فصل من رواية

فصل من رواية

زيد الشهيد

على مدى اسبوعين كنا نلتقي ..

لديَّ معهُ مشروعٌ مُهم تساورني فيه خشية أن لا أتمّه  فأسقط في قرار بحرٍ من الأسف ومدٍّ من الألم ، مصحوباً بتقريع النفس على تأخر ما كانَ سيحصل لو كنتُ برمجتُ الزمن وجعلته يميل لكفتي .

الزمن لا يرحمك إنْ تجاهلته ؛ لكنك آنْ تلاحقه وتلازمه وتلوي عنقه سيغدق عليك بما تريد .

شكرت السماء لأنها وقفت إلى جانبي . ذلك أني ما أن اكملت المشروع  ومر يومان حتى نقل لي هاتف صديق له يجاوره في سكنه خبر وفاته  .

لقد شهدتُ في آخر لقاء معه وتسجيل حديثه أنَّ الرجل منهك وغير قادر على مواصلة صراع الزمن والبقاء حيّاً سنة أخرى ، أو حتى شهر آخر ؛ هو الذي صارع ، وقاتل ، وسخر ، وانتصر فما عاد للقدر بطاقة صفراء أو حمراء يشهرها بوجهه . مبارياته مع الحياة أغلبها انتهت بفوزه ، وأظهرته ، بناء على ما كتبَ ، وما سمعت عنه ، وما رواه مسكوباً من فمه ، لاعباً متميزاً . تمكَّن بفعل مهارات عقلية ، ولياقة نفسية ، وروح دعابة من الفوز في كل مباراة دخلها مع الاقدار الحاصلة والمواقف المُستَجدّة .. لم تثنه خسارة ، ولم يستسلم لهزيمة . ولا تراجع حتى عن قرار أو تصميم عزم على تنفيذه إلى نهايته ، ولا شعر أيضاً بأنه لم ينهل من عسل الدنيا بما يكفي فيتمنى الكثير . يشبّه نفسه بعروة ابن الورد ايام كان شاباً ؛ وآخر ايامه كان يقول : أنا مالك بن الريب ، ويروح يتمتم بشيء من الجزع والمرارة :

أَجَبْتُ الْهَوَى لَمّا دَعَانِيْ بِزَفْرَةٍ ** تِقْنٌـّـعَتِ مِنْهَا أَنَّ أُلَامَ رِدَائِيَا

أَقُوْلُ لِأَصْحَابِيْ ارْفَعُوْنِيْ لَأَنّنِي ** يَقُـرّ بِعَيْنَيْ أَنْ سُهَيْلٌ بَدَا لِيَـــــا

خُذَانِيْ فَجُّرَانِيُّ بِبُرْدِيَ إِلَيْكُمَا ** فَقَدْ كُنْتَ قَبْلَ الْيَوْمَ صَعْبَا قِيَادِيْا

 كنت في ايامه الاخيرة عندما انوي تقوية شكيمته  بكلمات تؤكد أنه ما زال قوياً وله من مشوار المطاردة ما قد يهزم اشد الافراس قوةً وجموحاً يرفع كفاً مرتعشة سبَّبها شلل داهمه جراء جلطة مرت به قبل أشهر جواباً على قرب نهايته . لذلك لم أفاجأ بموته . وخبرُ الوفاة اعلمني بانتصار مشروعي المُكمِّل لانتصاراته في الحياة .

الذي فاجئني ، وآلمني بعدما عرفت عنه الكثير ، ووضعته بالكفة الراجحة من التقدير هو عدم اعلان موته في صحيفة ؛ ووفاته مرّت مرور خبر شفاهي تناقلته ألسن قليلة وتبارى عدد ضئيل بالشعور بألم فراقه وفقده .

 أول عهد لي بمشاهدته كان في خريف عام 1978 يوم أظهره الباب الزجاجي  للمقهى البرازيلية صحبة رجل سبعيني اسمه مجيد البابلي يقاربه العمر  . مسح بعينيه جغرافية المقهى ، ودارت انظاره على الروّاد يطالع وجوههم كأنه يبحث عن ضالةٍ .. كان مجيد البابلي رجلاً متوسط الطول ببدلة سوداء وقميص أبيض وربطة عنق خضراء بهيئة قرتيلة ؛ يطوي تحت ابطه صحيفة لا ادري ان كانت ” الثورة” أم “الجمهورية” أم ” العراق” . أما هو فكان يرتدي سترة رمادية بمربعات سوداء داكنة ، وقميص سمائي وبنطلون أسود يخال لمن ينظر لهيئته الفارعة الخروج بأنه صاحب ذوق فني وإن بدت الملابس أقرب إلى البُلى .  يحمل حقيبة جلدية بلون الحنّاء ، عتيقة وممتلئة بما عرفته بعد وقت  بنسخ من كتاب حمل اسمه كمؤلِّف كان يروِّج لبيعه .  وكانت رائحة القهوة وهي تشيع في فضاء المقهى المحاط بجدران بنيّة داكنة والهدوء الذي يعم المكان وحركة العامل أربعيني العمر ذي المريلة البيضاء ( العامل دؤوب يتنقل من منضدة لأخرى حاملاً صينية  صغيرة عليها أكواب قهوة وأقداح ماء ممتلئة أو فارغة ) يعيد لمن يقرأ الروايات ويعشقها الى أجواء القرن التاسع عشر في واقع اوربي ، فرنسي أو انكليزي على وجه التحديد . فالمكان يحمل طابع مقاهي ذلك العصر . بعض الجلاس يرتدون البدلات ويعتمرون القبعات ، وآخرون بسدارات سوداء محاكاة لمن عاصر الملك فيصل الاول مؤسس الدولة العراقية عندما ارتدى السدارة  لأول مرة;  كواحدة من طرازات  كان الملك يترجل بها على أرض البلاط وفي جولاته المتعددة داخل بغداد ( لقد كان الملك يتفنن بارتداء الالبسة . فمرة يرتدي البزة العسكرية ، ومرةً الثياب البدوية بالعقال المقصب أو التقليدي المدوّر والكوفية البيضاء ، وأخرى بالبدلة الافرنجية حاسر الرأس .

