فصل من رواية: الاسم‭ ‬الأخر‭ ‬للمستحيل‭ ..‬النقمة‭ ‬والعزلة‭ ‬- محمد تميم

2077
غلاف الرواية

‭ ‬الإهداء

إلى‭ ‬الراحل‭ ‬النبيل‭ ‬سعيد‭ ‬،،‭… ‬ورقية‭ ‬نخلة‭ ‬العراق،،‭… ‬وروحي‭ ‬زهراء‭ ‬وخالد‭ ‬وهما‭ ‬يرفلان‭ ‬بأثواب‭ ‬الشهادة‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الخلود،،‭…. ‬وأو‭ ‬ﻻدهما‭ ‬في‭ ‬رحلة‭ ‬الشقاء‭ ‬والفزع‭ ‬،،‭ ‬وكل‭ ‬من‭ ‬عاش‭ ‬حاﻻت‭ ‬الرعب‭ ‬والظلام‭ ‬ودمار‭ ‬الروح‭ ‬وارتفع‭ ‬قلبه‭ ‬من‭ ‬نيران‭ ‬القتل‭ ‬والنزوح‭ ‬والتهجير‭ ‬وعانى‭ ‬من‭ ‬ظلام‭ ‬ذلك‭ ‬ومن‭ ‬فقدان‭ ‬الثقة‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬السلطة‭ ‬وكل‭ ‬من‭ ‬خوفّ‭ ‬وهجرّ‭ ‬وظلم‭ ‬وشردّ‭ ‬وعذب‭ ‬قلباً‭ ‬وروحاً،،‭ ‬اهدي‭ ‬هذه‭ ‬الشهادة‭ ‬التي‭ ‬تحكي‭ ‬تاريخ‭ ‬الروح‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الجحيم‭ .‬

1

في‭ ‬ساعة‭ ‬مبكرة‭ ‬من‭ ‬صباح‭ ‬يوم‭ ‬تشريني‭ ‬أيقظني‭ ‬صوت‭ ‬عمي‭ ‬وهو‭ ‬يحرضني‭ ‬بقوة‭ ‬على‭ ‬النهوض‭ ‬للذهاب‭ ‬إلى‭ ‬مدينة‭ ‬الموصل‭ . ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬الصباح‭ ‬هادئاً‭ ‬لا‭ ‬يختلف‭ ‬عن‭ ‬صباحات‭ ‬قريتنا‭ ‬التي‭ ‬تغفو‭ ‬على‭ ‬ضفاف‭ ‬نهر‭ ‬الزاب‭ ‬الصغير‭ , ‬أصوات‭ ‬الطيور‭ ‬ورائحة‭ ‬المزروعات‭ ‬تزاحم‭ ‬الحواس‭ ‬وتشجع‭ ‬على‭ ‬النهوض‭ ‬لإستيعاب‭ ‬طاقة‭ ‬من‭ ‬جمال‭ ‬الطبيعة‭ ‬الذي‭ ‬يقترن‭ ‬بحركة‭ ‬أهل‭ ‬القرية‭ ‬وقد‭ ‬اعتادوا‭ ‬على‭ ‬النهوض‭ ‬المبكر‭ ‬حتّى‭ ‬أنَ‭ ‬بعضهم‭ ‬ينتقد‭ ‬رجولتك‭ ‬لأنك‭ ‬تبقى‭ ‬في‭ ‬فراشك‭ ‬والشمس‭ ‬قد‭ ‬أشرقت‭ . ‬

  ‬يبدو‭ ‬أنّي‭ ‬قد‭ ‬غفوت‭ ‬في‭ ‬ساعات‭ ‬الليل‭ ‬الأخيرة‭ , ‬فقد‭ ‬أحضرت‭  ‬ملابسي‭ ‬الجديدة‭ , ‬واستغرقني‭ ‬السهر‭ ‬وحامت‭ ‬حول‭ ‬رأسي‭ ‬أفكار‭ ‬وصور‭ ‬شتّى‭ . ‬نهضت‭ ‬بسرعة‭ ‬وكأني‭ ‬تذكرت‭ ‬أمراً‭ ‬مهماً‭ , ‬رمقني‭ ‬عمي‭ ‬بنظرات‭ ‬حادة‭ ‬ثمّ‭ ‬توجّه‭ ‬إلى‭ ‬زوجته‭ ‬وطلب‭ ‬منها‭ ‬إعداد‭ ‬الفطور‭ ‬لي‭ ‬لكي‭ ‬أتعجل‭ ‬الانطلاق‭ . ‬لم‭ ‬أزر‭ ‬مدينة‭ ‬الموصل‭ ‬إلا‭ ‬مرّة‭ ‬واحدة‭ ‬في‭ ‬سفرة‭ ‬مدرسية‭ ‬عندما‭ ‬كنت‭ ‬طفلاً‭ , ‬وأكاد‭ ‬لا‭ ‬أتذكر‭  ‬تفاصيل‭ ‬أمكنتها‭ ‬التي‭ ‬مررت‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬حينها‭ , ‬حيث‭ ‬تمثّل‭ ‬المدن‭ ‬كالموصل‭ ‬وكركوك‭ ‬ومضات‭ ‬من‭ ‬حلم‭ ‬ينتاب‭ ‬ذاكرة‭ ‬أبناء‭ ‬القرى‭ … ‬فالمدن‭ ‬الكبرى‭ ‬تحفل‭ ‬بالصخب‭ ‬والسحر‭ ‬والمتعة‭ ‬وزحام‭ ‬السيارات‭ ‬والبنايات‭ ‬العالية‭ ‬ودوائر‭ ‬الدولة‭ ‬وأزياء‭ ‬النساء‭ ‬المبهرة‭ ‬في‭ ‬المحلات‭ ‬وحركة‭ ‬الناس‭ ‬وهم‭ ‬يسيرون‭ ‬بإيقاع‭ ‬سريع‭ ‬يختلف‭ ‬عن‭ ‬إيقاع‭ ‬القرية‭ ‬الوادعة‭ ‬حتّى‭ ‬أنّ‭ ‬الكثير‭ ‬لا‭ ‬يأمن‭ ‬أو‭ ‬يعتاد‭ ‬المدن‭ ‬بسهولة‭ … ‬فالمدن‭ ‬أسرار‭ ‬وأغوار‭ . ‬

  ‬قدمت‭ ‬لي‭ ‬رقية‭ ‬ابنة‭ ‬عمي‭ ‬الإفطار‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬القت‭ ‬علي‭ ‬تحية‭ ‬الصباح‭ ‬وسارت‭ ‬باتجاه‭  ‬اخويها‭ ‬حارث‭ ‬وفاضل‭ ‬لتقديم‭ ‬الإفطار‭ ‬لهما‭ , ‬لينطلقا‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬مع‭ ‬أبيهما‭ ‬لرعاية‭ ‬شؤون‭ ‬الحقل‭ ‬والزراعة‭ , ‬بعد‭ ‬أنّ‭ ‬تركا‭ ‬الدراسة‭ . ‬خرجتُ‭ ‬من‭ ‬الدار‭ ‬بسرعة‭ ‬لكي‭ ‬أحصل‭ ‬على‭ ‬وسيلة‭ ‬نقل‭ ‬تقلني‭ ‬إلى‭ ‬مدينة‭ ‬كركوك‭ , ‬ومنها‭ ‬سأتوجه‭ ‬إلى‭ ‬مدينة‭ ‬الموصل‭ . ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأيّام‭ ‬من‭ ‬أيّام‭ ‬تشرين‭ ‬الصفراء‭ ‬تبدأ‭ ‬صرصرة‭ ‬الريح‭ ‬بشكل‭ ‬حفيف‭ , ‬ويعقبها‭ ‬شعاع‭ ‬الشمس‭ , ‬كأنّنا‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬شباط‭ , ‬ربما‭ ‬لا‭ ‬فرق‭ ‬ففي‭ ‬شهر‭ ‬شباط‭ ‬يتنازع‭ ‬الزمن‭ ‬ويفكّ‭ ‬ما‭ ‬علق‭ ‬من‭ ‬شعر‭ ‬الشتاء‭ ‬في‭ ‬أشواك‭ ‬الصيف‭ , ‬وفي‭ ‬تشرين‭ ‬يتنازع‭ ‬الزمن‭ ‬لينزع‭ ‬ثياب‭ ‬الصيف‭ ‬والخريف‭ ‬الخفيفة‭ ‬ويدخل‭ ‬في‭ ‬سبات‭ ‬الشتاء‭ ‬القاسي‭ . ‬كانت‭ ‬حواسي‭ ‬وذاكرتي‭ ‬متيقظة‭ ‬وكأنّي‭ ‬أنقش‭ ‬هذه‭ ‬الساعات‭ ‬في‭ ‬أعماقي‭ ‬فهو‭ ‬اليوم‭ ‬الأول‭ ‬الذي‭ ‬سألتحق‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬الموصل‭ ‬،‭ ‬وكنت‭ ‬متلهفاَ‭ ‬وكلي‭ ‬حماس‭ ‬للولوج‭ ‬إليها‭ , ‬فقد‭ ‬رسمت‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬مخيلتي‭ ‬أشياء‭ ‬كثيرة‭ ‬،‭ ‬تصوّرت‭ ‬أنّها‭ ‬مكان‭ ‬الحب‭ ‬وبيئة‭ ‬العواطف‭ ‬،‭ ‬مكان‭ ‬اللقاء‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬الوعي‭…‬كثيراً‭ ‬ما‭ ‬امتدّ‭ ‬بي‭ ‬الخيال‭ ‬إليها‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬مضى‭ ‬لأعيش‭ ‬فيها‭ ‬اجمل‭ ‬أيّام‭ ‬العمر‭ . ‬كنتُ‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬قد‭ ‬انطلقت‭ ‬بسيارة‭ ‬من‭ ‬مرآب‭ ‬سيارات‭ ‬الأجرة‭ ‬الواقع‭ ‬في‭ ‬الجزء‭ ‬الشرقي‭ ‬من‭ ‬مدينة‭  ‬كركوك،‭ ‬صادف‭ ‬دخولي‭ ‬إلى‭ ‬المرآب‭ ‬لحظة‭ ‬بزوغ‭ ‬الشمس‭ ‬ورأيت‭ ‬خيوطها‭ ‬كأنّي‭ ‬أراها‭ ‬أول‭ ‬مرّة‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أنّ‭ ‬نور‭ ‬الشمس‭ ‬صديقي‭ ‬في‭ ‬قريتي‭ ‬التي‭ ‬أعيش‭ ‬فيها‭ ‬فقد‭ ‬كنّا‭ ‬نسابق‭ ‬شروقها‭ ‬في‭ ‬سن‭ ‬الصبا‭ ‬لإكمال‭ ‬الأعمال‭ ‬البسيطة‭ ‬التي‭ ‬توكل‭ ‬لنا‭ ‬ففي‭ ‬الريف‭ ‬مطلوب‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬منا‭ ‬ان‭ ‬يقوم‭ ‬بعمل‭ ‬ما‭ , ‬مثل‭ ‬رعي‭ ‬الأغنام‭ ‬أو‭ ‬الخرفان‭ ‬الصغيرة‭ ‬أو‭ ‬سقي‭ ‬الحشائش‭ ‬أو‭ ‬الزرع‭ ‬أو‭ ‬أيّ‭ ‬شيء‭ ‬آخر‭, ‬كنّا‭ ‬نسابق‭ ‬الشمس‭ ‬لكي‭ ‬نغادر‭ ‬لهيبها‭ ‬الحار‭ ‬قبل‭ ‬اشتداده‭ ‬وننجو‭ ‬من‭ ‬أتونها‭ ‬المحرق‭.‬

