فصل من رواية لم تنشر بعد بعنوان ماتخيّله الحفيد  – مروان ياسين الدليمي       

مروان ياسين

  فصل من رواية لم تنشر بعد بعنوان ماتخيّله الحفيد 

– مروان ياسين الدليمي

بسم المحبة التي جمعتني معك

   لم أكن في يوم ما خاضعة إلا لإرادتي، هكذا تعلمت وتربيت في بيتنا وخاصة من قِبل والدي، فهو الذي كان يزِن الأمور بميزانه الخاص على غير ما يخطو الآخرين إذا ما واجهوا نفس الموقف، هل تعلم لماذا يا  سليمان؟، لأنهُ كان مولعا بالسفر، فمنذ أن اشتد عوده وأصبح شابا لم يجد أي معنى في أن يبقى ضمن دائرة جغرافية واحدة، ودائما ما كان يردد أمامنا بأن الحياة هناك، في مكان آخر ينتظرنا، ولا بدَّ من محاولة الوصول إليه، ولهذا كان دائم الترحال، وفي هذا المسار الشخصي الذي اختاره بإرادته ووعيه كانت المعرفة هي رأسماله الوحيد، والمعرفة من وجهة نظره لا يمكن الوصول إليها إلا في السفر، ولديه اعتقاد جازم بأن الكتب ليست إلا وسيلة متواضعة للحصول على المعرفة إن لم تقترن بالترحال، وحتى يحافظ على شغفه بالسفر اقتحم عالم التجارة، وتنقّل بين البلدان شرقا وغربا، وفي كل رحلة كان يعود منها، كنّا نجده محملا بقصص ومغامرات عاشها بنفسه، وأخرى سمعها من شخوصها وأبطالها الحقيقيين.

   لا أريد أن أطيل عليك، لكنني وجدت أن من الضروري الإشارة إلى  الأثر الذي تركه والدي فيَّ، حتى بدوت في نظر الآخرين فتاة متمردة، وهذا ما سمعته أكثر من مرة من زميلاتي في المعهد، ولا أخفيك سراً، كنت أود أن أسحبك إلى عالمي هذا، بعد أن وقعت في حبك ووجدت فيك من الخصال ما لم أجده لدى آخرين، لكنك لم تستطع أن تحلق بعيدا عن الدائرة التي تسكن داخلها، بل أنك لم تبذل أي جهد لتعانق المجهول، وبقيت مكتفيا بالبقعة التي وجدت نفسك فيها مذ أبصرت الحياة، وهذا ما كان يزيدني حيرة من أمرك، وللأسف الشديد لم تتجرأ أن تذهب أبعد مما هو مرسوما لك من قبل البيئة الاجتماعية التي تنتمي إليها.

  كم كنت أود أن تستجمع شجاعتك فتتخذ قرارا تمنح نفسك بموجبه، فرصة هدم كل الجدران التي كنت تركن خلفها، فتفلت من صحراء اللحظات التي أسرت نفسك فيها، بفعل العادات والتقاليد، وتبدأ في الاهتمام  بأحلامك  ومشاعرك، لا أن تبقى خاضعا بذاتك إلى ما تفرضه عليك ظروف الأسرة، نعم أنت جزء من عائلة مؤلفة من أم واشقاء وشقيقات لكنك مسؤول أمام   نفسك عن نفسك وعن تطلعاتك، وليس من المقبول أن تحطمها إكراما لعيون الآخرين، لأن لكل واحد منَّا في نهاية المطاف مساره في الحياة الذي سيفترق به عن خيارات الآخرين، وهذا قدرنا جميعا.

للأسف أنت لم تصل إلى اللحظة التي تدرك فيها أن خيارنا في هذه الحياة التي وجدنا أنفسنا فيها دون إرادتنا يكمن في حريتنا الفردية، بما نختاره من أزمنة وأمكنة نفتتن بها ونسعى للوصول إليها.

