فساد معلوم النسب – ياس خضير البياتي

شهق الناس

فساد معلوم النسب – ياس خضير البياتي

يا قوم.. عِش رجباً ترى عجباً!

والعجب العراقي، فاسدون ضد الفساد، وأغبياء ضد الجهل، ومنحرفون ضد الرذيلة؛ تلك معالم مشهد بات يتكرر بانتظام، شبكة الفساد في بلادنا، أكبر من شبكة الصرف الصحي، وأعمق من بحر الصين، بل العجب ان لا ترى فاسدا في الدولة العراقية التي نخرتها (ارضة) الفساد. وعجب العراق الجديد ان الكل ضد الفساد، والفاسدون يتظاهرون ضد الفساد، وينتقدونه، ويتحدثون عنه بحرقة، ويرفعون علم النزاهة ليلا ونهارا. وتتساءل من المفسد ومن الفاسد في هذا البلد المنكوب والمسروق! ويتساءل المواطن العراقي عن سر لعنة هيئات النزاهة والشفافية التي افسدت الحياة بالنزاهة، فنحن والحمد الله ننفرد برقم قياسي في عدد الهيئات(الخربانة) التي تؤسس للفساد، وإنجاب سياسيين مصابين بأمراض الفساد المزمنة، وخيبتنا الحقيقية اننا ندخل معارك الفساد الوهمية، ولانطلق فيها طلقة واحدة ونسميها ام النزاهات، ونصدر حكما على فاسدين من الدرجة العاشرة، ونرفع أيدينا بعلامة النصر. والنتيجة دائما أننا نسمع ضجيجا ولا نرى طحنا، أو أغلب الظن أن هذه الأجهزة تعمل بطريقة البروباجندا، فرقعة تصريحات ولا شيء بعد ذلك، إنها أجهزة تنشأ من منطلق إبراء الذمة، وتبدأ لعبة اسمها ثقافة التحايل، كله يضحك على الكل!                     فساد العراق

   وإذا تحدثنا عن الفساد العراقي بالأرقام، فأن هناك ارقام فلكية من المليارات اختفت، وتحولت الى عقارات وفنادقا وبنوك وشركات وملاه واحزاب، وبعضها ذهب الى دول من باب الجيرة الحسنة، لأن السارقين يحملون شرف الوفاء والإخلاص، ويحملون شرف الانتماء لغير الأوطان التي ولدوا فيها ،ومع ذلك تقول لنا منظمة الشفافية الدولية بأن العراق يقع في ذيل مؤشر الفساد ، وان الفساد ليس من جراء إساءة استعمال السلطة للحصول على مزايا شخصية، إنما من خلال توظيف السلطة لممارسة الفساد وتوظيف الفساد لبلوغ السلطة، والفساد بات يشرعن ويقنن ويمارس علناً، ويُشار إليه تحت قبة البرلمان. وفي كلتا الحالتين فإن الفساد، لا يمكن أن نحصره في شخص معين (صاحب سلطة)؛ فهو ليس صفة شخصية يتصف بها فلان ولا يتصف بها فلان؛ الفساد مثل الفيروس، يوجد في البيئة الصالحة لتكاثره؛ فكما أن الفيروس يعيش في الجسم الضعيف قليل المناعة فإن الفساد ينتشر في البيئة ضعيفة (القوانين) وقليلة(الرقابة)، وفي اوطان لا تعرف العدالة. وما يقال عن الفساد حتى الآن هو مقاربات منقطعة لا تلتئم في أي سياق، لأنه عندما تحول من ظاهرة إلى نظام مضاد، أصبح إمبراطورية مترامية الأطراف، وتعددت رؤوسه، فهو يشمل كل تفاصيل النسيج، ولا تسلم منه الثقافة أو التعليم أو الصحة أو أي نشاط آخر، ويتوهم البعض أنه بعيد عن الاقتصاد.

سرقة مليارات

من قال ان الفساد العراقي هو سرقة المليارات فقط، أنه منظومة متكاملة، تعددت رؤوسها وابعادها، بحيث أصبح فسادا منظما ومنهجا، وذكيا قادرا على ابتكار أساليب جديدة، والتخفي تحت طاقيات الأحزاب الدينية والسلطة، هو مستنقع مبتكر يزكم الانوف من جراء رائحته العفنة، فقد أصبح شرعيا لمن في السلطة، مثلما أصبح ثقافة مجتمعية، وشرعة ثقافية، يمارسه المواطن كشيء مألوف لغياب الكوابح. ويخطئ من يقول ان الفساد عندنا هو فساد مجهول النسب، فلدينا الآن قوائم كثيرة من ملفات الفاسدين تكتظ فيها خزائن المحاكم وهيئات النزاهة، وتختفي منها السجون! لكن المشكلة أن (حاميها حراميها)! نعم الفساد ظاهرة عالمية، لكن الفساد العراقي مختلف بكل المقاييس، هو فساد مستمر ومتضخم، ويتكاثر بشكل سرطاني باستمرار لا يعجبه التوقف. ورحم الله من قال، إذا فسد الملح فسد كل شيء، وهو قول ينطبق على واقع العراق، الذي أصبح اليوم مسؤولا عن بواسير نائب، وطقم اسنان آخر ببسمة هوليودية، وتنفيخ شفة نائبة، وحماية المسؤولين بجيوش من المسلحين، ومئات من السيارات المصفحة، ورواتب فلكية للرئاسات الثلاث، اما فقراء بلادي فلهم حصة غذائية عفنة، ومياه متسخة وملوثة، ورواتب شهرية مستقطعة!  رحم الله الراحل (لي كوان) مؤسس سنغافورة العظيمة القائل: تنظيف الفساد مثل تنظيف الدرج يبدأ من الأعلى نزولا للأسفل.  اما الفيلسوف كونفوشيوس فله قول مأثور (اذا صلح القائد فمن يجرؤ على الفساد)!

مشاركة