضع ايران خيارا بديلا، يدرج محطة كهرباء الهارثة في خطط الحماية، يمكث فيها أسبوعا، بظروف حرب لم تبق ثغرة صالحة للهروب، الا بالتنسيق مع أحد الآمرين الثقة. يقرر الغاء الخيار والاستمرار بالتفتيش عن آخر فيه ضمانات نجاح أعلى تناسب وضع العائلة التي يراها فوق كل اعتبار.

تتوقف الحرب بتعادل خسائرها، تتغير المواقف، تتبدل الاهتمامات، يبقى التخطيط للهروب قائما، ومعاودة الاستطلاع ممكنة باتجاه الجنوب وخط الحدود مع ايران، وكذلك عن طريق الشمال. يلتقي صديقا كرديا في أربيل توثقت علاقتهما يوم كان مسؤولا حزبيا عن المنطقة، ينوه له برغبة صديقه الهروب وعائلته الى ايران، يؤكد له جسامة المجازفة بوجود العائلة، وصعوبة الوثوق بعموم المهربين، الذين يعمل بعضهم وكيلا للمخابرات، وآخرين وكلاء مزدوجين، فيعاود استطلاعاته لمحطات الكهرباء الموجودة في الجنوب.

يصطحب العائلة هذه المرة الى البصرة التي تتمتع بجو جميل في شتاء دافئ نسبيا. الانتظار قائم في فندق حمدان على أمل العودة من جولة استطلاع قد تسهل التنفيذ الذي بات وشيكا بالتأسيس على التغيير الحاصل في انفتاح القطعات طول خط الحدود مع ايران. الاستطلاع يؤكد وجود العديد من الثغرات التي يمكن النفاذ منها بمستوى نجاح مقبول، عقبتهُ الوحيدة حقول الغام تنتشر في الجانب الايراني من دون تأشير. يقرر العودة الى بغداد، بانتظار فرصة ستأتي حتما ما دامت الفكرة قائمة، وذكريات الطعن في الخاصرة لم يعتريها دجى النسيان. وما دامت سياط السجان تطارده في المنام.

سيحققها ولو بقيّ في العمر أيام.