فساد المؤتمرات – ياس خضير البياتي

506

شهق الناس

فساد المؤتمرات – ياس خضير البياتي

لم اكن اتصور يوما ان تتحول المؤتمرات العلمية الى دكاكين للبيع ،وسوبر ماركت لبيع البحوث ،وينتقل الفساد اليها تحت واجهات ومؤسسات لايعلم الله ماذا تخفي من اهداف ،وماهي مرجعياتها ،ومصادرها المالية ،وارقام حساباتها المصرفية ، فتختار اسماء لماعة وبراقة النفس: نخب العراق ،حكماء العراق ،وعلماء العراق .فلا النخب والحكماء والعلماء في مأمن من مصاصي دماء العلم والحرف ،ولا العراق المسكين الذي ينهش به يوميا من قبل تجار السياسة والعلم .لقد انتهينا الى مأساوية الكثير من علماء ونخب الثقافة والعلم ،فمات الفنان( كالخاس) من مرض الضحك ،والشاعر البريطاني (شيلي) مات غرقا ،ومات الاديب الالماني (ارنست تولر) من حشرجة الورق في حلقه بعدما ان امره هتلر بأبتلاع كتابه الذي كتبه ضد النازية،اما المثقف والعالم ابن العراق فقد جرب انواع الموت ،وذاق مرارة اللصوص ودجلهم ،حتى كاد اليوم يحتل نجومية موسوعة غينتيس للارقام القياسية ! شخصيا،لقد دعيت ضيفا على احدى المؤتمرات العلمية في اربيل كرئيس للجنة العلمية في محور الاعلام ، وادارة الجلسة العلمية الاولى ،وقد وافقت على الامر لأكثر من امر ،اولهما اسم جامعة صلاح الدين ومكانتها العلمية في قلبي ،واحترامي للكرد كقومية متسامحة،وعشقي لمدينة اربيل التي تحمل عبق الماضي ،وجمالية الحاضر ،وثانيهما هو الخجل من الحاح المنسق واصراره على وجودي ،رغم انني كنت وما ازال اشكك بتناسل  هذه المنظمات والجمعيات الاهلية وادوارها ومرجعياتها الخفية، وثالثهما اهمية  موضوع المؤتمرحول ظاهرة خطاب الكراهية وتاثيره على التعايش المجتمعي، واهمية المشاركة كموقف للتصدي لها كظاهرة خطيرة استخدمت لتفتيت المجتمعات .  أعترف بأنني خضت تجربة قاسية لم أخضها من قبل في المؤتمرات العلمية التي حضرتها ،وندمت كثيرا في الحضور،لأنني رأيت العجب في المؤتمر أكثر من عجب رجب ،وممارسات مخجلة لاتتناسب مع جلل المؤتمر واهدافه النبيلة،فقد رأيت بزارا لتداول العملة العراقية والخضراء ،وتهافتا على صيد العلماء بطريقة مذلة ،وتسويقا يشبه محلات المولات والسوبر ماركت ،(أشتري سلعة مقابل سلعة مجانية )، لكن عيب المؤتمر انه لم يعمل تخفيضا مثل هذه المحلات ،وأكتفى بسرقة مال النخب لقاء غداء مخجل يشبه وجبات خطوط الطيران المحلقة في السماء كما علق بعض الزملاء ،وجلسات علمية تشبه محاكم بغداد في الاربعينات من حيث المقاعد والطاولات ،وجمهور لاتراه الا بالعين المجردة ،ولولا سمعة جامعة صلاح الدين ،وما هيأته من مستلزمات الاقامة والتنقل مشكورة ،لاختصرت الموضوع على الطريقة الترامبية ،اعطوني 300 دولار وبحثا علميا ،نؤمن لكم الدار من قصف اعداء  العلم ! وقد عرفت من  الزملاء الذين حضروا المؤتمر ، بأنه الاول في العراق الذي يطالب مشتركيه بدفع مبلغ كبير لقاء المشاركة ،وقد خرج عن القاعدة ،ليصبح استثناء ضمن لعبة غير اخلاقية للابتزاز العلمي ،ويقترب من حافات الفساد العراقي الذي ينخر مفاصل الحياة ،لكن المصيبة الكبرى انه يؤسس لتقاليد لايحبذها العلم ،ولاينبغي الاقتراب اليه لنحر ماتبقى من تقاليد علمية،او لاغتيال الطاقات العلمية ،وادخالهم في نفق النفاق والتردي العلمي .وقد اكتشفت من خلال المؤتمر،وعودتي لجذور تأسيس المنظمات والجمعيات ومواقع مؤسسيها ،ان هناك اكثر من هدف بعضها سري ، تعمل ضمن اجندات للكسب السياسي والامني والمادي ،وتفريغ عقدهم النفسية ونرجسياتهم في تأسيس هذه المنظمات الهزيلة التي تتأسس تحت عناوين كثيرة ، سياسية وعشائرية وطائفية ،فهناك أشراف للمدن والعشائر وهناك حكماء للعراق ،لكن هؤلاء الاشراف والحكماء يريدون عنوة أن يتقدموا الصفوف كشخصيات مريضة تعاني من شهوة السلطة والمال .لقد ضحكت على بعضهم،مثلما يضحك البعض على نوادر جحا ،وهم يطرقون باب السفارات لعقد اجتماع مع قنصل او موظف من الدرجة العاشرة لأخذ صورة دعائية،او التجول في عواصم الدول العربية والاسيوية لتأسيس المزيد من المنظمات ، او عقد لقاء مع الهنود كداعية اسلامي او تربوي، لذلك تمتلئ مواقعهم الالكترونية بهذه الخزعبلات والمضحكات المبكيات ،ويظن قارئ الموقع ان صاحبه قد فتح مكة والمدينة، وسيحرر فلسطين قريبا ،وان صورهم ونشاطاتهم تكاد تكون متفوقة على موقع الرئاسات الثلاث في العراق ! الامر الذي سرني وأفرحني ،هو الاعتذار المتواضع لرجل العلم الذي قدمه لي البرفسور د. احمد دزة يي رئيس جامعة صلاح الدين بعد مقاطعتي للمؤتمر في يومه الاول لاسلوب الابتزاز المالي،وعدم قبوله لهذه الممارسات ،وتأكيده على ان المنظمة  هي المسؤولة عن المواضيع المالية والاشتراكات ،وان الجامعة وفرت مكان الاقامة المجانية والنقل والقاعات والخدمات والتنظيم ،وهو مايشير الى ان هذه المنظمة كان هدفها تجاري محض ،ولاعلاقة لها بالعلم والحكماء !