    ‬في‭ ‬أشهر‭ ‬الصيف‭ ‬القائظ‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الهروب‭ ‬من‭ ‬الشمس‭ ‬هدفاَ‭  ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يبدأ‭ ‬العرض‭ ‬الصباحي‭ ‬لأفلام‭ ‬الكارتون‭ ‬لكي‭ ‬لا‭ ‬يفوتنا‭ ‬ما‭ ‬يعرض‭ ,‬فقد‭ ‬كنّا‭ ‬نحرص‭ ‬على‭ ‬متابعتها‭ ‬عندما‭ ‬يبدأ‭ ‬العرض‭ ‬في‭ ‬العاشرة‭ ‬صباحاً‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ . ‬دخلت‭ ‬المرآب‭ ‬بدت‭ ‬لي‭ ‬الشمس‭ ‬وكأن‭ ‬لونها‭ ‬قد‭ ‬تغيّر،‭ ‬احمرأرها‭ ‬لحظة‭ ‬الشروق‭ ‬مختلف‭ ‬بدأت‭ ‬تأخذ‭ ‬مداها‭ ‬مرتفعة‭  ‬من‭ ‬بين‭ ‬الأزقة‭ ‬والدور‭ ‬المكتظة‭ , ‬شدّني‭ ‬لونها‭ ‬وشعرت‭ ‬أنّ‭ ‬شعاعها‭ ‬قد‭ ‬اختلط‭ ‬برائحة‭ ‬الشواء‭ ‬للمطاعم‭ ‬الصغرى‭ ‬التي‭ ‬تحيط‭ ‬بالمرآب‭ ,‬

‭ ‬كان‭ ‬إحساساً‭ ‬غريباً‭. ‬قطعت‭ ‬لحظة‭ ‬استغراقي‭ ‬في‭ ‬التفكير‭ ‬بالشمس‭ ‬ورائحة‭ ‬الشواء‭ ‬والازقة‭ ‬صرخات‭ ‬صياح‭ ‬المنادي‭ ‬الذي‭ ‬يصدح‭ ‬صوته‭ ‬مناديا‭ ‬موصل‭ .. ‬موصل‭ ..‬موصل‭ . ‬واحد‭ ‬طالع‭ ‬موصل‭ ‬–‭ ‬ابتهجت‭ ‬بصوت‭ ‬المنادي‭ ‬وبنوع‭ ‬من‭ ‬التردد‭ ‬والخجل‭ ‬لا‭ ‬أعلم‭ ‬ما‭ ‬مصدره،‭ ‬يطرق‭ ‬بابنا‭ ‬الخجل‭ ‬في‭ ‬لحظات‭ ‬غير‭ ‬متوقعة‭ ,‬أحمل‭ ‬بيدي‭ ‬أو‭ ‬راقاَ‭ ‬داخل‭ ‬حقيبة‭ ‬صغيرة‭ ‬وأومأت‭ ‬برأسي‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬أتكلم‭ ‬وصاح‭ ‬عليِ‭ ‬هل‭ ‬أنت‭ ‬ذاهب‭ ‬إلى‭ ‬الموصل‭ ‬أجبت‭ …‬نعم‭ … ‬مشى‭ ‬مسرعاً‭ ‬أمامي‭ ‬وفتح‭ ‬الباب‭ ‬وقد‭ ‬وضعت‭ ‬جسمي‭ ‬داخل‭ ‬السيارة‭ ,‬اغلق‭ ‬الباب‭ ‬وانطلقت‭ ‬السيارة‭ ‬بين‭ ‬سرعة‭ ‬وتوقف‭ ‬في‭ ‬احيان‭ ‬للتفتيش‭ ‬في‭ ‬النقاط‭ ‬العسكرية‭ ‬المنتشرة‭ ‬على‭ ‬طول‭ ‬الطريق‭, ‬لا‭ ‬أعلم‭ ‬ما‭ ‬سببها‭ ‬لكنها‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬المعتاد‭ . ‬وأكثر‭ ‬مما‭ ‬أرى‭ ‬عندما‭ ‬اتنقل‭ ‬بين‭ ‬البلدات‭ ‬والمدينة‭ ‬التي‭ ‬أعيش‭ ‬فيها‭ . ‬فما‭ ‬زال‭ ‬التوتر‭ ‬والترقب‭ ‬والمخأوف‭ ‬تملأ‭ ‬الأجواء‭ ‬ومازال‭ ‬رماد‭ ‬الحرب‭ ‬ينتشر‭ ‬في‭ ‬الافاق‭ , ‬وقد‭ ‬بدأت‭ ‬بوادر‭ ‬الحصار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الدولي‭ ‬تثقل‭ ‬كاهل‭ ‬الناس‭ ‬وهم‭ ‬يهرولون‭ ‬مثل‭ ‬هرولة‭ ‬عسكرية‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬لقمة‭ ‬العيش‭ , ‬واعتادوا‭ ‬على‭ ‬رفع‭ ‬أوراق‭ ‬العملة‭ ‬ليتأكدوا‭ ‬من‭ ‬أنّها‭ ‬عملة‭ ‬حقيقية‭ ‬أم‭ ‬أنّها‭ ‬مزورة‭! ‬فالحرب‭ ‬الاقتصادية‭ ‬أكثر‭ ‬طعناً‭ ‬في‭ ‬الخاصرة‭ ‬من‭ ‬حرب‭ ‬الخنادق‭ ‬والسواتر‭ … ‬فالحرب‭ ‬ضحاياها‭ ‬الجنود‭ ‬أما‭ ‬العقوبات‭ ‬فضحيتها‭ ‬الشعب‭ ‬وقوت‭ ‬الناس‭ .‬

  ‬بعد‭ ‬حوالي‭ ‬ساعتين‭ ‬دخلنا‭ ‬مدينة‭ ‬الموصل‭ ‬وأوقف‭ ‬السائق‭ ‬السيارة‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬مزدحمة‭ ‬تكاد‭ ‬تتشابك‭ ‬فيها‭ ‬الأصوات‭ ‬وتختلط‭ ‬عليك‭ ‬لحظات‭ ‬التَرقّب‭ ‬والوصول‭ ,‬التفت‭ ‬الينا‭ ‬السائق‭ ‬وقال‭: ‬وصلنا‭ ‬تفضلوا‭ .. ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬المزدحمة‭ ‬أذهلتني‭ ‬للوهلة‭ ‬الأولى‭. ‬لم‭ ‬أرها‭ ‬حتّى‭ ‬في‭ ‬الأحلام‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬انشغالي‭ ‬في‭ ‬التفكير‭ ‬بها‭ , ‬إحساس‭ ‬الوجل‭ ‬من‭ ‬القادم‭  ‬شرَدّ‭ ‬ذهني‭ ‬وخرج‭ ‬عن‭ ‬حفظ‭ ‬المسارات‭ ‬المؤدية‭ ‬إلى‭ ‬المسار‭ ‬الذي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬أنساه‭ , ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬لقنت‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬أقربائي‭ ‬وخاصّة‭ ‬الطلاب‭ ‬الذين‭ ‬سبقوني‭ ‬إلى‭ ‬الجامعة‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬تعاملي‭ ‬وحيث‭ ‬أنّهم‭ ‬شرحوا‭ ‬لي‭ ‬كلّ‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬لحظة‭ ‬كراء‭ ‬التكسي‭ ‬إلى‭ ‬كيفية‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬السواق‭ ‬وغير‭ ‬ذلك‭.   ‬اشّرت‭ ‬بيدي‭ ‬لسيارة‭ ‬التكسي‭ ‬وقد‭ ‬توقفت‭ ‬بشكل‭ ‬سريع‭ ‬وتجأوزني‭ ‬السائق‭ ‬ببضعة‭ ‬أمتار‭ ‬ليعود‭ ‬بسيارته‭ ‬إلى‭ ‬الوراء‭ ‬ويكون‭ ‬أمامي‭ ‬ليسألني‭ ‬،‭ ‬إلى‭ ‬أين‭ ‬أنت‭ ‬ذاهب‭ ‬؟‭ ‬أجبت‭ ‬إلى‭ ‬الجامعة‭ ‬،‭ ‬فأكمل‭ ‬هو‭ ((‬أصعد‭)) ‬قلت‭ ‬له‭: ‬كم‭ ‬تأخذ‭ ‬أجرة؟‭ ‬رد‭ ‬وقال‭: ‬أصعد‭ ‬لن‭ ‬نختلف‭ ‬ورفضت‭ ‬الصعود‭ ‬الاّ‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يحدّد‭ ‬السعر‭ ‬هذا‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الخطة‭ ‬التي‭ ‬أوصوني‭ ‬بها‭ ‬لكي‭ ‬لا‭ ‬يستغلني‭ ‬،‭ ‬وقال‭: ‬أريد‭ ‬ديناراً‭ ‬ونصف‭ …‬قلت‭ ‬له‭ ‬كثير‭ ‬فالأجرة‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬الدينار‭ ‬بأيّ‭ ‬حال‭ …‬قال‭: ‬أصعد‭ .‬وانطلق‭ ‬بي‭ ‬وبعد‭ ‬عشرين‭ ‬دقيقة‭ ‬توقف‭ ‬أمام‭ ‬باب‭ ‬كبير‭ ‬تزينه‭ ‬لوحة‭ ‬كبيرة‭ ‬خطّت‭ ‬عليها‭ ‬بحروف‭ ‬كبيرة‭ ‬عبارة‭ .. ‬جامعة‭ ‬الموصل‭ ‬ترحب‭ ‬بكم‭ … ‬دفعت‭ ‬له‭ ‬الأجرة‭ ‬ونزلت‭, ‬سرت‭ ‬قليلاً‭ ‬لكي‭ ‬أدخل‭ ‬من‭ ‬الباب‭ , ‬لدي‭ ‬بعض‭ ‬التردّد‭ ‬والقلق‭ ‬فأنا‭ ‬لم‭ ‬أدخل‭ ‬في‭ ‬الثامنة‭ ‬عشرة‭ ‬من‭ ‬عمري‭ ‬بعد‭ ‬ولم‭ ‬أواجه‭ ‬موقفاً‭ ‬مربكاً‭ ‬في‭ ‬المدينة‭ ‬المزدحمة‭ ‬بمفردي‭.‬

  ‬في‭ ‬أعوامي‭ ‬التي‭ ‬سبقت‭ ‬قدومي‭ ‬إلى‭ ‬المدينة‭ ‬كنت‭ ‬بصحبة‭ ‬عمي‭ ‬وكان‭ ‬يأخذني‭ ‬في‭ ‬السنة‭ ‬مرتين‭ ‬أو‭  ‬ثلاث‭ ‬مرات‭ ‬مع‭ ‬أولاده‭ ‬لشراء‭ ‬الملابس‭ ‬أو‭ ‬لمجرد‭ ‬الاستكشاف‭ ‬أو‭ ‬للحلاقة‭ ‬وهي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬السبب‭ ‬الرئيس‭ ‬فإن‭ ‬الحلاقة‭ ‬في‭ ‬الريف‭ ‬تكون‭ ‬أشبه‭ ‬بالحفلة‭ ‬يتمرّس‭ ‬عليها‭ ‬شخص‭ ‬ويجمع‭ ‬الأطفال‭ ‬مثل‭ ‬القطيع‭ ‬ويبدأ‭ ‬بقص‭ ‬الشعر‭, ‬طبعاً‭ ‬لامجال‭ ‬للقصات‭ ‬والتعديلات‭ ‬المنسجمة‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬متناسقة‭, ‬المهم‭ ‬ان‭ ‬نتخلص‭ ‬من‭ ‬شعر‭ ‬رؤوسنا‭ ‬بأيّ‭ ‬طريقة‭ ‬كانت‭ ‬وكثيراً‭ ‬ما‭ ‬ترى‭ ‬رؤوس‭ ‬الأطفال‭ ‬تعتريها‭ ‬التموجات‭ ‬التي‭ ‬تشبه‭ ‬سنابل‭ ‬الشعير‭ ‬قبل‭ ‬الحصاد‭ ‬عندما‭ ‬تداهمها‭ ‬نسمة‭ ‬الريح‭ .‬

