فريال الصايغ: المقطوعة الأدبية واللوحة تتناوبان على تلبية ميولي

696

فريال الصايغ: المقطوعة الأدبية واللوحة تتناوبان على تلبية ميولي

ممارسة الفن التشكيلي التقليدي مذاق كالترياق

 خالد ديريك

عاشت طفولة مرحة، هادئة، وترعرعت في أسرة معظم أفرادها من الإناث، من أب وأم يتقنون التربية الواعية الصحيحة فنشأت على الالتزام والشعور بالآخر. انتقلت إلى مرحلة البلوغ وهي تتمتع بالثقة والإرادة القوية وفي نفس وقت مفعمة بعفوية التعبير والصدق في التعامل، ومن ثم أكملت برفقة زوج متفهّم داعم، وتقول في هذا السياق: ربما أجمل ما أنا عليه الآن أنني أم لثلاثة أولاد لهم كل الاهتمام والتفاني. روحها المؤمنة، هائمة في فضاء الآتي، ولكن الحنين يكبّل مشاعرها ويُعيق انطلاق صرخاتها. رسامة بالفطرة، كانت ترسم في المراحل الدراسية الأولى بأقلام التلوين والطباشير على الأوراق والدفاتر، ومحيطها البيئي الخضراء كان كالرافد الذي يمد نهر موهبتها ففاضت ريشتها بألوان زاهية ولوحاتها اليوم تؤكد على ذلك. تحرص على إضافة وتوزيع العناصر في جسد اللوحة لتمنحها الروح وتحاكي وجدان المتلقي عند مروره أمامها، وإن اضطرت وتزاحمت المواضيع وتشابكت الخطوط والألوان في اللوحة، تضيف العنوان ليرشد الناظر إلى المكان الصحيح حيث العبق يتطاير من منحنيات ونقاط مزركشة التي تقع خلفها الجمال والإبداع. وترى أصالة الفن التشكيلي تكمن في التقليد المُتّبع، وممارسته تعني الأبدية، وتربط الحرف مع اللون بطريقتها الخاصة لأن للوحة تصريح عبور أسرع وأكثر أمنًا وتأثيرًا، ومهما يكن فالريشة والقلم هما بمثابة فلذتا الكبد عندها. فريال الصايغ فنانة تشكيلية من بلدة صوفر اللبنانية، شاركت في الكثير من سمپوزيومات والمعارض الجماعية المحلية والعربية والدولية، تميّزت أعمالها من خلال الرسم الزيتي والاكريليك، ولها خبرة في فن الحفر على الخشب وتشكيل الباطون، وتدرّس حاليًا مادة الرسم والأشغال اليدوية للطلاب، وهي عضو في العديد من الجمعيات الأدبية والفنية والاجتماعية. وقد أصدرت مجموعة شعرية لها تحت عنوان “قميصه الأبيض”، إضافة إلى كتابة قصص الأطفال.

نص الحوار …

أشارت الأستاذة فريال الصايغ في بداية حوارنا معها بأنها رسامة بالفطرة، ولم تمر بمرحلة التكوين المتعارف عليه:  أنا رسامة بالفطرة لذا لم يكن هناك تمهيد أو تخطيط كي أكون تشكيلية فمنذ نعومة أظافري ومن حين بدأت قدرتي على الإمساك بالقلم، كنت ارسم الخطوط والزهور والفراشات، والشمس الصفراء الكبيرة كانت تتصدّر كل كتبي ودفاتري المدرسية. وكانت الألوان تأخذني إلى عالمها السحري المزركش وتعيدني مأخوذة. ولأنها رسامة بالفطرة، ظهر شغفها بالرسم في مرحلة مبكرة من عمرها:

اقلام التلوين

في صغري كنت أحتفظ وبحرص، بأقلام التلوين والطباشير والأوراق البيضاء وكل ما يخدم شغفي للرسم، ومن بعدها بدأ اطلاعي وعمّقت معرفتي وأصبحت أجيد ما أقوم به بالوسائل الذي يتطلبها العمل

أما بالنسبة للروافد التي غذّت موهبتها فهي:

بالدرجة الأولى هي محيطي البيئي، كوني ابنة بيئة غنية ومتنوعة وتتباهى باخضرار لونها وعبق عطرها وعليل مناخها كل هذا وأكثر ترك فيّ جمّ الأثر. تعد الصايغ كل إنجاز فني مهما كان حجمه خطوة مهمة وانطلاقة جديدة لها، ولا بداية محددة للنجاح والشهرة: بالنسبة لي البداية تكون دائماً من حيث تقف. وكل محطة هي بداية جديدة. لا شك هناك أوقات لا تنسى ولها وقعها وعزيزة على النفس ورفعت من معنوياتي وأشعرتني أني على الطريق الصحيح ولكن لا أريد أن أُخفف من أهمية أي لحظة أخرى قمت فيها بمجهود فني وقدّمت عمل أعطيته كل الحب فالخطوة وأن تعثّرت يلحقها خطوات لإكمال الطريق. فقد عرضت أعمالي في ربوع وطني وفي الخارج وحصلت على التنويه وحصدت الرضى، لكنني ما زلت أشعر بأنني أحبو وأنتظر الانطلاقة الجديدة. أما أهم النقاط التي ينبغي توافرها في اللوحة لتلفت التشكيلية الصايغ عناية المشاهد فهي: الموضوع، العمق، المنظور، الضوء، اللون، الخطوط، توزيع العناصر، …. كلها نقاط قوة تخدم العمل وترفعه إلى مصاف الرقي والإبداع، ولكن في النهاية، اللوحة يجب أن تكون أنت طالما هي تنتمي لعصمتك وتحمل هويتك ولها بصمتك. تضيف: فالتشكيل هو بحب وبعث المشاعر في الألوان ونقل لسان الحال على القماش، وهي بمثابة جسور العبور بين العمل الفني ووجدان المتلقي، وتلِجْ روحه بسهولة كعبور النسيم عبر حرير الستائر في ليالي الصيف الدافئة. ولطالما كانت أغلب الأعمال الفنية تجسد معاناة المشاهد ويشعر أنها تخاطب مشاعره وتحاكي تجاربه وتمثّل واقعه. تضع أحيانًا أسماء للوحاتها لتتجنب المتلقي من الدخول إلى المتاهة: نظراً لتزاحم المواضيع في لوحاتي أحيانًا ولأهمية الفكرة التي أريد توصيلها بأمانه فأطلق عليها أسماء كي لا يتوه المتلقي كمن يحاول اختصار الطريق ربما بعبارة التي قد تكون دليله السياحي في أزقّة خطوطي وعجقة ألواني، أو كأني أرشده إلى العنوان وأترك له سر استكشاف المكان وعبقه، أو كمن يوصلك بِيخته إلى شواطئ الجزيرة ويطلب منك إيجاد مكان الكنز. تحولات في استخدام الألوان حسب مراحل العمرية، فماذا استخدمت؟ وماذا تستخدم الآن: كما كل فنان موهوب منذ الصغر يبدأ بخطوطه الأولى بما يتاح له، بدأتُ أيضًا باستخدام الأقلام الخشبية وأنا على مقاعد الدراسة لما فيها من سهولة في التطبيق وقليلة التكلفة في حينها، ومن ثم عملت فترة طويلة بالتلوين الزيتي _ الملكي _ استعماله فيه متعة لا تضاهيها أخرى وانسيابية ومرونة حتى أن الريشة تعشقه كذلك القماش واللون يتداخل مع الآخر بكل طبيعية وسلاسة. انطلقت بعد ذلك على العمل بالاكريليك الذي أصبح له مؤخراً الحصة الكبيرة في أعمالي كونه سريع النتيجة ويجف بسرعة وله نفس تأثير التلوين الزيتي الفن الواقعي أساس الفن، ولا تختلف عين الفنان الواقعي عن عين المصور الفوتوغرافي: الواقعية أساس لكل فنان فهي تُغني مخزونه الفني وتشحن ذاكرته وتمدّه بالخبرة وهذا ما يفسّر النقل الواقعي للمجسمات والموديلات والمحيط عند المبتدئين كي يكسبوا المهارة المطلوبة. أنها المراحل الأولى ومن ثم يشق الفنان طريقه ويأخذ المنحى الذي يرتاح له والمدرسة التي يحب أن ينتمي إليها، ولا أريد أن أنكر هنا موهبة المصور الفوتوغرافي والزوايا التي قد يأخذها بعدسته والترصد للمنظر وسرقة اللقطات المميزة والنادرة. فعين الفنان الجميلة لا تختلف بين مصور أو رسام فكلاهما متذوّق ولكن طبعا نقل المشهد بحذافيره لا يعطيه طابع خاص أو صفة خاصة أو تفرّد. رغم ظهور الفن الرقمي …. ترى في ممارسة الفن التشكيلي التقليدي مذاق كالترياق لمن يصبو إلى الخلود: غزت التكنولوجيا كل ما حولنا برمّته بما فيه فن الرسم فظهر الفن الرقمي بطبيعة الحال الذي يعتبر الآن أحدث أنواع الفنون لسهولة التطبيق، والمهارة العالية، والإبداع في التصميم وإضافة المؤثرات واختزال الوقت…. ولكن، أصالة الفن التشكيلي تكمن في التقليد المُتّبع، ولفن الرسم طقوس عند من يزاوله، وممارسته لها نكهة خاصة وشعور مختلف، ومذاق الترياق لمن يصبو للأبدية. إنه رفع يدك إلى خشبه الخلاص والخلود لمهارتها وحرفيتها والتي هي على الدوام في خدمة مخيلتك الخامة، الصافية الروافد. تتابع في هذا المنحى، وتشبه الفن التقليدي بالأسرة الواحدة، وتضرب مثالًا: الفنان وأدواته أسرة واحدة متماسكة الأفراد، كلّ له مكانته الخاصة ودوره الفعّال: نوبة فنيّة، ريشة، لون وقماش. فيولد العمل الفني وإن كان مخاضه عسير لكن المولود “ذَكر” ولا أريد أن أُفهم خطأ هنا فأنا مع المساواة بين الجنسين ولكنه تعبير مجازي قديم يؤخذ به عندما يكون الإنجاز على قدر (التعب). تشرح مراحل صنع المنحوتات الخشبية:  بالطبع حفر النقوش والرسومات على الخشب يتطلّب مهارة وصبر ودقة عالية وحذر بالإضافة إلى خيال وذوق رفيع والاهتمام بالتفاصيل. نبدأ برسم الموضوع المطلوب وتخطيطه على القطعة الخشبية ونحدد الأطراف الخارجية ومن ثم نبدأ بالحفر رويداً رويْداً وبكل تأنٍ وبعدها ندخل على العمل الأكثر دقّة فتبدأ التفاصيل بالظهور وعند الوصول إلى الغاية المرجوة نحصل على مُجسّم خشبي كامل متكامل. تظن الصايغ بأن فن الحفر على الخشب هو الأكثر نبضًا وأناقة:  ربما هذا العمل الحرفي النحتي هو الأكثر نبضاً وأناقة من كافة الفنون. تبين بأن فن تشكيل الباطون هو محاولة لتخفيف الكارثة الإسمنتية على حساب البيئة، وذلك من خلال:  أظن بعد سيطرة الإسمنت على مساحاتنا الخضراء بشكل فظيع هذا أفضل ما يمكن فعله نحن كفنانين للتخفيف من وطأة هذه الكارثة البيئية بتجميل جدران الباطون الرمادية الباردة وتحويلها إلى لوحات فنيّة تبهج النظر. أما مراحل تشكيل الباطون تكون على الشكل التالي:  تشكيل الباطون هو نوع من أنواع النحت الإسمنتي يعتمد على صب المادة اللزجة في إطار معيّن له قاعدة حديدية أو أي مادة أخرى وانتظارها حتى تجفّ ومن ثم الحفر عليها، وهذا يتطلّب مجهود وسواعد قوية. والعمل بعدها على التفاصيل باستخدام أدوات معدنيه حادة مُسننة تتناسب مع طبيعة الإسمنت الصلبة.