  يا سليمان أنت تركت في داخلي ألمًا لا أستطيع تجاهله عندما طلبت مني أن أتوقف عن زيارتك في المحل واللقاء بك، وفي الحقيقة أنا لم استوعب الأمر كما ينبغي، وتصورت أن المسالة لن تتعدى سوى مرحلة زمنية قصيرة ربما شهر أو شهرين، لكنني لم أحتمل إصرارك على أن لا نلتقي أبدا، حتى إنك طلبت مني أن لا أتصل بك عبر الهاتف، بحجة أن كل شيء كان يخضع للمراقبة، أنا لم أكن مقتنعة أبدًا بما اقدمت أنت عليه، لأنك حطمت روحي التي كانت تهفو للقياك، وأنت تعلم جيدا كم كنت أحبك، حتى إنني كنت أسأل نفسي عن سر هذا العشق الذي هبط علي فجأة دون سابق إنذار ولم أحاول أن أتحايل على روحي حتى أتفادى لهيبه رغم الحواجز التي كانت تمنع إمكانية أن يجتمع عربي مع فتاة كوردية في لظى فتنة الحب، ومع ذلك طردت كل الحراس من رأسي وقلبي وذاكرتي، وفتحت الأبواب كلها لتستولي على مملكتي.

   أكتب لك هذه الرسالة، وأنا أشعر بصراع عنيف في داخلي، بين تلك الفتاة العاشقة وبين المرأة التي تخون الرابطة المقدسة التي جمعتها مع زوجها لمجرد إنني أكتب إليك، اعذرني لأني لا أستطيع أن أخفي عليك هذه الحقيقة، فأنا منذ أن ارتبطت بزوجي آزاد قررت أن أقطع كل صلتي بماضيي، وأن أتفرغ لرعايته والعناية به، ليس شفقة عليه لكونه معاقا إنما لأنني بدأت أحبه فعلا، ولم أعد أرى فيه فقط ذلك الإنسان العاجز، بل يوما بعد آخر عثرت فيه على ما كنت أبحث عنه، وكأنني خرجت من تحت الرماد إلى النور، عندما اكتشفت معنى وجودي في الحياة معه، كل شيء في دنياي أصبح له معنى بوجوده، وأنا اليوم حريصة على أن أحميه مثلما أحمي روحي، فليس أعظم من أن تكتشف معنى السعادة عندما تجدها في عيون من تحبهم.

   آزاد ملأ الفراغ الذي كان يسكن روحي من بعد أن كانت مثل أرض جرداء لا نبت فيها.

  كلما حدقت في عينيه ووجدت بريق المحبة يشع منهما كلما شعرت برضا تام، وإحساس بالاطمئنان من إنني بلا خطيئة.

  كان عثوري على آزاد هبة من الله لأنني كنت ضائعة، فأرسله في طريقي ليكون مرشدي إلى الراحة النفسية، وفي اللحظة التي التقيته فيها صدفة، في الشارع الوحيد للقرية التي كنت أدرِّس فيها بينما كنت عائدة من المدرسة إلى البيت الذي أسكن فيه مع بقية المعلمات، لا أعلم ما الذي دفعني إلى أن أنظر إليه وابتسم بوجهه عندما وجدته جالسا أمام باب بيتهم على كرسيه المدولب الخاص بالمعاقين، في تلك اللحظة غاب عن تفكيري أنه معاق، ولما ابتسم هو الآخر تمكنت من فهم ما كانت تحمله ابتسامته من كلام كان يود أن يقوله لي.

  قد تستغرب إذا ما قلت لك بأنني وابتدأ من تلك الابتسامة أصبحت    أسيرة النقاوة التي كان يحملها في روحه، ولم تغب صورته عن ذاكرتي، حتى أن إحدى المعلمات التي كانت تشاركني الغرفة في السكن المخصص لنا نحن المعلمات القادمات من مدن مختلفة انتبهت إلى ذلك وقالت لي في إحدى الليالي: “من يراك، يظنك عاشقة” فارتعدت ساعتها، لأنني لم أكن مدركة إلى أي مدى قد أصابني العشق بسهامه حتى فضحني من غير أن أدري بنفسي.