استغرق‭ ‬بي‭ ‬الخيال‭ ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬ومحل‭ ‬الحلاقة‭ ‬الجماعي‭ ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬كنت‭ ‬قد‭ ‬وصلت‭ ‬الباب‭ ‬ودخلت‭ ‬غرفة‭ ‬ليقابلني‭ ‬موظف‭ ‬نهض‭ ‬من‭ ‬مكانه‭ ,‬طويل‭ ‬مفتول‭ ‬العضلات‭ ‬يتدلّى‭ ‬شارباه‭ ‬حتّى‭ ‬ذقنه‭ ‬وقال‭ ‬بصيغة‭ ‬الأمر‭:‬

‭ –  ‬ماذا‭ ‬تريد؟‭ ‬

أجبت‭:‬

‭-  ‬انا‭ ‬طالب‭ ‬جديد‭ ‬مقبول‭ ‬في‭ ‬كلية‭ ‬التربية‭ ‬وقد‭ ‬أتيت‭ ‬للتسجيل‭ .‬

قال‭ :‬

‭ .. ‬تعال‭. ‬ومشيت‭ ‬وراءه‭ ‬بضعة‭ ‬أمتار‭ ‬ثمّ‭  ‬توقف‭ ..‬

‭ ‬قال‭:‬

‭- ‬هل‭ ‬ترى‭ ‬تلك‭ ‬البناية‭ ‬العالية‭ ‬الكبيرة‭ ‬على‭ ‬اليسار؟‭ ‬

قلت‭:‬

‭- ‬نعم

‭ ‬قال‭:‬

‭ ‬هذه‭ ‬هي‭ ‬كلية‭ ‬التربية‭ . ‬فاذهب‭.‬

  ‬انطلقت‭ ‬أقطع‭ ‬شارع‭ ‬الجامعة‭… ‬وصلت‭ ‬البناية‭ ‬وسرت‭ ‬باتجاهها‭ ‬حتّى‭ ‬دخلتها‭ ‬ثمّ‭ ‬تقدم‭ ‬باتجاهي‭ ‬موظف‭ ‬استعلامات‭ ‬خمسيني‭ ‬كان‭ ‬يضع‭ ‬على‭ ‬رأسه‭ ‬قبعة‭ ‬قائلاً‭ : ‬تفضل‭ , ‬كانت‭ ‬نبرته‭ ‬اهدأ‭ ‬من‭ ‬الشخص‭ ‬الذي‭ ‬سبقه‭ .. ‬

أجبت‭ :‬

‭- ‬أريد‭ ‬التسجيل‭ … ‬

قال‭:‬

‭-  ‬إذهب‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الممر‭ ‬هناك‭ ‬قاعة‭ ‬كبيرة‭ ‬رقمها‭ (‬103‭) ‬أدخل‭ ‬في‭ ‬القاعة‭ ‬وستجد‭ ‬لجنة‭ ‬التسجيل‭ ‬هناك‭ . ‬ذهبت‭ ‬إلى‭ ‬هناك‭ ‬ووجدت‭ ‬منضدة‭ ‬طويلة‭ ‬يجلس‭ ‬عليها‭ ‬خمسة‭ ‬من‭ ‬بينهم‭ ‬سيدة‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬العمر‭ ‬تضع‭ ‬نظارة‭ ‬على‭ ‬أطراف‭ ‬أنفها‭ ‬وكانت‭ ‬ممتلئة‭ ‬الجسم‭ ,‬التفتت‭ ‬إليّ‭ ‬وقالت‭: ‬تعال‭ ‬أين‭ ‬أوراقك؟‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تسالني‭ ‬ماذا‭ ‬تريد‭ ‬وكأنّها‭ ‬تنتظرني‭ ….‬

سألت‭:‬

‭-  ‬أين‭ ‬هويتك‭ ‬ورقمك‭ ‬الامتحاني؟‭ ‬أعطيتها‭ ‬ما‭ ‬طلبت‭ ‬ودققت‭ ‬في‭ ‬القوائم‭ ‬التي‭ ‬تحت‭ ‬يدها‭ ‬ووضعت‭ ‬خطاً‭ ‬تحت‭ ‬إسمي‭ ‬طلبت‭ ‬مني‭ ‬وثيقة‭ ‬التخرج‭ ‬من‭ ‬الثانوية‭ ‬والفحص‭ ‬الطبي‭ ‬وبعض‭ ‬الأوراق‭ ‬الأخرى‭. ‬سجلت‭ ‬إسمي‭ ‬في‭ ‬السجل‭ ‬

وقالت‭: ‬

‭- ‬أنتظر‭ ‬هناك‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬القاعة‭ ‬لكي‭ ‬تقابل‭ ‬اللجنة‭ ‬التي‭ ‬تقرّر‭ ‬بعدها‭ ‬قبولك‭ ‬في‭ ‬الكلية‭ ‬من‭ ‬عدمه‭ . ‬ذهبت‭ ‬وجلست‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬القاعة‭ .‬

    ‬جلست‭ ‬بقربي‭ ‬فتاة‭ ‬سمراء‭ ‬طويلة‭ ‬شعرها‭ ‬حني‭ ‬مائل‭ ‬إلى‭ ‬الاحمرار‭ ‬تمتلك‭ ‬عينين‭ ‬كبيرتين‭. ‬تمنيت‭ ‬لحظتها‭ ‬أن‭ ‬أتحدث‭ ‬إليها‭. ‬تملكتني‭ ‬الأمنية‭ ‬بذلك‭ ‬وربما‭ ‬سبب‭ ‬ذلك‭, ‬ما‭ ‬سمعته‭ ‬عن‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬قصص‭ ‬الحب‭ ‬الرومانسي‭ ‬في‭ ‬الجامعة‭ ‬وكيف‭ ‬كانت‭ ‬نهاية‭ ‬أغلبها‭ … ‬حررتني‭ ‬أمنيتي‭ ‬مراراً‭ ‬لكن‭ ‬الخوف‭ ‬والتردّد‭ ‬والخجل‭ ‬كبلني‭ ‬مرات‭ ‬كانت‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬الأمنية‭ ‬التي‭ ‬سرى‭ ‬عبقها‭ ‬في‭ ‬وجداني‭ .. ‬لم‭ ‬أستطع‭ ‬أن‭ ‬اكسر‭ ‬جدار‭ ‬الصمت‭ ‬الذي‭ ‬ساد‭ ‬بيننا‭, ‬حاولت‭ ‬أن‭ ‬أعرف‭ ‬اسمها‭, ‬تلصصت‭ ‬على‭ ‬أوراقها‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تحملها‭ ‬في‭ ‬يدها‭ ‬لعلي‭ ‬أظفر‭ ‬باسمها‭ ‬لكن‭ ‬دون‭ ‬جدوى‭….‬إحساس‭ ‬نابع‭ ‬من‭ ‬الأعماق‭ ‬يشدّني‭ ‬إليها‭ ‬شعرت‭ ‬أنّها‭ ‬مثل‭ ‬ريح‭ ‬الصباح‭ ‬الشذية‭ ‬بالأمل‭ ‬والمعمّدة‭ ‬بالتفاؤل‭ ‬أمعنت‭ ‬النظر‭ ‬كثيراً‭ ‬وأنا‭ ‬أرقبها،‭ ‬لحظات‭ ‬لا‭ ‬أريد‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تنتهي‭, ‬استغرقت‭ ‬في‭ ‬عينها‭ ‬في‭ ‬صمت‭ ‬عميق‭ ‬ولم‭ ‬اكن‭ ‬أشعر‭ ‬فيما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬القاعة‭ ‬عندها‭ ‬طرق‭ ‬أحدهم‭ ‬بقوة‭ ‬على‭ ‬المنضدة‭ ‬ليقول‭: ‬أنتباه‭ .. ‬أنتباه‭  ‬ردّدها‭ ‬مرتين‭ ‬أو‭  ‬ثلاث‭ ‬ليقطع‭ ‬رحلتي‭ ‬نحو‭ ‬المسافات‭ ‬البعيدة‭ ‬في‭ ‬عينيها‭ ‬ويعلن‭ ‬أنتهاء‭ ‬الرحلة‭ ‬ويقول‭ ‬لي‭:‬

‭-  ‬توقفنا‭ ‬إنزل‭ ‬من‭ ‬رحلتك‭ , ….‬وليقول‭ ‬لنبدأ‭ ‬الان‭ ‬بالمقابلة‭ ‬فبدأ‭ ‬بقراءة‭ ‬الأسم‭ ‬الأول‭.‬

عندها‭ ‬فرحت‭ ‬وكأنّه‭ ‬يعيد‭ ‬إليّ‭ ‬الأمل‭ ‬في‭ ‬الانطلاق‭ ‬في‭ ‬الرحلة‭ ‬مجدداً‭ ‬فقد‭ ‬جلست‭ ‬بأنتباه‭ ‬شديد‭ ‬أراقب‭ ‬المتقدمين‭ ‬للمقابلة‭ ‬أملاً‭ ‬بأن‭ ‬ينادي‭ ‬على‭ ‬اسمها‭ ‬وأعرفها‭, ‬أصبح‭ ‬حلمي‭ ‬أن‭ ‬أعرف‭ ‬اسمها‭ ‬فقط،‭ ‬كم‭ ‬هو‭ ‬بسيط‭ ‬وعصي‭ ‬هذا‭ ‬الحلم‭ ‬وكم‭ ‬هو‭ ‬جميل‭ ‬أن‭ ‬أعرفه‭ , ‬ماذا‭ ‬يعني‭ ‬لي‭ ‬اسمها‭ ‬فقط؟‭… ‬فقط‭ ‬اسمها‭ ‬؟‭ ‬أسال‭ ‬نفسي‭ ‬مراراً‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ …‬أتهرب‭ ‬من‭ ‬روحي‭ ‬لكي‭ ‬لا‭ ‬أحرج‭ ‬ويزداد‭ ‬خجلي‭ .. ‬لسوء‭ ‬حظي‭ ‬أنّ‭ ‬إسمي‭ ‬قد‭ ‬أعلن‭ ‬للمقابلة‭ ‬قبل‭ ‬اسمها‭ ‬وتقدمت‭ ‬باتجاه‭  ‬المنضدة‭ ‬الكبيرة‭ ‬واقفاً‭ ‬وسألوني‭ ‬سؤالين‭ ‬أو‭ ‬ثلاثة‭ ‬ثم‭ ‬أذنوا‭ ‬لي‭ ‬بالخروج‭ ‬وأنا‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬خطوة‭ ‬التفت‭ ‬خلفي‭ ‬علّي‭ ‬أظفر‭ ‬بها‭ ‬أو‭ ‬أراها‭ ‬مرّة‭ ‬أخرى‭, ‬خرجت‭ ‬وقرّرت‭ ‬ان‭ ‬أنتظرها‭ ‬خارج‭ ‬القاعة‭ ‬ثم‭ ‬سألت‭ ‬نفسي‭ ‬سؤالاً‭ ‬وماذا‭ ‬يعني‭ ‬ذلك‭ ‬هل‭ ‬تتحدث‭ ‬معها‭ ‬عندما‭ ‬تخرج‭ ‬؟هل‭ ‬تملك‭ ‬من‭ ‬الشجاعة‭ ‬ما‭ ‬يكفي‭ ‬؟‭ ‬أجبت‭ ‬نعم‭ …‬أعيد‭ ‬على‭ ‬نفسي‭ ‬السؤال‭ ‬مرّة‭ ‬أخرى‭: ‬وماذا‭ ‬تقول‭ ‬لها‭ ‬؟‭ ‬أجبت‭: ‬لا‭ ‬أدري‭ ….‬أنتظرت‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬ربع‭ ‬ساعة‭ ‬ولم‭ ‬تخرج‭ , ‬والوقت‭ ‬بدأ‭ ‬يذوي‭ .. ‬يجب‭ ‬علي‭ ‬أن‭ ‬اذهب‭ ‬واتناول‭ ‬الطعام‭ , ‬وبعدها‭ ‬انطلق‭ ‬إلى‭ ‬مرآب‭ ‬السيارات‭ ‬الذي‭ ‬وصلته‭ ‬صباحاً‭ ‬كي‭ ‬أخرج‭ ‬من‭ ‬المدينة‭ ‬قبل‭ ‬الساعة‭ ‬الرابعة‭ ‬عصراً‭ ‬كون‭ ‬الطريق‭ ‬يغلق‭ ‬بين‭ ‬كركوك‭ ‬والموصل‭ ‬في‭ ‬الساعة‭ ‬الرابعة‭ ‬والسبب‭ ‬ان‭ ‬قوات‭ ‬الأمن‭ ‬تقول‭: ‬أن‭ ‬الطريق‭ ‬ليس‭ ‬امناً‭ ‬وقد‭ ‬يتجاوز‭ ‬عليه‭ ‬قطاع‭ ‬الطرق‭ ‬لذا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬لدي‭  ‬الوقت‭ ‬الكافي‭ , ‬صارعت‭ ‬اللحظات‭ ‬التي‭ ‬مرّت‭ ‬علي‭ ‬و‭ ‬كانت‭ ‬ثقيلة‭ ‬وصعبة‭ , ‬عندها‭ ‬قرّرت‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬أراها‭ ‬أو‭ ‬أتكلم‭ ‬معها‭ ‬وتذكرت‭ ‬المشهد‭ ‬الذي‭ ‬حدث‭ ‬أثناء‭ ‬النداء‭ ‬بإسمي‭ ,‬عندما‭ ‬نظرتُ‭ ‬إليها‭ ‬وابتسمت‭ ‬ثم‭ ‬بنفس‭ ‬الابتسامة‭ ‬ودعتني‭ ‬وهي‭ ‬جالسة‭ , ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬عالقاً‭ ‬في‭ ‬مخيلتي‭ ‬طوال‭ ‬المتبقي‭ ‬من‭ ‬اليوم‭ ‬وكلمّا‭ ‬حاولت‭ ‬أن‭ ‬أزيحه‭ ‬من‭ ‬مخيلتي‭ ‬يصّر‭ ‬على‭ ‬البزوغ‭ ‬أمامي‭ ‬مرّة‭ ‬أخرى‭ ‬و‭ ‬تساءلت‭ ‬ما‭ ‬هذا‭ ‬السحر‭ ‬الذي‭ ‬تملكني‭ ‬وجذبني‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الفتاة‭ ‬؟‭ …‬