وعن الجص تقول:

 أما الجص أو ما يُعرف بالجفصين، هو عبارة عن مادة بيضاء اللون ويستخدم في أعمال الديكور وله قوالب خاصة ذات أشكال محددة. وأخيرًا في هذا السياق يأتي الصلصال أو الطين السهل التشكيل والمرن والذي يدخل في صناعة التحف وأدوات الزينة. تصف الترابط بين اللوحة والقصيدة بالوثيق جدًا، وتُعرف التشكيل والقصيدة على النحو التالي: التشكيل: هو وسيلة تعبير عن مكنونات النفس، إنه تفريغ كل هواجسنا وأفكارنا على بساط القماش فيزهر ألوانا محولاً معاناتنا إلى عمل فني جميل يسترعي انتباه المتلقي، فيُحيك حوار من التخاطب الراقي.

القصيدة:

هي وجه أدبي إيقاعي آخر للبوح عما يختلج فينا من أحاسيس، هي صور ومشاهد ووصف دقيق عابقة بالتشكيل والألوان إن جاز التعبير. والترابط بين اللوحة والقصيدة جداً وثيق.

أما الفرق بين الفن والقصيدة:

الفن هو وسيله تخاطب بين كل الشعوب ولكن الرسم طريقه مُعبّدة والفكرة من خلاله لها تصريح مرور أسرع لكل الناس، بينما القصيدة لها مصطلحاتها الخاصة بكل لغة وهنا ربما تتعذّر الوصول دون خوض غمار اللغة والترجمة.