     ولكن المفاجأة الأجمل كانت في أحد الأيام عندما وجدت شقيقته تنتظرني على مسافة قريبة من باب المدرسة حال خروجي بعد نهاية الدوام، ثم تقدمت مني وألقت علي التحية، وبادرتني قائلة بأن والدتها تود أن تتحدث معي، وتدعوني لزيارتهم في البيت، في البداية رفضت متحججة بأنني مرهقة وأود أن أرتاح، لكنها أصرت على الدعوة وأقنعتني بالذهاب معها بعد أن أشارت بيدها إلى بيتهم الذي لا يبعد عن سكننا سوى مسافة قليلة لا تتجاوز مائة متر، حاولتُ أثناء سيرنا أن أفهم منها الغرض من الدعوة، لكنها أقسمت لي بأنها لا تعلم، سوى أن والدتها طلبت منها ذلك ورجتها بأن لا تعود إلا وأنا معها.

    بقيت في حيرة من أمري، فأنا على الرغم من مرور عامين على وجودي في القرية إلا إنني لم أزر أي بيت فيها، رغم الاحترام والتقدير الذي كان يبديه لنا أهالي القرية من نساء ورجال، حيث لم يكونوا يبخلوا علينا بكل ما تجود به أرضهم من خيرات، وكان ذلك سببا رئيسا في أن أتحمل الغربة عن أهلي وعن المدينة بعد أن وجدت في القرية فضاء رحبا وفر لي السكينة  والهدوء، خاصة وإنني كنت قد سقطت عند حافتي اليأس والقنوط على أثر ابتعادك عني، ولولا وجودي في القرية وحالة السكينة التي وفرتها لي لربما انتهيت إلى اتخاذ قرار الانتحار، مع إنني في بداية مجييء عانيت كثيرا في التأقلم مع عالمها المحدود، إذ لم استطع أن أحتمل عدم ذهابي مع صديقاتي إلى وسط المدينة بين يوم وآخر وزيارة الأسواق والاطلاع على آخر الفساتين الحديثة المعروضة في الفاترينات أو الذهاب إلى  السينما ومدينة الألعاب برفقة عائلتي، حتى إنني في إحدى المرات لم أعد أحتمل حالة الضيق النفسي التي استولت علي، فما كان مني إلا أن فتحت خزانة الملابس وبدأت في رفعها وتجميعها على السرير استعداد لوضعها في الحقيبة والعودة إلى السليمانية، ولولا أن زميلتي في الغرفة تمكنت من تهدئتي وإقناعي من أن الأمور سوف تتغير في الأيام القادمة، وإنني سأعتاد على الحياة شيئا فشيئا، وذكرتني بأن معظمهن سبق أن مررن بمثل حالتها، ولكنهن تأقلمن على نمط العيش في القرية بعيدا عن توترات المدينة وما تعج به بيوتاتها من مشاكل، فأقنعتني بأن الفرصة مواتية هنا وليس في مكان آخر لكي أعيد النظر في كثير من الأمور التي لربما كانت تؤثر على حياتي.

   لا أخفي عليك شعوري بأنني تعرضت إلى خسارة فادحة عندما أنهيتَ علاقتنا، وليس بوسعي التظاهر بأنني قد طويت تلك الصفحة من حياتي، لأن ظلالها ما زالت عالقة في ذاكرتي ووجداني، وكان من الممكن أن أصل معك إلى ما كنت أسعى إليه من تقدم مستمر في مشوار العلمي في ما لو استمرت علاقتنا، لكن كل شيء طحنه قرار الفراق وتحول إلى صدى.

  ولكن لاح الأفق لي مرة أخرى مع آزاد، وبدأت تدب الحياة في روحي كلما تقدمت بنا الأيام، فإذا بشجرتنا تكبر وتنفذ أشعة الشمس من بين اغصانها، ولم يعد يعنيني أن الفرصة باتت معدومة أمامنا في أن يكون لنا أطفال بسبب حالة الشلل النصفي التي كان يعاني منها آزاد بعد أن نالت منه  شظية اخترقت ظهره وأصابت عموده الفقري أثناء ما كان جنديا يؤدي خدمته العسكرية خلال الحرب ضد إيران.

     آزاد أصبح طفلي وزوجي وحبيبي وأبي وأمي، هو الآن هدفي ووسيلتي في الحياة، ومن خلاله توصلت إلى  الشعور بالرضا والسعادة، فنحن من الممكن أن نعثر على الراحة بما لن يخطر على بالنا أبدا.