في‭ ‬طريق‭ ‬العودة‭ ‬عادت‭ ‬الأفكار‭ ‬تهاجم‭ ‬رأسي‭ ‬وتطرقه‭ ‬بعنف‭ , ‬ربما‭ ‬لأنّي‭ ‬أنتقلت‭ ‬من‭ ‬عالم‭ ‬إلى‭ ‬عالم‭ ‬آخر‭ ‬فلم‭ ‬أعد‭ ‬طالباً‭ ‬في‭ ‬الثانوية‭ , ‬وإنّما‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬طالب‭ ‬جامعي‭ ‬ارتدي‭ ‬الزيّ‭ ‬الجامعي‭ … ‬وأعرف‭ ‬انّ‭ ‬التغيّر‭ ‬يشملني‭ ‬حتّى‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬عمي‭ ‬فحارث‭ ‬وفاضل‭ ‬يطالبانني‭ ‬بالعمل‭ ‬معهما‭ ‬في‭ ‬الحقل‭ ‬والزراعة‭ ‬والتسويق‭ ‬كما‭ ‬اعتدت‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬السابقة‭ .‬

2

انصرم‭ ‬يومان‭ ‬ثقيلان‭ ‬على‭ ‬المقابلة‭ , ‬كنت‭ ‬اتلهف‭ ‬للعودة‭ ‬إلى‭ ‬الموصل‭ ‬واستعجل‭ ‬بدء‭ ‬الدوام‭ ‬علّني‭ ‬أراها‭ ‬أو‭ ‬ألقاها‭ ‬ثانية‭ , ‬لدّي‭ ‬أصرار‭ ‬بأنّي‭ ‬سوف‭ ‬أجدها‭ ‬بل‭ ‬بدأت‭ ‬أطمح‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬بدأت‭ ‬أمنياتي‭ ‬تكبر‭ ‬وهي‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬معي‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬القسم‭ ‬ونفس‭ ‬القاعة‭ ‬الدراسية‭ ..‬

مضى‭ ‬يومان‭ ‬على‭ ‬عودتي‭ ‬إلى‭ ‬منزلي‭ ‬وها‭ ‬أنا‭ ‬ذا‭ ‬استعّد‭ ‬للعودة‭ ‬إلى‭ ‬مدينة‭ ‬الموصل‭, ‬أحسست‭ ‬أنّ‭ ‬الطريق‭ ‬كان‭ ‬اسهل‭ ‬والتردّد‭ ‬والخجل‭ ‬والخوف‭ ‬اقل‭ ‬بل‭ ‬أنّي‭ ‬أشعر‭ ‬وكأنّي‭ ‬أعرف‭ ‬هذا‭ ‬الطريق‭ ‬منذ‭ ‬زمن‭ ‬و‭ ‬بدأت‭ ‬أعاكس‭ ‬أصحاب‭ ‬سيارات‭ ‬الأجرة‭ ‬واتجادل‭ ‬معهم‭ ‬وعندما‭ ‬أنجح‭ ‬في‭ ‬مفاوضاتي‭ ‬على‭ ‬السعر‭ ‬أحمل‭ ‬أغراضي‭ ‬وأشعر‭ ‬بزهو‭ ‬وارتياح‭ ‬وأن‭ ‬الامر‭ ‬ليس‭ ‬صعباً‭ ‬إذ‭ ‬عزز‭ ‬شعوري‭ ‬بالثقة‭ ‬بالنفس‭ ‬ولم‭ ‬أعد‭ ‬أشعر‭ ‬بالوجل‭ ‬والتوجس‭ ‬ولم‭ ‬أشعر‭ ‬بأنّي‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬الطريق‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬مرّة‭,  ‬شعرت‭ ‬بأنّي‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬السابق‭, ‬فعندما‭ ‬تكون‭ ‬في‭  ‬منتصف‭ ‬الطريق‭ ‬تكون‭ ‬أكثر‭ ‬حيرة‭ ,‬ربما‭ ‬لأنك‭ ‬لا‭ ‬تعلم‭  ‬ايهما‭ ‬صار‭ ‬أقرب‭ ‬لك‭  ‬المضي‭ ‬أم‭ ‬العودة‭ ‬فتزداد‭ ‬حيرتك‭ ‬؟‭.‬

  ‬وصلت‭ ‬مدينة‭ ‬الموصل‭ ‬مساء‭ ‬يوم‭ ‬الجمعة‭ ‬قبل‭ ‬غروب‭ ‬الشمس‭ ‬بقليل‭ ‬وهيأت‭ ‬نفسي‭ ‬للذهاب‭ ‬صباح‭ ‬اليوم‭ ‬التالي‭ ‬إلى‭ ‬الجامعة‭ , ‬دخلت‭ ‬في‭ ‬الصباح‭ ‬إلى‭ ‬قسم‭ ‬الجغرافيا‭ ‬وبدأت‭ ‬اقرأ‭ ‬في‭ ‬القوائم‭ ‬المعلّقة‭ ‬التي‭ ‬تحمل‭ ‬الأسماء‭ ‬وفعلاً‭ ‬وجدت‭ ‬إسمي‭ ‬يحمل‭ ‬الرقم‭ ‬اثنى‭ ‬عشر‭ ‬ويأتي‭ ‬بعده‭ ‬تسلسل‭ ‬لطالبة‭ ‬تحمل‭ ‬اسم‭ (‬سماح‭ ) ‬تمنيت‭ ‬ان‭ ‬تكون‭ ‬هي‭ ‬تلك‭ ‬الفتاة‭ ‬التي‭ ‬قابلتها‭ ‬أول‭ ‬مرّة‭ ‬ولم‭ ‬تزل‭ ‬ذاكرتي‭ ‬تعج‭ ‬بابتسامتها‭ ‬الخفيفة‭ ‬التي‭ ‬جاملتني‭ ‬بها‭ ‬ولعلّها‭ ‬بادلتني‭ ‬شعوراً‭ ‬في‭ ‬مكنونات‭ ‬صدرها‭ ‬لا‭ ‬أعرفه‭, ‬على‭ ‬أيّة‭ ‬حال‭ ‬تلك‭ ‬الابتسامة‭ ‬التي‭ ‬ألغت‭ ‬الحزن‭ ‬ونبت‭ ‬فيها‭ ‬الأمل‭ ‬،‭ ‬أي‭ ‬ابتسامة‭ ‬عظيمة‭ ‬هذه؟‭ … ‬لا‭ ‬أعلم‭ ‬سوى‭ ‬أنّها‭ ‬غمرت‭ ‬شرفة‭ ‬روحي‭ ‬بالضوء‭ .‬

تقدمت‭ ‬بخطوات‭ ‬واثقة‭ ‬هذه‭ ‬المرّة‭ ‬وكأنّي‭ ‬أصبحت‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الكلية‭, ‬وبثقة‭ ‬تامة‭ ‬سألت‭ ‬موظف‭ ‬الاستعلامات‭: ‬أين‭ ‬قسم‭ ‬الجغرافية‭ ‬؟‭ ‬قال‭: ‬هو‭ ‬خارج‭ ‬هذه‭ ‬البناية‭ ‬أخرج‭ ‬من‭ ‬هنا‭ ‬واذهب‭ ‬إلى‭ ‬اليسار‭ ‬سوف‭ ‬تجد‭ ‬بناية‭  ‬في‭ ‬أعلى‭ ‬تل‭ ,‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬القسم‭ ‬المقصود‭. ‬خرجت‭ ‬وبدأت‭ ‬اسير‭ ‬بسرعة‭ ‬كبيرة‭ ‬لكي‭ ‬أصعد‭ ‬المدرجات‭ ‬التي‭ ‬بنيت‭ ‬على‭ ‬التل‭ ‬لتسهيل‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬البناية‭, ‬وجدتّها‭ ‬صعبة‭ ‬وكثيرة‭, ‬قرّرت‭ ‬عند‭ ‬النزول‭ ‬أن‭ ‬أحسبها‭ ‬لأنّي‭ ‬لأول‭ ‬مرّة‭ ‬أجد‭ ‬درجاً‭ ‬على‭ ‬تل‭ ‬بهذا‭ ‬الطول‭.‬

وصلت‭ ‬البناية‭ ‬كان‭ ‬القسم‭ ‬في‭ ‬الطابق‭ ‬الثالث‭ , ‬سجلت‭ ‬إسمي‭ ‬هناك‭ ‬وأرسلوني‭ ‬إلى‭ ‬المكتبة‭ ‬بغرض‭ ‬تسلّم‭ ‬المقرّرات‭ ‬وبعض‭ ‬المناهج‭ ‬لأعود‭ ‬بعدها‭ ‬إلى‭ ‬البوابة‭ ‬الرئيسة‭ ‬مقابل‭ ‬كافتيريا‭ ‬أسمها‭ (‬نركَال‭) ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬حدّده‭ ‬لي‭ ‬أحد‭ ‬أقربائي‭ ‬لنلتقي‭ ‬فيه‭ ‬لأنّه‭ ‬سوف‭ ‬يأتي‭ ‬صباح‭ ‬يوم‭ ‬السبت‭ ‬وليس‭ ‬الجمعة‭ ‬كما‭ ‬فعلت‭ ‬انا‭ ‬ممّا‭ ‬اضطرني‭ ‬إلى‭ ‬المبيت‭ ‬مع‭ ‬أصدقائه‭ ‬وأوصاهم‭ ‬بي‭ ,‬أتيت‭ ‬أحمل‭ ‬الكتب‭ ‬بيدي‭ ‬والعرق‭ ‬يتصبّب‭ ‬وجلست‭ ‬انتظره‭ ‬وماهي‭ ‬إلاّ‭ ‬دقائق‭ ‬حتّى‭ ‬أبصرته‭ ‬ينزل‭ ‬من‭ ‬سيارة‭ ‬أجرة‭, ‬يبدو‭ ‬أنّه‭ ‬قد‭ ‬جاء‭ ‬من‭ ‬مرآب‭ ‬السيارات‭ ‬قادماً‭ ‬من‭ ‬كركوك‭ ‬كان‭ ‬يحمل‭ ‬حقيبة‭ ‬صغيرة‭ ‬بيده‭ ‬وتوجّه‭ ‬صوبي‭ ‬وقال‭:‬

