فكرة يسوقها الروائي لكشف أسرار الناس – الموصل – سامر الياس سعيد

ثنائية الموت والحياة في رواية غانم عزيز سكان البيوت الأربعة

فكرة يسوقها الروائي لكشف أسرار الناس – الموصل – سامر الياس سعيد

كعادته ومع اغلب رواياته يحتل الهم الانساني  عتبة السرد الخاصة بالروائي  غانم  عزيز العكيدي الذي يقدم من خلال هذه الفكرة الانسانية ثيمة جديدة  للاطلالة على اسرار الناس  وعواطفهم وارهاصاتهم الانسانية  في رواية (سكان  البيوت الاربعة) الصادرة عن دار امل الجديدة  للطباعة والنشر والتوزيع  في سورية.. ولاينفك اسلوب العكيدي من ان يكون بلغة مباشرة مبسطة تجتاح القارئ لتدعوه لان يعيش معها حيث يتمكن الروائي من اختزال المشاعر الانسانية كما يتيحها اسلوب الرواية  عبر سياق  زمني  ومكاني  بما يمكن الكاتب والمتلقي من كشف حجاب الفكرة وما قد تستره اللغة الانية في  النص الروائي الذي لايحتمل فوق طاقته اي مساحة  او مسافة بينهما واقصد بهما الكاتب والمتلقي  لذلك يسعى العكيدي لان يلتزم في روايته الاهمية الثقافية  والفنية للسرد الروائي وبحسب الناقد الفرنسي رولان  بارت الذي يرى انه لايوجد شعب في اي زمان  او مكان من غير قصة او نص سردي .. ويوظف غانم العكيدي روايته التي ربما وقع في خطا عنونته فسماها سكان البيوت الاربعة الا انها في الحقيقة  تجسيد لمحنة عوائل  تشترك في بيت واحد لتطل كل واحدة منها على محنة الاخرى وازماتها  من خلال بطل الرواية الذي يبدو المتحدث الرئيسي او الراوي في  اكتشاف كل ما تمر به شخوص الرواية  لذلك فمن الوهلة الاولى تجد ان العنوان الملتبس لايتماهى مع متن الرواية في الاشارة الى  السكان الذين يحلون في البيت  الذي يسعى صاحبه لان  يحتضن من خلاله عوائل اخرى تضاف لعائلته التي  رحلت امه فاثر  صاحب البيت وهو صاحب مكتب عقارات ان يسعى بحدسه المادي ان يتيح المنزل الى عوائل اخرى  تقبض عليها  هموم  الحياة ليكون المنزل الجديد فرصة لان تطلق  همومها باتجاه ثنائية الموت والحياة  كما في الولادات التي شهدتها او من خلال الجرائم التي  مر بها ذلك المنزل ..