كانت المرايا المستطيلة المؤطرة بالصاج المصقول بلون القهوة اللامع تحتل مساحات من جدران المقهى تعرض لمن يرفع نظره الثريات النمساوية المتدلية من السقف المرتفع وقد حافظت على جمالها رغم يقين انها لم تضاء منذ وقت طويل أو أن مصابيحها معطوبة ولم يبذل مالك المقهى جهدا في تبديلها . لعل الكثيرين يقفون الى جانبه انطلاقاً من أن المقهى لا يستمر مُشرع الابواب مساءً . فخدمة الزبائن تتوقف مع بدء غلق محلات شارع الرشيد ومغيب الشمس وحضور لحظات الغروب ، طاردةً مع تواصل ساعات الليل المارة من ارصفته باستثناء السكارى الذين تلفظهم بارات السعدون وأبي نؤاس ، والبارات الجديدة في شارع الخيام ، اولئك الذين يسكن معظمهم في شقق رطبة حائلة الجدران وضئيلة التهوية  في أزقة سيد سلطان علي وعقد النصارى وراس القرية والصابونجية  يعودون من اعمال مضنية تتجاوز الغروب رغم التوجه اليها فجراً ، أو المجانين الذين يفتقدون المأوى فيضطرون الى البحث عن مكان يلتجئون اليه لتمضية ليل الحك من القمل المعشش في طيات ملابسهم المتهرئة والبعوض المهوِّم على وجوههم وأطرافهم المكشوفة .

رفع  كفّاً يومىء للعامل ليجيء فيملي عليه طلباتهما. وكانت الصورة المعلقة على الجدار لأحمد حسن البكر ببدلة مدنية سوداء ورباط عريض يرفع يده يحيي جمهور مفترض وتحته بخط طباعي كُتب : رئيس الجمهورية العراقية .. من ورائي سمعت صوت شاب يجيب همساً على  سؤال زميل له يجالسه المنضدة : الذي يطالع الجريدة لا أعرفه ؛ أما صاحب الحقيبة فهو هاتف غازي .. هذا رجل لفَّ العالم . لا يخطر على بالك بلد إلا وزاره وعاش فيه صعلكة ما زال يمارسها حتى اليوم .

وأنا احصد الكلام رحتُ انظر اليه بعين اختلفت عن رؤيتها له عندما دخل ورفيقه . كان وهو يتكلم مع صاحبه الذي جلس قبالته ثم مع عامل المقهى وهو يضع أمامه قهوة مرة وقدح ماء افرغه في جوفه  سريعاً يطلق كلاماً يضحك له العامل ويقهقه الصديق بأعضاء جسد تهتز.  صار عندي أنه رجل يتحلّى بروح الدعابة ويطلق النكات بيسر جراء خبرات لا حدَّ لها اكتسبها ، ومواقف وفيرة واجهها ، وعاش تفاصيلها حتّى .