‭-  ‬كيف‭ ‬سارت‭ ‬معك‭ ‬الأمور‭ ‬أكل‭ ‬شيء‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يرام‭ ‬؟‭ ‬

  ‬أجبت‭ :‬

‭-  ‬نعم‭ ‬ولكن‭ ‬صعدت‭ ‬112‭ ‬درجة‭ ‬سلم‭ ‬على‭ ‬التل‭ ‬ونزلتها‭ ‬مرّة‭ ‬أخرى‭.‬

‭ ‬وضحك‭ ‬وقال‭: ‬

‭- ‬كيف‭ ‬عرفت‭ ‬عددها؟‭ ‬وأكمل‭ ‬حديثه‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬ينتظر‭ ‬جوابي‭ ‬قائلا‭: ‬

‭-   ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬وأنا‭ ‬هنا‭ ‬لم‭ ‬أفكر‭ ‬أن‭ ‬أحسبها‭ ‬يوما‭  , ‬

فقلت‭: ‬

‭- ‬لقد‭ ‬حسبتها‭ ‬عندما‭ ‬نزلت‭. ‬

  ‬وضحك‭ ‬وهزّ‭ ‬رأسه‭ ‬مستغرباً‭ ‬واصطحبني‭ ‬معه‭ ‬مشياً‭ ‬على‭ ‬الأقدام‭ ‬باتجاه‭  ‬السكن‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬استأجره‭ ‬لنا‭ ‬قبل‭ ‬أيّام‭ ‬استغرقنا‭ ‬مشياً‭ ‬حوالي‭ ‬25‭ ‬دقيقة‭ ‬وأثناء‭ ‬المسير‭ ‬قام‭ ‬بتقديم‭ ‬بعض‭ ‬المعلومات‭ ‬وتحذيري‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬التصرفات‭ ‬ونبهني‭ ‬إلى‭ ‬كيفية‭ ‬التصرف‭ ‬داخل‭ ‬الجامعة‭ ‬وحذرني‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬النقاش‭ ‬السياسي‭ ‬سيما‭ ‬عن‭ ‬الوضع‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬وقال‭ ‬لي‭:‬

‭-  ‬تصوّر‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يحاورك‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬رجال‭ ‬الأمن‭ ‬الذين‭ ‬قد‭ ‬يأخذونك‭ ‬في‭ ‬رحلة‭ ‬اللا‭ ‬عودة‭. ‬لذا‭ ‬لا‭ ‬تدخل‭ ‬في‭ ‬نقاش‭ ‬سياسي‭ ‬مع‭ ‬كائن‭ ‬من‭ ‬يكون‭, ‬أنت‭ ‬هنا‭ ‬لغرض‭ ‬الدراسة‭ ‬وليس‭ ‬لأبداء‭ ‬الآراء‭ ‬إعمل‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬بحدود‭ ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬تقترب‭ ‬من‭ ‬السياسة‭ ‬فهي‭ ‬صنعة‭ ‬فاشلة‭ ‬تقود‭ ‬الناس‭ ‬إلى‭ ‬الموت‭ ‬والدمار‭ .‬

وصلنا‭ ‬الدار‭ ‬التي‭ ‬استأجرها‭ ‬في‭ ‬حي‭ ‬البلديات‭ ‬شرق‭ ‬جامعة‭ ‬الموصل‭, ‬دخلت‭ ‬فناء‭ ‬الدار‭ ‬وأشار‭ ‬بيده‭ ‬إلى‭ ‬غرفة‭ ‬في‭ ‬اقصى‭ ‬اليمين‭ ‬وقال‭: ‬هذه‭ ‬غرفتك‭. ‬ضع‭ ‬أغراضك‭ ‬وكتبك‭ ‬فيها‭ ‬كي‭ ‬نذهب‭ ‬لجلب‭ ‬حقيبتك‭ ‬وملابسك‭ ‬التي‭ ‬تركتها‭ ‬عند‭ ‬أصدقائي‭ ‬،‭ ‬كانت‭ ‬غرفة‭ ‬صغيرة‭ ‬تحتوي‭ ‬على‭ ‬سرير‭ ‬واحد‭ ‬وكرسيين‭ ‬وطبلة‭ ‬صغيرة‭ ‬ومنضدة‭ ‬قراءة‭ ‬ودولاب‭ , ‬سألته‭:‬

‭-  ‬يا‭ ‬عماد‭ ‬سيكون‭ ‬معي‭ ‬أحد‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الغرفة‭ ‬؟‭ ‬

أجاب‭ :‬

‭- ‬أنا‭ ‬جعلت‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬غرفة‭ ‬شخصاً‭ ‬واحداً‭ ‬فقط‭ ‬لكي‭ ‬تكون‭ ‬دراستنا‭ ‬وحياتنا‭ ‬أهدأ‭ ‬وأكثر‭ ‬راحة‭ . ‬

قلت‭ ‬له‭ : ‬

‭- ‬انا‭ ‬لا‭ ‬أحب‭ ‬الوحدة‭. ‬

رد‭ ‬ضاحكاً‭:‬

‭-  ‬أنت‭ ‬الآن‭ ‬طالب‭ ‬في‭ ‬الجامعة‭. ‬عليك‭ ‬أن‭ ‬تعيش‭ ‬حياة‭ ‬الرفاهية‭ ‬لتشعر‭ ‬بوجودك‭ ‬وليكون‭ ‬لك‭ ‬كيانك‭ ‬الخاص‭ , ‬من‭ ‬هنا‭ ‬يبدأ‭ ‬عندك‭ ‬الشعور‭ ‬بالاستحواذ‭ ‬والتملّك‭, ‬عندما‭ ‬تكون‭ ‬منفرداً‭ ‬وتكون‭ ‬وحدك‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تعرف‭ ‬من‭ ‬الآن‭ ‬فصاعداً‭ ‬أنك‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تنام‭ ‬متوسطاً‭ ‬أبناء‭ ‬عمك‭(‬حارث‭ ‬وفاضل‭ ) ‬وكلكم‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الغرفة‭ ‬أحدكم‭ ‬يقابل‭ ‬الثاني‭ ‬وأيضاً‭ ‬أن‭ ‬تتعلّم‭ ‬أنك‭ ‬تنام‭ ‬على‭ ‬سرير‭ ‬وليس‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ .‬

      ‬لم‭ ‬يعجبني‭ ‬حديثه‭ ‬كثيراً‭ ‬بل‭ ‬أنّي‭ ‬انزعجت‭ ‬منه‭ ‬وكأنه‭ ‬يريد‭ ‬ان‭ ‬يسلخني‭ ‬عن‭ ‬الواقع‭ ‬أو‭ ‬أنه‭ ‬يريد‭ ‬مني‭ ‬أن‭ ‬أعيش‭ ‬واقعاً‭ ‬زائفاً‭ ‬كاذباً‭ ‬يتلاشى‭ ‬بأول‭ ‬اختبار‭ ‬كما‭ ‬يتلاشى‭ ‬الجليد‭ ‬عند‭ ‬أول‭ ‬إشراقة‭ ‬شمس‭  .‬

قال‭: ‬

  – ‬لا‭ ‬تفكّر‭ ‬كثيراً‭ ‬فأنت‭ ‬عندما‭ ‬اخترت‭ ‬المجيء‭ ‬إلى‭ ‬الجامعة‭ ‬والتعليم‭ ‬فعليك‭ ‬أن‭ ‬تتعلّم‭ ‬على‭ ‬الوحدة‭ ‬من‭ ‬الآن‭ . ‬أتعلم‭ ‬لماذا؟‭ ‬لأنك‭ ‬في‭ ‬استقبال‭ ‬وتوديع‭ ‬دائمين‭ .. ‬هنا‭ ‬يتجسد‭ ‬معنى‭ ‬الحياة‭ ‬بوضوح‭ , ‬هنا‭ ‬تلتقي‭ ‬ناساَ‭ ‬جدداَ‭, ‬تودّع‭ ‬أصدقاء‭ ‬ربما‭ ‬لا‭ ‬تراهم‭ ‬مرّة‭ ‬أخرى‭. ‬هذه‭ ‬محطة‭ ‬في‭ ‬حياتك‭ ‬وقد‭ ‬تكون‭ ‬أهم‭ ‬محطة‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭, ‬ركز‭ ‬فيها‭ ‬لأنك‭ ‬منها‭ ‬سوف‭ ‬تنطلق‭ ‬إلى‭ ‬العالم‭, ‬إمّا‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬القرية‭ ‬وتبقى‭ ‬فلاحاً‭ ‬أو‭  ‬تنطلق‭ ‬نحو‭ ‬المدينة‭ ‬لتكون‭ ‬من‭ ‬مجتمعها‭ ‬وبيئتها‭ .. ‬

قاطعته‭: ‬

‭- ‬هل‭ ‬طموحي‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬من‭ ‬المدينة‭ ‬ومجتمعها‭ ‬وأنا‭ ‬لست‭ ‬متذمراً‭ ‬من‭ ‬مجتمعي‭ ‬الريفي؟‭.‬

‭ ‬رد‭ ‬قائلاً‭: ‬

‭- ‬نناقش‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع‭ ‬لاحقاً‭ .‬

بدأت‭ ‬بوضع‭ ‬كتبي‭ ‬على‭ ‬المنضدة‭ ‬واستلقيت‭ ‬على‭ ‬السرير‭ ‬أتسائل‭ ‬هل‭ ‬هذه‭ ‬هي‭ ‬الجامعة‭ ‬؟‭… ‬لماذا‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مثل‭ ‬ما‭ ‬رسمت‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬مخيلتي‭ .., ‬بعد‭ ‬دقائق‭ ‬وأنا‭ ‬مستغرق‭ ‬في‭ ‬تفكيري‭ ‬طرق‭ ‬الباب‭ ‬وإذا‭ ‬بعماد‭ ‬ينادي‭: – ‬تعال‭ ‬إنّ‭ ‬الغداء‭ ‬جاهز‭ .‬

