فصل من مكان عتيق -علي السوداني

1271

علي السوداني

 

الحلول شحيحة ومنسوب الكآبة سائر صوب الذروة . سأهبط الى مقهى السنترال المعلقة بخاصرة البلد . صاحبها زكي النبيل أبو زيد ونصف زبائنها من الأدباء العراقيين الهاربين من الحصار الوحشي بحقائب فقيرة وجيوب مثقوبة ، وكان أبو زيد يذكّر النادل رضا المصري بأن لا يجبر الصعاليك الطيبين على شرب الشاي وأخوته بالطعوم ، وأن لا يتذمر من جلوسهم الطويل من دون أن تمسك يده قرشاً أحمر منهم .

زكي يعرف كل العراقيين هنا . سأسأله عن سعد ابن أُم سعد علّه مرَّ بمقهاه وترك رسالة لي .

كان الجو بارداً وماطراً والطريق من جويدة الى وسط البلد طويل حيث سائق الباص القديم مستعد للوقوف ساعة كاملة إذا شمَّ رائحة راكب جديد ما زال يتلوى قريباً من عتبة الدار .

خط السيارات البطيئة والسريعة ينتهي بمنطقة سقف السيل الصاخبة والقريبة من مركز المدينة حيث المقهى والحانة وتجدد الأمل بالعثور على صديقي سعد .

أهل عمّان يتحدثون بحسرة عن هذه القطعة الجميلة ويتذكرون نهيرها القادم من جبل عمان ووادي عبدون وما حولها . فيشق دربه المنساب سيلاً أو نهيراً صغيرا تستمر رحلته الى منطقة المحطة وما بعدها من فضاء قبل أن تتوسع الحاضرة حتى تكاد تلتصق بمدينة الزرقاء المجاورة ، قبل أن يغطى ويسقف بالأسفلت ويصير ذكرى غاطسة برؤوس العمونيين .

خطوط المواصلات التي تحمل الناس من هذا السقف المكتظ صوب منازلهم لم يكن يحتوي على مرآب نظامي ، بل هو شارع طويل يمتد بموازاة شارع طلال الشهير تصطف فيه الباصات الصغيرة والكبيرة بالدور ، وهنا سيكون بمستطاعك مشاهدة شخص أربعيني طويل عريض وظيفته تنظيم وقوف الحافلات ومراقبة الناس المنتظمة بالتسلسل الجسدي الذي قد يصل وقت الذروة فيه الى ساقية بشرية تمتد على طول الشارع وتلتف من نهايته عائدة الى المربع الأول قبل أن تقوم الباصات بتعبئة بطونها بالراكبين المتعجلين الحاملين بأيمانهم وأيسارهم بعض متاع العائلة من الخبز واللحوم والأسماك والخضروات والفواكه ، حيث السوق الكبير الذي يمتد من ذيول السيارات في السقف حتى المسجد الحسيني وما بعده الذي من علاماته بائع الشاي الرافديني الطيب ودكان استنساخ العاصمة الذي شهد ترتيب معاملات وأضابير العراقيين المهاجرين صوب المنافي الجديدة .

في خاصرة الشارع توجد سينما اسمها ريفولي ، وأغلب الظن أن هذه الدار كانت غالباً ما تعرض الأفلام الأجنبية الخليعة ، وقد عرفت ذلك من معرض الصور الفوتوغرافية المدقوق ببابها الكبير .

لصق دار السينما ثمة حمّام رجالي أخذ منها جدارأ وإسماً ، وعند مرورك بفوهته ستشم روائح الصابون والمعقمات والمعطرات ، وقد تصطاد أذناك نكتة تختلط فيها مشاهد سينمائية وطاسة ماء ساخن فززت زبوناً كان يمتلك دكاناً صغيراً بسوق مجاورة لبيع البضائع العتيقة أطلقت الناس عليه تسمية ملتبسة مضحكة مبكية .

إنه سوق الحرامية المحشور بين بنايتين متهالكتين وينخفض بقدر أذرع قليلة عن مستوى الشارع الرئيسي ، وفيه ستجد مهواك وضالتك من التفزيونات القديمة والمذياع والمكواة والكاميرا والفرن والثلاجة وغيرها من مواد رخيصة بالت عليها الأيام وودعتها نظرات البائعين المجبرين بكثير من الأسى وقليل من البهجة والشجن .

مشاركة