فسيفس في لندن – محمد علي شاحوذ

336

فسيفس في لندن – محمد علي شاحوذ

من الانصاف القول ان الدولة العراقية الحديثة اخذت على عاتقها منذ عقود تطوير شتى مجالات الحياة وسعت للارتقاء بالأداء الفردي والجماعي، وعملت على تحسين صورة المجتمع العراقي  المعروف بتأثره ببيئة البداوة والقبلية وقوانين العشيرة. ولذلك اجتمع فقهاء وكبار الدولة لإيجاد السبل الكفيلة للبحث عن طرق الارتقاء بالمجتمع، قال قائل منهم : يا سادتي ..ان أفضل حل لتغير واقع وعادات المجتمع هو الاستعانة بالتأريخ العربي من خلال محاكاة تجربة الخليفة المتوكل مع الشاعر البدوي علي بن الجهم، وأكمل حديثه : علي بن الجهم لما حضر من البادية أنشد مادحا بحضرة المتوكل: أَنتَ كَالكَلبِ في حِفاظِكَ لِلوُدْ…….وَكَالتَيسِ في قِراعِ الخُطوبِ ….، وهنا انتبه المتوكل الى الالفاظ الخشنة الواردة في قصيدة الشاعر، وأراد أن يثبت للحاضرين في مجلسه تأثير البيئة على حياة الشاعر، فأمر له بقصرٍ كبير على شاطئ دجلة، يختلط فيها مع الحضر من أهل بغداد، فيكتسب اسلوب حياتهم ويصبح أكثر رقة، ثم بعد ستة أشهر حضر الشاعر مرة أخرى أمام الخليفة وأنشد أرق بيت قالته العرب: عُيونُ المَها بَينَ الرُصافَةِ وَالجِسرِ……… جَلَبنَ الهَوى مِن حَيثُ أَدري وَلا أَدري. اقتنع الحاضرون في مجلس شورى الدولة برأي زميلهم وقرروا بالإجماع تطبيق نفس التجربة من خلال ابتعاث  عدد من الطلاب ممن هم على شاكلة علي بن الجهم للدراسة في دول أوربا التي تتقدم العالم علما وتحضرا، لكي يكتسب الطلاب عادات المدنية، وينقلوها الى مجتمعاتهم. اجتمعت اللجنة لمقابلة المتقدمين الى بعثة الدراسات العليا، سأل رئيس اللجنة أحد الطلبة من المشمولين بالتجربة :هل تفضل السفر في البعثة هذا العام الى أوربا، او تنتظر للعام القادم للسفر الى امريكا؟، أجابه صاحبنا: استاذ.. (بيضة اليوم أفضل من دجاجة باجر!)، صُدِمَ الجميع بهذا الجواب، وقالوا لا بأس لعله يتغير عندما يسافر، وبعد انقضاء اربع سنوات عاد المبتعثون الى ارض الوطن، بعد حصولهم على الشهادات العليا، وكانت اللجنة باستقبالهم في المطار لتكتشف وتقيس مدى تأثير نجاح التجربة  في تغير نمط حياة واسلوب تفكير الطلاب المبتعثون.

سألت اللجنة صاحبنا ذاته: في أي مدينة كانت دراستك؟ أجابهم : في مدينة لندن.

_في أي ضاحية ؟.

_ في حي جميل يطل على شواطئ نهر التايمز العريق.

ثم سألوه : كيف أثرت فيك المدينة ونهرها ونسائها الجميلات ؟، أجاب صاحبنا : لقد كنت سعيدا جدا هناك، فقد كنت اصطاد يوميا (فسيفس)، يقصد وزة تسبح في البحيرة التي خصصتها بلدية لندن للسياحة لا للصيد دون أن يراني أحد، فأقوم بشوائها وأدعوا احدى صاحباتي للاحتفال معها حتى الصباح،!!، عندها سأله رئيس اللجنة: صف لي حالتك هناك،… فأنشدهم أعذب كلام قالته العرب: ( كنت أعيش كملك، وينطبق علية المثل: يا مسعدة وبيتج على الشط ومنين ما ملتي غرفتي)، عندها حدق رئيس اللجنة في وجه صاحبنا وهز رأسه، وقال: ( تيتي تيتي مثل ما رحتي أجيتي).

مشاركة