مواربة الباب من قبل شاب يحمل جرائد تتكوم على كتفه ويمسح بعينيه الجالسين علهم ينادون عليه حوَّل نظراتي عنه ، لاسيما والشاب اتجه مباشرة اليَّ مقدِّماً جريدة العراق كما لو أني طلبتها بلساني . أخرجت عشرين فلساً ونقدتها . تركني فرِحاً وراح يمر على المناضد .. شلة شيوخ مهندمين تتوالى حبّات مسابحهم الكهرب الصفراء الخضيبة باللون الأبيض أو اليسر المطعَّمة بنقاط الفضة الصافية أوحى لي وجودهم متحلّقين حول احدى الطاولات على انهم متقاعدون ، ذوو درجات عليا في الوظائف  يتخذون المقهى مكاناً للحوار فيما بينهم وطمأنينة تخلقها الكومونة الانسانية سواء داخل المقهى أو خارجه . ابتاع اثنان  منهم صحيفتين مختلفتين  وشرعا يفككانهما ويوزعان صفحاتها كي يشرع الجميع بالقراءة .. تركته لأقرأ العناوين الرئيسية بالحروف الكبيرة في الصفحة الاولى فأمر على خبر استقبال مبعوث الجامعة العربية ومناقشة ورقة عمل ما سيناقشه الرؤساء العرب في مؤتمرهم الذي سيعقد في الكويت    ؛ وخبر الانتحار الجماعي لـ900 من مريدي ” جيمي جونز” مؤسس معبد الشعوب واعتبار فعل الانتحار اكبر كارثة غير طبيعية تحيق بالحركة المدنية  .  ثم قلبت الصفحة الى الاخبار المحلية ، ثم الثقافية . ولم اكد اقلب الورقة إلى صفحة تراث وثقافة شعبية حتى سمعت من يقول :” رجاءً ، ممكن أسألك  “.. رفعت رأسي لأتأكد ان كان التساؤل موجّه لي أم لغيري . وعندما وجدت ابتسامة تفترش محياه وإشراق تبثه عيناه بحدقتيه الصفراوين غمرني الارتياح . انبثقت في القلب رغبة التكلم معه : نعم ، ماذا تأمر ؟ .. تهللت قسماته لكلماتي ، وأشرقت عيناه أكثر . قال : ارجوك انظر في صفحة تراث وثقافة شعبية موضوع ( في  ألمانيا أيتهم يعيشون) .. العناوين رسمت خيبة داخلي . تمنيت لو رأيت الموضوع فعلاً لأنهض ، وبحجة عرضه عليه اشاركه والصديق الجلسة والحديث . قلت للأسف لا يوجد . ” .. ” إذاً سيظهر غداً أو بعد غد ” . استدار يكلِّم صاحبه بعدما نلتُ منه كلمة ” شكراً ” .

أخذتني الصفحات ، وعزلتني عن جو المقهى  ، رحلت مع أخبار منتخبنا الوطني للشباب وهو يحتفي بفوزه على ايران باربعة اهداف مقابل ثلاثة ، ثم تهت مع اخبار الصفحة الاخيرة المنوعة . ولم انتبه إلا عليه يحمل نسخاً من كتاب يكلم المتحلقين حول مناضدهم في أقصى المقهى فيتناولون عدداً منها وينقدونه مالاً ، ثم يتجه إلى منضدة أخرى وروّاد آخرين . حتى إذا ادركني ابتسم ابتسامة عريضة . ” أنا موقن من شرائك لهذا .. رأيتك تلتهم أسطر الجريدة وتقلب صفحاتها .. حسبتك باليقين قارىء نهم . ” .. أخذته من يده . العنوان ( سفري وأسفاري )  . وفي الاسفل قرأت : هاتف غازي .. باندهاش سألته : هذا من تأليفك ؟ ” .. ” نعم !” وبشيء من المرارة قال : ولو ان الكتابة لعبة خاسرة كلعبة القمار لكن ماذا نفعل ، لا نستطيع التخلي عنها .. هل رأيت مقامراً ترك لعب القمار واستراح ؟ ” .

الديناران اللذان دفعتهما له كانا ثمينين لكني شعرت أن الكتاب يستحق .. سأقرؤه .. سأدخل عوالمه . عيناه الصفراوان اللتان كعيني نمر لابد تخفيان خلفهما الكثير من الخبايا . ذاكرته  تختزن جبالاً من الصور وأعاصير من الحوادث . هو الجوَّال ، كما سمعت قبل قليل ، الذي لا يهدأ في بلد إلا وغادر لآخر وجغرافية أخرى . حملقَ في وجهي .. ركز عينيه في عيني كأنه يبث فيهما سحر الصعلكة ، كأنه يخاطبهما كقرينين لعينيه الجوالتين اللتين شاهدتا ما لم يشاهده مائة شخص ، كأنه أدرك بحدس النفوس الموّارة للبحث والاكتشاف شبهي به . قال : أنت شاب ، وهذا الكتاب يفتح أمامك أبواب حب الترحال والتجوّل والمغامرة .. لا يوجد أجمل من المغامرة واكتــــــــــشاف العالم . “

كان الكتاب بثلاثمائة وعشرين صفحة من القطع الكبير . غلاف بسيط وورق أسمر شبيه بورق الجرائد ، طبع في مطبعة منزوية في شارع المتنبي ، وتولّت مكتبة الشطري توزيعه  .. كان الشطري نفسه – حسبما فهمت في ما بعد – يروج له بلسانه لرواد مكتبته ويبعث به مع مجموعة كتب يشحنها الى المحافظات انطلاقاً من تقدير أهمية هذه الشخصية المغامرة التي ينبغي للشباب العراقي التعرف عليها كي يتحلوا ببعض  خصالها ، وللشيوخ المقارنة مع حياتهم التي كثيراً ما كانت لا تتعدى في حركتها شوارع مدنهم والمدن القريبة على أبعد تقدير .

مشاركة