خرجت‭ ‬إلى‭ ‬المطبخ‭ ‬وعلى‭ ‬طرف‭ ‬طاولة‭ ‬الطعام‭ ‬شاهدت‭ ‬طعاماً‭ ‬بسيطاً‭ ‬يتكوّن‭ ‬من‭ ‬الطماطم‭ ‬المقلية‭ ‬والسلطة‭ ‬والخبز‭ ‬والقليل‭ ‬من‭ ‬الرز‭ ‬تفحصت‭ ‬الأكل‭ ‬بنظرة‭ ‬خاطفة‭ ‬قال‭: ‬لا‭ ‬تستغرب‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬أكل‭ ‬الطلاب‭ ‬المعتاد‭. ‬أنت‭ ‬تعلم‭ ‬بشاعة‭ ‬الحصار‭ ‬الذي‭ ‬شمل‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ , ‬ابتسم‭ ‬وقال‭ ‬مازحاً‭ :  – ‬استفدنا‭ ‬من‭ ‬الحصار‭ ‬تعلمنا‭ ‬أن‭ ‬نطبخ‭ ‬الأكل‭ ‬ونغسل‭ ‬الصحون‭ ‬والأواني‭ ‬وسيكون‭ ‬هناك‭ ‬جدول‭ ‬في‭ ‬باب‭ ‬المطبخ‭ ‬نحدّد‭ ‬فيه‭ ‬واجبات‭ ‬كلّ‭ ‬شخص‭ ‬هنا‭ ‬من‭ ‬أمور‭ ‬الطبخ‭ ‬وغسل‭ ‬الصحون‭ ‬وسنحدّد‭ ‬يومك‭ ‬في‭ ‬الأسبوع‭ ‬أيضاً‭ ,‬وعليك‭ ‬أن‭ ‬تتعلّم‭ ‬الطبخ‭ ‬والغسل‭ ‬سريعاً‭, ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تتكيف‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬البيئة‭ ‬الجديدة‭ . ‬ثم‭ ‬ضرب‭ ‬على‭ ‬جبينه‭ ‬بشكل‭ ‬خفيف‭ ‬وقال‭: ‬

‭- ‬نسيت‭ ‬دعني‭ ‬أقدم‭ ‬لك‭ ‬جلال‭ ‬طالب‭ ‬كلية‭ ‬الهندسة‭ ‬المرحلة‭ ‬الثانية‭ ‬

فردّدت‭: ‬

‭- ‬اهلاً‭ ‬وسهلاً‭ ‬تشرفنا‭ , ‬أنا‭ ‬سعيد‭ ‬طالب‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الأولى‭.  ‬وأنتصبت‭ ‬في‭ ‬جلستي‭ ‬أنا‭ ‬وعماد‭ ‬وجلال‭ ‬وبدأنا‭ ‬تناول‭ ‬الطعام‭ ‬شعرت‭ ‬بلذة‭ ‬للأكل‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬اعهده‭ ‬من‭ ‬قبل‭, ‬لم‭ ‬أعرف‭ ‬مصدرها‭ ‬ذكّرني‭ ‬طعم‭ ‬الأكل‭ ‬بنفس‭ ‬ذلك‭ ‬الطعام‭ ‬الذي‭ ‬أعددناه‭ ‬عندما‭ ‬كنّا‭ ‬صغاراً‭ ‬وخرجنا‭ ‬في‭ ‬مروج‭ ‬القرية‭ ‬في‭ ‬الربيع‭ ‬قبل‭ ‬حوالي‭ ‬عشر‭ ‬سنوات‭, ‬حينذاك‭ ‬هاجمتنا‭ ‬أم‭ ‬عباس‭ ‬صديق‭ ‬طفولتي‭ ‬لكي‭ ‬تقلب‭ ‬سفرتنا‭ ‬إلى‭ ‬مشكلة‭ ,‬اتضح‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬عباس‭ ‬لم‭ ‬يخبرها‭ ‬أنّنا‭ ‬سوف‭ ‬نطبخ‭ ‬بأوانيها‭ ‬على‭ ‬الجمر‭ ‬مما‭ ‬أثار‭ ‬إنزعاجها‭ ‬فأتت‭ ‬لتسدّد‭ ‬ضربة‭ ‬بقدمها‭ ‬للقدر‭ ‬الصغير‭ ‬الذي‭ ‬تحوّل‭ ‬إلى‭ ‬اللون‭ ‬الأسود‭ ‬بفعل‭ ‬دخان‭ ‬النار‭ ‬وليتدحرج‭ ‬في‭ ‬أربع‭ ‬دورات‭ ‬أو‭  ‬خمس‭ ‬وتناثرت‭ ‬الطماطة‭ ‬المقلية‭ ‬على‭ ‬الأرض

‭ ‬عنّفت‭  ‬عباساً‭  ‬و‭ ‬ضربته‭ ‬على‭ ‬ظهره‭ ‬وسحبته‭ ‬من‭ ‬يده‭ ‬وفي‭ ‬يدها‭ ‬الأخرى‭ ‬حملت‭ ‬القدر‭ , ‬وبقينا‭ ‬لا‭ ‬نعلم‭ ‬ماذا‭ ‬نفعل‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تجرأ‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬وقال‭: ‬يا‭ ‬ساتر‭ ‬ما‭ ‬هذه‭ ‬الأم؟‭ ‬سوف‭ ‬اجلب‭ ‬الأواني‭ ‬من‭ ‬بيتنا‭ ‬وذهب‭ ‬راكضاً‭ ‬وسرعان‭ ‬ما‭ ‬أعدنا‭ ‬نفس‭ ‬العملية‭ ‬والتحق‭ ‬بنا‭ ‬عباس‭  ‬بعد‭ ‬قليل‭ , ‬وجلسنا‭ ‬نأكل‭ , ‬كنّا‭ ‬نشعر‭ ‬أن‭ ‬طعم‭ ‬الأكل‭ ‬أطيب‭ ‬بكثير‭ , ‬ربّما‭ ‬هو‭ ‬مجرد‭ ‬شعور‭ ‬نفسي‭ ‬لأنّنا‭ ‬نحن‭ ‬من‭ ‬أعدّ‭ ‬الطعام‭ ‬ونحن‭ ‬من‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يتحمل‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬الإعداد‭ ‬والطبخ‭ ‬والغسل‭ ‬وغيرها‭. ‬

تكلمنا‭ ‬نحن‭ ‬الثلاثة‭ ‬عن‭ ‬الجامعة‭ ‬التفت‭ ‬إليّ‭ ‬جلال‭ ‬متسائلاً‭ :‬

‭-  ‬كيف‭ ‬وجدت‭ ‬الجامعة‭ ‬يا‭ ‬سعيد؟‭ ‬

‭ ‬أجبت‭: ‬

‭- ‬لم‭ ‬أستطع‭ ‬أن‭ ‬أرى‭ ‬منها‭ ‬شيئاً‭ ‬فهذا‭ ‬أول‭ ‬يوم‭ ‬لي‭ ‬وأظنني‭ ‬رسمت‭ ‬لها‭ ‬نظرة‭ ‬غير‭ ‬التي‭ ‬شاهدتها‭ ‬اليوم‭ .‬

فسأل‭: ‬

‭- ‬وماهي‭ ‬النظرة؟‭ ‬ثم‭ ‬عاد‭ ‬وقال‭: ‬عفواً‭ ‬دعني‭ ‬أغير‭ ‬السؤال‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬شاهدته‭ ‬اليوم‭ ‬أو‭  ‬ما‭ ‬هو‭ ‬انطباعك‭ ‬؟

رددت‭ ‬عليه‭:‬

‭-  ‬إنّها‭ ‬نظام‭ ‬دراسة‭ ‬ثانوية‭ ‬لا‭ ‬يختلف‭ ‬سوى‭ ‬بالأسماء‭ ‬والألفاظ‭ ‬الفضفاضة‭ .‬

هز‭ ‬جلال‭ ‬رأسه‭ ‬مبتسماً‭ ‬وقال‭:‬

‭-  ‬أدرك‭ ‬حقيقتها‭ ‬من‭ ‬أول‭ ‬لحظة‭ , ‬كلنّا‭ ‬في‭ ‬البدء‭ ‬كنّا‭ ‬مثلك‭ ‬لكن‭ ‬فينا‭ ‬من‭ ‬تأخر‭ ‬في‭ ‬اكتشاف‭ ‬هذه‭ ‬الحقيقة‭ , ‬لكن‭ ‬تأكّد‭ ‬في‭ ‬السنتين‭ ‬الأخيرتين‭ ‬من‭ ‬حياة‭ ‬الجامعة‭ ‬سوف‭ ‬تتغيّر‭ ‬لديك‭ ‬هذه‭ ‬النظرة‭ ‬وهذه‭ ‬القناعة‭ ‬وسوف‭ ‬تحبها‭ ‬أكثر‭ ‬خاصّة‭ ‬إذا‭ ‬وجدت‭ ‬قلباً‭ ‬حنوناً‭ ‬يشوقك‭ ‬لها‭ , ‬أنّ‭ ‬وجود‭ ‬المرأة‭ ‬الحنون‭ ‬المحبة‭ ‬تجعل‭ ‬اي‭ ‬مكان‭ ‬خلته‭ ‬صعباً‭ ‬مكاناً‭ ‬محبباً‭ ‬تتابعه‭ ‬بشغف‭ ‬وأتمنى‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬تتأخر‭ ‬بأن‭ ‬تجد‭ ‬من‭ ‬ينتظرك‭ ‬ويتابعك‭ ‬ويتقاسم‭ ‬معك‭ ‬قطع‭ ‬الحلوى‭ ‬ورسائل‭ ‬الغرام‭ ‬والاشتياق‭ ‬فهو‭ ‬وقود‭ ‬حياة‭ ‬الجامعة‭ … ‬

  ‬إحمر‭ ‬وجهي‭ ‬قليلاً‭ ‬وقلت‭ ‬له‭:‬

‭-  ‬لننتظر‭ ‬ونرى‭ ..‬

  ‬تناولنا‭ ‬الشاي‭ ‬بعد‭ ‬الغداء‭ ‬مباشرة‭ ‬وذهب‭ ‬كلّ‭ ‬منّا‭ ‬إلى‭ ‬غرفته‭ . ‬دخلت‭ ‬غرفتي‭ ‬وبدأت‭ ‬اتصفح‭ ‬الكتب‭ ‬التي‭ ‬تستلمتها،‭ ‬القيتها‭ ‬على‭ ‬المنضدة‭ ‬وخرجت‭ ‬إلى‭ ‬الحديقة‭ ‬تطلعت‭ ‬إلى‭ ‬السماء‭, ‬أحسست‭ ‬بضيق‭ ‬لا‭ ‬أعلم‭ ‬لماذا‭, ‬ربما‭ ‬لأنّ‭ ‬البيئة‭ ‬قد‭ ‬تغيّرت‭ ‬علي‭ ‬،‭ ‬خرجت‭ ‬أمام‭ ‬باب‭ ‬الدار‭ ‬شاهدت‭ ‬الجيران‭ ‬يتجمهرون‭ ‬على‭ ‬الباب‭ ‬فألقيت‭ ‬عليهم‭ ‬التحية‭ ‬لم‭ ‬يجب‭ ‬أحد‭ ‬ودخلوا‭ ‬البيت‭ ‬تفاجأت‭ ‬وراجعت‭ ‬نفسي‭ ‬وقلت‭: ‬أنا‭ ‬متأكّد‭ ‬أنّي‭ ‬لم‭ ‬أقل‭ ‬شيئاً‭ ‬ينفرهم‭ ‬ويجعلهم‭ ‬بهذا‭ ‬الجفاء‭ ‬نظرت‭ ‬إلى‭ ‬ملابسي‭ ‬كانت‭ ‬محتشمة‭ ,‬إذاً‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬السبب‭ ‬؟‭ ‬

رجعت‭ ‬إلى‭ ‬داخل‭ ‬البيت‭ ‬منزعجاً‭ ‬ودخلت‭ ‬غرفة‭ ‬عماد‭ ‬وشرحت‭ ‬له‭ ‬ما‭ ‬حصل‭ ‬فضحك‭ ‬وقال‭:‬