سرد مكثف

واذا كان المميز في سرد العكيدي بانه جاء مكثفا من خلال كم الاسماء  او  الامكنة التي تحتويها حتى تلقي بالقارئ في محنة الالتباس  او من خلال اعتماد منافذ اخرى يصطحب من خلالها  المتلقي ليقع في  متاهة اخرى  بعيدا عن رغبة الكاتب في ان يلتزم بجولة موحدة خارج مكان السرد.. تنطلق الرواية بوفاء الكاتب حينما يهديها  لوالديه  ولشقيقه فضلا عن اقربائه   وبعض من اصدقائه الراحلين ليشير في سياق المقدمة  بانه لطالما اعجب بالر وايات المصرية التي  قدمها الروائي النوبلي نجيب محفوظ التي استوحى معظم رواياته من الاماكن الشعبية  لذلك يعبر عن روايته المذكورة ليشير الى كونها  ترابطا نسيجيا باهوائه لي مع الاحداث التي سبق ان سردها في رواياته السابقة  ليجد ان الغوص في الماضي  لابد ان يخرج بشيء يساوي مقدار الغوص المتعب في الاعماق ويعرف الرواية بكونها رواية سلسة وبسيطة وينطلق في مقدمة الرواية بزواج الاب بعد رحيل زوجته  فيتحدث بطل الرواية واثق عن ذلك الاجتماع الذي يتراسه الاب  ليحدث ابناءه عن خطوته الجديدة  التي لاتقتصر على الاقتران بقريبة من العائلة فحسب بل  يتحدث عن البناء الرئيسي للرواية  من جراء تحويل المنزل الى  نزل عام يستقطب عوائل اخرى لاسيما عائلة فواز الريفية التي نزحت من منطقتها هربا من فضيحة اقتران امهم بشاب  كان محور تلك الزيجة الطمع  الذي ينتهي بنهاية ماساوية لزوج الام فتبرز اولى ثنايا تلك الحكاية الانسانية من خلال الموت الذي عادة  ما يوظفه الكاتب  لكي يكون نهاية دورة زمنية  كما انه يستعين بالولادات لكي تكون صورة اخرى مقابلة يستعيدها لكي تكون المقابلة للصورة الانسانية  التي طالما يتحدث عنها الكاتب في سياق رواياته فضلا عن الحياة التي يحياها طفل حسن في ظل وفاة امه الشابة  اثناء مخاض الولادة  وكل الصور الحياتية التي يضخها  لتشهدها اروقة الموصل القديمة  التي يستعين ببعض اسماء محلاتها  كانها اطلالة لحياة موصلية  كانت تحياها الشخوص لينتج من خلالها واقعية ربما يلتزم بها الكاتب  عبر  هذه الرواية ..

اسلوب الكاتب

 يرتبط السرد  الخاص بالرواية باسلوب الكاتب  الذي يجعل من احداثها  تنساب كالماء  من اجل ازالة  البقايا العالقة  في الروح والجسد على السواء  وفي ذلك تجدد واستمرار  لحياتها كما اسلفنا  وتمكن العكيدي من خلال الرواية  من الكشف عن عرض الاحداث المتراكمة  والموضوعات التي تشكل نسيج الرواية  من دون الحاجة الى فواصل  متدرجة بين اللوحات المشكلة للنص  فلقد تم  بناء هذه الرواية عبر منافذاو بيوتات بحسب ما فرزها الكاتب فنجد ان البيت الاول  يتيح له الكاتب الاطلالة على بيت واثق عبر  الحديث في مقدمته عن زواج ابيه  اما البيت الثاني فيختار من خلاله نجيمة التي تشكل جراتها  فاصلا استغرابيا في اقتحام خلوة واثق نفسه او  الممارسات التي تبديها  والتي ربما لاتخفتها او تكبتها اقتران نجيمة بالارمل حسن  الذي يتخذ من البيت الثالث فاصلا له مع زوجته خولة التي تنتهي حياتها بالام المخاض حينما تضع مولودها الاول وتبقى علامات الاستفهام تحيط بالبيت الرابع الخاص ببيت  الحاج صابر  الذي ينهي الكاتب روايته دون الاطلالة على مصيره الذي يفتح له قضبان السجن رغم براءته من استهداف  حمد الشاب  الطامع بعد اعتراف نجيمة بقتله..

 ما اسعدني حقا في هذه الرواية هو عودتي للاطلالة على عوالم كاتبها غانم العكيدي  رغم انني ابتعدت عنها مرغما بعد ابتعادي عن مدينة الموصل  حيث كان يحرص الكاتب على اهدائي لرواياته ولربما كان من اخر النخب المثقفة التي التقيتها في اواخر ايامنا التي عشناها في مدينة الموصل قبل  ان نطرد منها على يد تنظيم داعش وتلك شهادته التي اباح لي بها في لقائي معه في مطلع هذا العام الذي تكلل باهدائي ثلاثا من رواياته التي ساستعرضها لاحقا  ومنها روايته التي حملت عنوان (سكان البيوت الاربعة ) فالفرصة التي اتاحها لي العكيدي جعلتني انسج ذكرياتي التي كنت من خلالها ازور تلك العوالم الافتراضية  وشخوص روايات الكاتب  واقدمها للقارئ عبر جريدة (الزمان) او صحف موصلية اخرى قبل ان افقد كل تلك  المصادر بعد ان  احرقها الدواعش حينما سلب البيت وممتلكاته  في مدينة الموصل ..

مشاركة