   هل تصدق بإنني شعرت بالحب يفيض مثل النهر في داخلي عندما استأجرت سيارة في صباح يوم ربيعي، بعد أن أقنعته بالنزول إلى وسط مدينة كركوك لشراء بعض الحاجيات، لا أستطيع أن أنسى جولتنا في الأسواق بينما هو جالس على كرسيه المدولب وأنا خلفه أدفعه، وفي داخلي شعور بالامتنان لأن الله منحني فرصة أن تنتظم حياتي على وقع فعل يتدفق منه الخير، ومن غير الممكن أن ينجزه أي شخص إلا إذا كان الحب يلامس قلبه، كنت في غاية السعادة في تلك اللحظات، ولم أعر أهمية لنظرات الاشفاق التي كنت أرصدها بطرف عيني في وجوه الناس وخاصة النساء، ولم يحظر في ذهني سوى وجه والدي، ونبرة صوته وهو يقول لنا: “لا تصغوا إلا لوجدانكم”، وانقضت ساعات جولتنا الثلاث وأنا يهزني فرح عميق لا يسمح لأي شيء أن يعكر مزاجي.

   لمّا عدنا مساء إلى بيتنا في القرية انتبهت إلى أن آزاد قد لاذَ بصمت غريب، وفكرت لربما كان متعبا من الرحلة، لذا لم أعر أهمية كبيرة للموضوع، خاصة وإنني كنت مشغولة في تهيئة الحمَّام حتى يغتسل قبل أن نجتمع على مائدة العشاء، وفي ساعة متأخرة من بعد منتصف الليل وجدته مستيقظا في السرير وكان نظره سارحا في مكان بعيد، فخشيت من أنه لربما يعاني من مشكلة صحية منعته من النوم، وحتى عندما أخبرني بأنه لا يشكو من شيء يتعلق بصحته، لم أقتنع بإجابته، ولما زاد الحاحي عليه بضرورة أن يكشف لي عما يشغل تفكيره، وجدته يقول لي: “أرجو أن تفهميني جيدا يا حبيبتي، ولا تسيء الظن في ما سأقوله”، حينها أيقنت من أن هناك مسالة تدعو للارتياب وعلي أن استعد لها، “أنا ثقتي بكَ أكبر من أن تستوعبها الكلمات”، كانت إجابتي ليست من باب المجاملة، أو محاولة مني لاستدراجه حتى يبوح ما بداخله، إنما عن إيمان، فأنا على يقين من ثقته بي، فإذا به يمسك كفي ويقبلها، ثم رفع رأسه ونظر إلى وجهي وأخذ يتأملني مثل من يحاول أن يحتفظ بآخر صورة لوجه يحبه، ولمّا وجدني على وشك الانهيار وأنا أتارجح ما بين القلق والانتظار قال لي: “أنت أطفأت نار الحسرة التي كانت تأكلني كلما أرى البشر يمشون على أقدامهم، وبدأت أسترخي شيئا فشيئا إلى أن بدأت أشاطر الناس فرحهم وسعادتهم في حياتهم اليومية، والفضل كله يعود لك وحدك لأنك أعدت اكتشافي من جديد، وأظهرت لي حقيقتي الداخلية التي كنت أجهلها، ولكنني اليوم وبينما كنت خلفي تدفعين كرسيي وجدت نفسي كم كنت أنانيا معك، عندما حرمتك من أن تعيشي حياتك وأنت ما زلت شابة وجعلتك تكرسين بقية عمرك في خدمتي، ولهذا أنا أترك لك الحرية في أن تتخذي أي قرار حول مستقبل حياتنا، مهما بدا أثره قاسيا عليّ، فالمهم بالنسبة لي أن تكون سعيدة، وتعيشي حياتك مثل بقية النساء، ولست ملزمة بأن تدفني شبابك في رعايتي وتنظيفي وخدمتي، بينما الفتيات في مثل عمرك يعانقن النهارات والليالي بايقاعات سريعة متدفقة مثل حيوية أمالهن”.        بعد تلك الليلة امتلأتُ بطاقة من الشعور بالأمان لا حدود لها، ربما لا تشاطرني بها أي امرأة على وجه الأرض ، فقد أيقنت ساعتها من إنني في عهدة رجل يجدني في كل ذرة هواء يتنشقها، ولن أعثر على السعادة بعيدا عنه.      أخيرا يا سليمان….. أرجو لك حياة آمنة .

مشاركة