‭-  ‬عادي‭ ‬

قلت‭ ‬مستغرباً‭: ‬

‭- ‬وما‭ ‬العادي‭ ‬في‭ ‬ذلك؟‭ ‬

أجاب‭: ‬

‭- ‬أنت‭ ‬في‭ ‬المدينة‭ ‬ولست‭ ‬في‭ ‬القرية‭ ‬وأنت‭ ‬غريب‭ ‬لا‭ ‬يعرفونك‭ ‬ثم‭ ‬يا‭ ‬عزيزي‭ ‬أنت‭ ‬في‭ ‬الموصل‭ ‬هذه‭ ‬المدينة‭ ‬حذرة‭ ‬من‭ ‬الغرباء‭ ‬فهي‭ ‬محافظة‭ ‬ويعرف‭ ‬كل‭ ‬منهم‭ ‬الآخر‭ ‬ويتوجسون‭ ‬من‭ ‬الغريب‭. ‬هذه‭ ‬ليست‭ ‬مدينة‭ ‬قوافل‭ ‬عليك‭ ‬ان‭ ‬تعتاد‭ ‬على‭ ‬قواعد‭ ‬المدينة‭ ‬وشروطها‭ ‬وأن‭ ‬لا‭ ‬تتكلم‭ ‬مع‭ ‬احد‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يكلمك‭ ‬هو‭, ‬خاصّة‭ ‬من‭ ‬الجيران‭ ‬وأن‭ ‬لا‭ ‬ترفع‭ ‬بصرك‭ ‬عليهم‭ .. ‬

سألت‭: ‬

‭- ‬ولماذا؟‭ … ‬

قال‭: ‬

‭- ‬هي‭ ‬هكذا‭ ‬عندما‭ ‬يأمنون‭ ‬لك‭ ‬ويثقون‭ ‬سوف‭ ‬يفتحون‭ ‬لك‭ ‬قلوبهم‭ ‬قبل‭ ‬بيوتهم‭ , ‬والآن‭ ‬دعني‭ ‬اخذ‭ ‬قيلولة‭ ‬واذهب‭ ‬أنت‭ ‬اما‭ ‬ان‭ ‬تنام‭ ‬قليلاً‭ ‬أو‭  ‬تجلس‭ ‬في‭ ‬الصالة‭ ‬أو‭  ‬الحديقة‭ ‬الخيار‭ ‬لك‭.. ‬

تمتمت‭ ‬بكلمات‭ ‬التذمر‭ ‬واتبعها‭ ‬هو‭ ‬بضحكة‭ ‬وجملة‭: ‬تكبر‭ ‬وتنسى‭. ‬خرجت‭ ‬وأغلقت‭ ‬باب‭ ‬غرفته‭ ‬ثم‭ ‬وصلت‭ ‬باب‭ ‬غرفتي‭ ‬وسألت‭ ‬عماد‭: ‬

‭- ‬هل‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭ ‬؟‭ ‬

رد‭ ‬علي‭: ‬

‭- ‬لا‭ ‬غير‭ ‬ممكن‭ …( ‬روح‭ ‬نام‭ ), ‬بعدنا‭ ‬لم‭ ‬نبدأ‭ ‬،‭ ‬عليك‭ ‬ان‭ ‬تتكيف‭ ‬مع‭ ‬بيئتك‭ ‬الجديدة‭ ‬وتعرف‭ ‬كيف‭ ‬تقضي‭ ‬وقتك‭ .. ‬

لم‭ ‬ارد‭ ‬ودخلت‭ ‬غرفتي‭ ‬وكلي‭ ‬امل‭ ‬ان‭ ‬ألقى‭ ‬الفتاة‭ ‬التي‭ ‬التقيت‭ ‬بها‭ ‬أول‭ ‬مرّة‭ ‬والتي‭ ‬ماتزال‭ ‬ابتسامتها‭ ‬الصامتة‭ ‬تعزف‭ ‬في‭ ‬وجداني‭ ‬وتعمّق‭ ‬شغفي‭ ‬وولهي‭ ‬بهذا‭ ‬المكان‭ . ‬

    ‬حلّ‭ ‬المساء‭, ‬تناولنا‭ ‬طعام‭ ‬العشاء‭ ‬الذي‭ ‬أعدّه‭ ‬عماد‭ ‬أيضاً‭ ‬وتحدثنا‭ ‬أنا‭ ‬وجلال‭ ,‬كان‭ ‬عماد‭ ‬منهمكاً‭ ‬بغسل‭ ‬الصحون‭ ‬وإعداد‭ ‬الشاي‭, ‬أستاذن‭ ‬جلال‭ ‬وغادر‭ ‬ثم‭ ‬تبعه‭ ‬عماد‭ ‬أمّا‭ ‬أنا‭ ‬فخرجت‭ ‬بجولة‭ ‬بين‭ ‬الغرف‭ ‬وفي‭ ‬الصالة‭ ‬واستطلعت‭ ‬الحي‭ ‬الذي‭ ‬أسكن‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬نوافذ‭ ‬المنزل‭ ‬ومن‭ ‬السطح‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬أخرج‭ ‬إلى‭ ‬الشارع‭ ‬خوفاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬أثير‭ ‬سكان‭ ‬الحي‭ ‬علينا‭, ‬كنت‭ ‬ملتزماً‭ ‬بالوصية‭ ‬لكن‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬أفهمه‭ ‬لماذا‭ ‬هذه‭ ‬الأعراف‭ ‬والأفتراضات‭ ‬وكيف‭ ‬أصبحت‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬الموروث‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬الخطأ‭ ‬في‭ ‬الخروج‭ ‬أو‭ ‬اللقاء؟‭ ‬يبدو‭ ‬أنّي‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬صعبة‭ ‬المراس‭ ‬وأتمنى‭ ‬ان‭ ‬لا‭ ‬أصل‭ ‬مرحلة‭ ‬النفور‭ ‬منها‭ .‬

3

  ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬الثاني‭ ‬وعند‭ ‬شروق‭ ‬الشمس‭ ‬نهضت‭ ‬مسرعاً‭ ‬وارتديت‭ ‬ملابسي‭ ‬مع‭ ‬فطور‭ ‬خفيف‭ ‬ثم‭ ‬اتجهت‭ ‬إلى‭ ‬الجامعة‭ ‬وإلى‭ ‬المدرجات‭ ‬التي‭ ‬مرّرت‭ ‬بها‭ ‬يوم‭ ‬أمس‭, ‬وفي‭ ‬الطابق‭ ‬الثالث‭ ‬سألت‭ ‬طلبة‭ ‬متجمهرين‭ ‬عن‭ ‬طلاب‭ ‬المرحلة‭ ‬الأولى‭ ‬ونظر‭ ‬أحدهم‭ ‬إلى‭ ‬ورقة‭ ‬معلقة‭ ‬داخل‭ ‬لوحة‭ ‬من‭ ‬الخشب‭ ‬تغطي‭ ‬واجهتها‭ ‬زجاجة‭ ‬وردّ‭ ‬علي‭: ‬

‭- ‬عليك‭ ‬أن‭ ‬تذهب‭ ‬إلى‭ ‬القاعة‭ (‬307‭).‬

سرت‭ ‬بين‭ ‬الممرات‭ ‬داخل‭ ‬القسم‭ ‬وعيوني‭ ‬متأهبة‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬الأرقام‭ ‬في‭ ‬أعلى‭ ‬كل‭ ‬قاعة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬وصلت‭ ‬القاعة‭ ‬المقصودة‭ ‬وجدت‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الطلبة‭ ‬تتجمّهر‭ ‬على‭ ‬الباب‭ ‬ومجموعة‭ ‬أخرى‭ ‬تجلس‭ ‬داخل‭ ‬القاعة‭ ‬والكل‭ ‬مشغول‭ ‬بحديث‭ ‬مع‭ ‬الآخر‭ ‬بحيث‭ ‬أنك‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬ان‭ ‬تميّز‭ ‬من‭ ‬الذي‭ ‬يتكلم‭ ‬من‭ ‬كثرة‭ ‬الحديث‭ ‬والثرثرة‭ .. ‬أخذت‭ ‬مقعداً‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬القاعة‭ ‬وجلست‭ ‬أتأمل‭ ‬الجميع‭ .. ‬صامتاً‭ ‬هادئاً‭ ‬متفحصاً‭ ‬وماهي‭ ‬إلاّ‭ ‬دقائق‭ ‬حتّى‭ ‬بدأت‭ ‬حركة‭ ‬الطلبة‭ ‬متسارعة‭ ‬وبحالة‭ ‬فوضوية‭ ‬دخلوا‭ ‬جميعاً‭ ‬إلى‭ ‬القاعة‭ . ‬عندها‭ ‬عرفت‭ ‬أن‭ ‬الأستاذ‭ ‬قد‭ ‬حضر‭, ‬لحظات‭ ‬وكان‭ ‬في‭ ‬القاعة‭ ‬وهو‭ ‬يحمل‭ ‬ورقة‭ ‬في‭ ‬يده‭, ‬كان‭ ‬طويل‭ ‬القامة‭, ‬أطراف‭ ‬شعره‭ ‬قد‭ ‬بدأت‭ ‬في‭ ‬البياض‭, ‬ربما‭ ‬أنه‭ ‬خمسيني‭ ‬أو‭ ‬أكثر‭ ‬بقليل‭, ‬متوسط‭ ‬الطول‭, ‬متناسق‭ ‬الأطراف‭, ‬يرتدي‭ ‬نظارة‭ ‬طبية‭ . ‬ألقى‭ ‬التحية‭ ‬على‭ ‬الجميع‭ ‬وبدأ‭ ‬بقراءة‭ ‬أسماء‭ ‬الطلبة‭ ‬كان‭ ‬صوته‭ ‬خشناً‭ ‬أبح‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬دقيقة‭ ‬يتنحنح‭ ‬من‭ ‬الحشرجة‭ ‬مما‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬المدخنين‭ ‬القدماء‭ ‬ويبدو‭ ‬أنه‭ ‬قليل‭ ‬الحركة‭ ‬وكثير‭ ‬الاتزان‭ ‬اكمل‭ ‬قراءة‭ ‬الأسماء‭ ,‬

وبعدها‭ ‬بلحظات‭ ‬طرُق‭ ‬الباب‭ ‬وكنت‭ ‬سارحاً‭ ‬أفكر‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الأستاذ‭ ‬وكيفية‭ ‬جلوسه‭ ‬واتزانه‭ .. ‬قطع‭ ‬تفكيري‭ ‬عندما‭ ‬فُتح‭ ‬الباب‭ ‬لكني‭ ‬كنت‭ ‬بزاوية‭ ‬لا‭ ‬تسمح‭ ‬لي‭ ‬بالنظر‭ ‬لمعرفة‭ ‬الطارق‭ ‬قبل‭ ‬دخوله‭ ‬لكني‭ ‬سمعت‭ ‬صوت‭ ‬فتاة‭ ‬تقول‭: ‬

‭- ‬هل‭ ‬تسمح‭ ‬لي‭ ‬يا‭ ‬أستاذ‭ ‬بالدخول؟‭ ‬

قال‭: ‬

‭- ‬قفي‭ ‬وليسمع‭ ‬الجميع‭ ‬سوف‭ ‬أسمح‭ ‬للمرّة‭ ‬الأولى‭ ‬بدخول‭ ‬طالب‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬قاعة‭ ‬الدرس‭ ‬بعد‭ ‬دخولي‭ ‬والسبب‭ ‬لأنكم‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الأولى‭ ‬وهذا‭ ‬أول‭ ‬يوم‭ ‬لكم‭ , ‬لكن‭ ‬في‭ ‬المرات‭ ‬القادمة‭ ‬الذي‭ ‬يتأخر‭ ‬لا‭ ‬يأتي‭ ‬أبداً‭. ‬والتفت‭ ‬إلى‭ ‬الباب‭ ‬الذي‭ ‬لازلت‭ ‬لا‭ ‬ادري‭ ‬من‭ ‬يقف‭ ‬عنده‭ ‬بسبب‭ ‬الزاوية‭ ‬التي‭ ‬كنت‭ ‬اجلس‭ ‬فيها‭ , ‬وقال‭: ‬أدخلي‭ .. ‬دخلت‭ ‬الفتاة‭ ‬ونظرت‭ ‬إليها‭ ‬وإذا‭ ‬بها‭ ‬نفس‭ ‬الفتاة‭ ‬التي‭ ‬لاتزال‭ ‬ابتسامتها‭ ‬عالقة‭ ‬في‭ ‬ذهني‭, ‬نعم‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬زادت‭ ‬شغفي‭ ‬بهذا‭ ‬المكان‭, ‬استنشقت‭ ‬نفساً‭ ‬عميقاً‭ ‬وفرحت‭ ‬كثيراً‭ ‬