شاعر قد يكون مشروع تشكيلي وليس العكس، لهذه الأسباب:

ربما العكس قد يكون أكثر صحّة وشيوعًا. كالقول إن الشاعر قد يكون ولا أجزم مشروع تشكيلي كونه أو مطلق أي إنسان يستطيع تعلّم قواعد الرسم وبإمكانه أن يُقدّم عمل فني خاضع للمواصفات والشروط المطلوبة. ولكن الرسام قد يجد صعوبة التعبير بالحرف والعبارة وربما ألفاظه الأدبية والإنشائية غير مطواعة وقد لا تخدمه ببناء هيكل للقصيدة وحبك الجُمل وتجميع المرادفات فيكتفي بالتعبير بصمت باستخدام الإبداع في اللون والمشاهد الصورية وتُقتصر موهبته على فن الرسم دون خوض غمار الشعر

الشعر والرسم صُنوان لا يفترقان:

أشعاري لوحات وخيالات من أحلام هربت من هزيع الليل فحاصرها قلمي المترقّب وسجنها في ديوان صباحي بعنوان قميصه الأبيض”. قلمي وريشتي طوع أفكاري، يخدمان مشاعري، إنهما وسيلتان لنفس الغاية، وجهان لعملة ثقافية فكرية واحدة. فالمقطوعة الأدبية واللوحة التشكيلية تتناوبان على تلبية ميولي الفنيّة، فمتى يتعب القلم يُسلّم الدفّة للريشة ومتى أرادت الريشة أخذ قيلولة يستأنف القلم نشاطه وهكذا دواليك فهما على تواصل وانسجام. برق ورعد، مدّ وجَزر. وإن جاز التعبير أنا الأُم المُنجبة وأنا الأُم الحاضنة، والقصيدة واللوحة فلذتا كبدي ويتلقيان نفس الرعاية ويحملان ذات الجينات. طرقت باب قصص الأطفال، لأن الطفل المزروع في وجدانها لا يكبر: في داخل كل مرء منّا طفل صغير يأبى أن يكبر أو ربما نحن من يحرص على بقائه متراقصًا في حنايا الوجدان فيملأنا حنين يعيدنا بين الحين والحين إلى الماضي الجميل حيث ملاعب الطفولة الخالية من أي أعباء أو مسؤوليات، المزهرة بالفرح والبراءة. فمنّا من يترك طفولته تشيخ وراء ظهره المثقّل بهموم الحياة ومشاغلها ويطمر أصداءها، ومنّا من يبقى مُمسّكا بهذه الميزة التي تمدنا بالطاقة والعفوية والإيجابية.

وتضيف: أنا شخصيّاً، لم أشعر يوماً رغم تقدم السنين أن الطفل المزروع في وجداني يكبر، فهو مُنزّه عن عبث الإنسان الناضج وكَدَره بل بقي محافظ على زهوه وفطرته. أُخبره كل مساء القصص كي يغفو منعماً بدفء المشاعر لذلك نَمَتْ هذه الموهبة عندي مع الوقت في حين بقي الطفل فيّ صغير يمدني بالحكايات التي قد لا تنضب. التشكيلية الصايغ لا تلتفت إلى أحاديث لا طائل منها فالمنافسة عندها حافز والحسد فعل مكروه: لا شك أنني أشكو من الطيبة، رغم اعتزازي بها توقعني في مطبات أحاول تجنبها وقد أنجح مع مرور الوقت. المنافسة الشريفة ضرورية فهي حافز. أما الحسد فهو فعل مكروه يُعيق. ولا شك هناك من يحكم دائماً بالسوء أو ينتقد أو عنده مأخذ وغاية وهذا ما يدعوني للاستغراب والتساؤل ليس أكثر. ولكن أنا شخصياً أجد نفسي بعيدة عن هذا التخبط لأن غايتي أولًا وأخيرًا عملي وشغفي به فلا أقف على أعتاب القيل والقال. فنظري لا يذهب إلا إلى مصدر الضوء وروحي تهيم في الهواء النظيف. فالأُفق الفني يتّسع لكل من يُجيد التحليق وليس ساحة قتال ومبارزة بل منافسة داعمة تزيد من صلابة جناحيك.

لقب فنان لا يحمل الزغل، وهو جوهر بسيط لا يلتصق به غبار وأنا أجاهد للحفاظ على صفة الفنان فيّ. وتختم الفنانة التشكيلية والشاعرة فريال الصايغ حوارنا معها بالقول:

 أريد أن أقول إن كل ما ذكرته فيما سبق رأيي الشخصي بكل عفوية وتلقائية حتى إني لم استخدم مسودّة ولم تربكني الكلمة فكل ما مر بالبال نثرته على الورق ليرقص على سجيته بلا تحفّظ. كما أريد أن أنوه عن نوعية الأسئلة وشموليتها وهذا دليل اهتمام ومهنية عالية

جزيل الشكر لكم أستاذ خالد ديريك ودمتم بخدمة الفن والثقافة.

مشاركة