بأختصار، القضية ليست شخصية ،وما اردت قوله،ان الكثير من المنظمات والجمعيات العلمية ،هي للكسب المادي ،ووجاهة اجتماعية للظهور ،ونرجسيات مريضة تريد ان تقتحم الحياة السياسية والعلمية من خلال هذه الواجهات التي تناسلت مثل الفاسدين. سمعت تعليقا ،بأسلوب السخرية ،من احد الزملاء الحاضرين يطلق على احدهم 56 وحاولت جاهدا فك رموزها، لانني عرفت لاحقا بأنها متداولة شعبيا بين العراقيين ،لمن يسرق من السياسيين والتجار والبرلمانيين ، وهي تشير الى المادة 56 من الدستور التي تنص على النصب والاحتيال ! أخجل اضافة البعض ممن ينتسبون للعلم لقائمة الفاسدين ،فالحكماء الحق لا يقعون في مفسدة الجهلة ، لأنهم مهابة العلم وقدسيته، وحاشى أن يكونوا مرضى المال والجاه ! وما اخشاه من رجل العلم،هوالمنافق والأنتهازي الذي يبيع العلم بمفسدة الجاهلية ،ويلبس جلود الضأن من اللين ،وقلبه  قلب الذئاب ،ويعرف من اين تأكل الكتف!  ومثلما اكلتنا الذئاب المتوحشة من السياسيين والتجار،فأنها هذه المرة ،حاولت ان تأكلنا الذئاب البرية بأسم الحكماء والعلم!

مشاركة