وقلت‭: ‬

‭- ‬ما‭ ‬هذه‭ ‬المصادفة؟‭ .. ‬هل‭ ‬فعلاً‭ ‬أنّها‭ ‬مصادفة‭ ‬أم‭ ‬أنّها‭ ‬قدر؟‭… ‬لابدّ‭ ‬أن‭ ‬الحظّ‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يلعب‭ ‬معي‭ ‬لعبته‭ ‬الأولى‭. ‬أثار‭ ‬حضورها‭ ‬فيّ‭ ‬إحساساً‭ ‬متفجراً‭ ‬وأعادني‭ ‬إلى‭ ‬لحظة‭ ‬سحرية‭ ‬نعم‭ ‬أنّها‭ ‬هي‭ .. ‬ويال‭    ‬المصادفة‭ ‬الغريبة‭ … ‬بقيت‭ ‬مشدوداً‭ ‬إليها‭ ‬وشعرت‭ ‬باهتمامي‭ ‬وميلي‭ , ‬تذكرت‭ ‬اللحظة‭ ‬الأولى‭ ‬وابتسامتها‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تفارقني‭ ‬حتّى‭ ‬الآن‭.‬

جلست‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬ليس‭ ‬بعيداً‭ ‬عني‭ .. ‬تسارعت‭ ‬نبضات‭ ‬قلبي‭ ‬واحمّر‭ ‬وجهي‭ ‬قليلاً‭ .. ‬استقر‭ ‬نبضي‭ ‬بعد‭ ‬لحظات‭ .. ‬

بدأ‭ ‬الأستاذ‭ ‬بالحديث‭ ‬حول‭ ‬التعارف‭:‬

‭-  ‬سوف‭ ‬يكون‭ ‬لنا‭ ‬حفلة‭ ‬تعارف‭ ‬قريباً‭ ‬وطريقة‭ ‬التعليم‭ ‬في‭ ‬الجامعة‭. ‬وأعطى‭ ‬توجيهاتٍ‭ ‬وإرشاداتٍ‭ ‬وقبل‭ ‬خروجه‭ ‬سألها‭:‬

‭-  ‬ما‭ ‬هو‭ ‬اسمك‭ ‬لكي‭ ‬أشطبك‭ ‬من‭ ‬قائمة‭ ‬الغياب‭ ……‬

‭.‬أجابت‭: ‬

‭- ‬نعم‭ ‬أستاذ‭ ‬إسمي‭ (‬سماح‭ ‬أحمد‭) ‬

  ‬تملكني‭ ‬شعور‭ ‬غريب‭ ‬طفولي‭ ‬أن‭ ‬اقفز‭ ‬فوق‭ ‬مقعدي‭ ‬ولكن‭ ‬حسمت‭ ‬الموضوع‭ ‬في‭ ‬اللحظة‭ ‬المناسبة‭ ‬وسيطرت‭ ‬على‭ ‬نفسي‭ ‬وقلت‭ ‬ما‭ ‬تمنيته‭ ‬البارحة‭ ‬ألقاه‭ ‬اليوم‭ ‬ما‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬الجميلة؟‭ ‬أنّها‭ ‬اللحظة‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬أعيشها‭ ‬في‭ ‬حياتي‭. ‬أبحرت‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬الذاكرة‭ ‬وسرت‭ ‬في‭ ‬طريق‭ ‬الخيال‭, ‬توقفت‭ ‬في‭ ‬محطات‭ ‬كثيرة‭, ‬تعددت‭ ‬أمنياتي‭ ‬لا‭ ‬أعلم‭ ‬أسبابها‭ ,‬شعور‭ ‬غريب‭ ‬ولد‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ,‬إنّها‭  ‬البذرة‭ ‬الأولى‭ ‬لتعلقي‭ ‬بالمكان‭ ‬والزمان‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬أريد‭ ‬له‭ ‬ان‭ ‬ينتهي‭ ‬ولا‭ ‬أريد‭ ‬ان‭ ‬أغادره‭ . ‬

خرج‭ ‬الأستاذ‭ ‬فبدأت‭ ‬الضوضاء‭ ‬داخل‭ ‬القاعة‭ ‬واستدارت‭ ‬نحوي‭ ‬وإذا‭ ‬بها‭ ‬تقول‭ ‬لي‭:‬

‭-  ‬مرحباً‭ ‬اذن‭ ‬أنت‭ ‬معي‭ ‬في‭ ‬الصف‭ ‬؟‭ ‬

أجبت‭ ‬بارتباك‭:‬

‭-  ‬نعم‭ ‬أنا‭ ‬هنا‭ ‬ما‭ ‬هذه‭ ‬الصدفة؟‭ .. ‬

وهي‭ ‬لا‭ ‬تعلم‭ ‬كم‭ ‬أنتظرتها‭ ‬وعشت‭ ‬في‭ ‬ترقب‭ ‬لعلّي‭ ‬أصادفها‭ ‬كان‭ ‬سؤالها‭ ‬عفوياً‭ ‬بسيطاً‭ , ‬لكن‭ ‬لم‭ ‬أشعر‭ ‬به‭ ‬كذلك‭ ,  ‬كان‭ ‬كبيراً‭ ‬بالنسبة‭ ‬لي‭, ‬غمرني‭ ‬سؤالها‭ ‬بالفرح‭ ‬والسعادة‭ .‬

  ‬نهضت‭ ‬وهممت‭ ‬بالخروج‭ ‬وتجرأت‭ ‬وقلت‭ ‬لها‭: ‬

‭- ‬شكراً‭ ‬للصدفة‭. ‬

وضحكت‭ ‬ولم‭ ‬تنبس‭ ‬بكلمة‭ ‬لكن‭ ‬ضحكتها‭ ‬كانت‭ ‬تعني‭ ‬لي‭ ‬الشيء‭ ‬الكثير‭ .‬

  ‬أيقنت‭ ‬أنّ‭ ‬الله‭ ‬يختار‭ ‬للإنسان‭ ‬أمراً‭ ‬ويجعل‭ ‬الصدفة‭ ‬عنواناً‭ ‬له‭ . ‬اكملت‭ ‬يومي‭ ‬الأول‭ ‬في‭ ‬القاعة‭ ‬ولم‭ ‬أخرج‭ ‬إلاّ‭ ‬مرتين‭ ‬،‭ ‬واحدة‭ ‬لشرب‭ ‬الماء‭ ‬والثانية‭ ‬للتجوّال‭ ‬في‭ ‬ممرات‭ ‬القسم‭ ‬،‭ ‬أنتهى‭ ‬الدوام‭ ‬وأنا‭ ‬في‭ ‬طريق‭ ‬المسير‭ ‬اسال‭ ‬نفسي‭: ‬ما‭ ‬هذا‭ ‬القدر‭ ‬الذي‭ ‬جمعنا‭ ‬؟‭ ‬إنّه‭ ‬إحساس‭ ‬فريد‭ ‬يمتّد‭ ‬بي‭ ‬من‭ ‬اللا‭ ‬شيء‭ ‬حتّى‭ ‬اللانهاية‭ ‬يجمع‭ ‬في‭ ‬المتناقضات‭ ‬ليصهرها‭ ‬وتخرج‭ ‬المتماثلات؟‭.‬

‭ ‬وأعود‭ ‬وأقول‭: ‬

‭- ‬لماذا‭ ‬لم‭ ‬اسالها‭ ‬من‭ ‬أيّ‭ ‬مدينة‭ ‬أنت؟‭ ‬

‭ ‬ويرتدّ‭ ‬سؤالي‭ ‬علي‭ ‬بأن‭ ‬لدي‭ ‬متسعاً‭ ‬من‭ ‬الوقت‭ , ‬سوف‭ ‬أسالها‭ ‬في‭ ‬المرّة‭ ‬القادمة‭ .. ‬سيكون‭ ‬الوقت‭ ‬متاحاً‭  ‬للكثير‭ ‬من‭ ‬الأسئلة‭ . ‬عدت‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭ ‬فرحاً‭ ‬مسروراً‭ ‬استقبلني‭ ‬عماد‭ ‬وبادرني‭ ‬بالسؤال‭:‬

‭-  ‬لماذا‭ ‬تأخرت‭ ‬؟‭ ‬

قلت‭ : ‬

‭- ‬لقد‭ ‬أنتهيت‭ ‬لتوّي‭ ‬من‭ ‬الدوام‭ ‬

فقال‭:‬

‭-   ‬يبدو‭ ‬أنك‭ ‬تأخذ‭ ‬القضية‭ ‬جدياً‭ ‬من‭ ‬أولها‭, ‬عزيزي‭ ‬لا‭ ‬تبقَ‭ ( ‬صغيراً‭) ‬لن‭ ‬يعتدل‭  ‬الدوام‭ ‬الآن‭ ‬نحتاج‭ ‬أسبوعاً‭ ‬أو‭ ‬عشرة‭ ‬أيّام‭ ‬لأنّنا‭ ‬ببساطة‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬ولم‭ ‬يستقر‭ ‬الطلبة‭ ‬بعد‭ ‬،‭ ‬على‭ ‬أيّة‭ ‬حال‭ ‬كنت‭ ‬بأنتظارك‭ ‬وتمنيت‭ ‬أن‭  ‬تعود‭ ‬مبكراً‭ ‬أمّا‭ ‬الآن‭ ‬فقد‭ ‬تأخر‭ ‬الوقت‭ .‬

سألت‭   : ‬

‭- ‬على‭ ‬ماذا‭ ‬تأخرت؟

‭ ‬أجاب‭ :‬

‭-  ‬أنا‭ ‬عائد‭ ‬إلى‭ ‬أهلي‭ ‬في‭ ‬كركوك‭ ‬هل‭ ‬تأتي‭ ‬معي‭ .. ‬اليوم‭ ‬لا‭ ‬نستطيع‭ ‬لأن‭ ‬الطريق‭ ‬على‭ ‬وشك‭ ‬أن‭ ‬يقفل‭ ‬لكن‭ ‬غداً‭ ‬صباحاً‭ ‬بمقدورنا‭ ‬السفر‭. ‬

قلت‭  : ‬

‭- ‬لن‭ ‬أسافر‭ ‬لدي‭ ‬دوام‭ ‬ولاأحب‭ ‬تركه‭  ‬كان‭ ‬في‭ ‬صوتي‭ ‬نبرة‭ ‬رفض‭ ‬واحتجاج‭ ‬واضحة‭ .‬

فقال‭ : ‬

‭-  ‬على‭ ‬مهلك‭ ‬ماذا‭ ‬بك‭ ‬وكأنك‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تختصم‭ ‬معي‭ , ‬لم‭ ‬أطلب‭ ‬أن‭ ‬أخذ‭ ‬منك‭ ‬شيئاً‭ ‬عزيزاً‭ ‬رغماً‭ ‬عنك‭ ‬ثم‭ ‬داهمني‭ ‬بسؤال‭:‬

‭-  ‬طيب‭ ‬يا‭ ‬عزيزي‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬غيّر‭ ‬رأيك؟‭ ‬قبل‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬24‭ ‬ساعة‭ ‬كنت‭ ‬تطلب‭ ‬مني‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬أهلنا‭ ‬؟

أجبت‭ : ‬

‭-  ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬أنا‭ ‬هنا‭ ‬أريد‭ ‬ان‭ ‬أدرس‭ ‬وأتعلم‭ ‬وقد‭ ‬تسلمت‭ ‬جدول‭ ‬دروسي‭ ‬ويوم‭ ‬غد‭ ‬عندي‭ ‬دوام‭ .‬

للرواية‭ ‬بقية‭.‬

مشاركة