فرنكشتاين في بغداد من وجهة نظر الأدباء

795

الرواية العراقية المرشحة إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر

فرنكشتاين في بغداد من وجهة  نظر الأدباء

رزاق ابراهيم حسن

بغداد

اتيح لرواية (فرنكشتاين في بغداد)  ان تحصل  على موقع بارز في سلسلة الروايات  العربية المرشحة لجائزة بوكر، اذ رشحت للقائمة القصيرة للروايات العربية المرشحة لنيل هذه الجائزة، وهي تعد القائمة الاساسية  المعتمدة في فرز الروايات الفائزة، ويتوقع الكثير من الادباء ان تكون  الجائزة الاولى من نصيب  كاتب هذه الرواية  احمد السبعاوي ، وتقديرا   لهذه الرواية، واحتفاء بترشيحها  للقائمة القصيرة لجائزة بوكر اقام الاتحاد العام  للادباء والكتاب في مقره بساحة الاندلس  في بغداد ندوة  ادارها الروائي والقاص خضير الزيدي، وحضرها جمع حاشد من الادباء  وقد استهلها الزيدي بالحديث عن الرواية وصنعها وعن  خصائصها  بكونها  قاسية ، شاقة، وتتطلب حضورا ميدانيا  في مكان الحدث والشخصية وتساءل : هل توجد خارطة مناطقية لرواية (فرنكشتاين في بغداد) ؟ وهل اسهمت بتوصيل الرواية العراقية الى خارج العراق؟ وهل قدمت نفسها على انها مفاجأة ام انجاز في سياق  تاريخ من الانجازات الروائية؟

وتحدث بعد ذلك الروائي احمد السعداوي منوها الى انه لا يريد في حديثه  ان يكون مكررا وانه ينطلق في حديثه عن الرواية من نقطة الصفر، حيث تتراجع وتنهار المرجعيات ويحدث الانهيار الكامل وتكون الذات هي المحك.

وقال عن رواية (فرنكشتاين في بغداد) : لقد كنت راكبا في سيارة عمومية، وشاهدنا في الطريق سيارة شرطة يحاول افرادها حمل رجل مقتول  الى داخل السيارة وكان هذا الرجل مرميا في النفايات، وقد اثارت جثة هذا الرجل حوارا بين ركاب السيارة العمومية من يكون هذا الرجل؟ والى اية طائفة ينتمي؟ وهل هو من جماعتنا ام من الجماعات الاخرى؟ وهل هو بريء ام مجرم؟ وهل يستحق ما حصل له من تعذيب وقتل؟ وطرحت اسئلة واجوبة اخرى، ولكن ركاب السيارة  اجمعوا ان الرجل المقتول  يستحق الموت لانه مذنب، ولو كان  غير مذنب ما حصل له ذلك، وبدوري امعنت التفكير في هذه النتيجة، واخذت في البحث عن اسبابها، واقتضى  مني ذلك ان اقضي اربع سنوات  باحثا عن هذه الاسباب، كما انني وضعت ثلاث  مسودات  للرواية، مستندا على وثائق ومعلومات ، وعلى الكثير من المقابلات، اذ دخلت ازقة وبيوت  منطقة البتاوين، واصبحت معروفا لدى الكثير من سكانها، فلكي تكتب عن بيئة معينة لابد وان تتعرف عليها وتعيش  بين سكانها ، وان تكون واحدا منهم، وان يكون لديك اكبر عدد من المعلومات والمصادر والوثائق.

ولست الوحيد الذي يكتب رواية بهذه المواصفات فقد عرفت كاتبا اجنبيا قضى  عشر سنوات في كتابة روايته، ومن المؤسف ان تكون بعض الروايات قد كتبت بمعزل عن الواقع، وعلى اساس افتراضات  غير مستندة الى  وثائق ومعلومات  ميدانية.

متحدثون اخرون

وتحدث عن الرواية الناقد فاضل ثامر رئيس الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق حيث قال: قد يفاجئ بعض القراء بالروائي احمد السعداوي وصعوده الى القائمة القصيرة لجائزة بوكر، ولكنني اتوقع  له ذلك  ، فقد سبق لي الاطلاع على روايتين وهما روايتان  جديتان ويبدو لي انهما قد رسختا اقدامه في الفن  الروائي، بحيث استطاع  ان يتقدم بمزيد من الرسوخ في روايته الجديدة (فرنكشتاين في بغداد)  التي تنتمي الى تيار  ما بعد الحداثة.

واضاف : ان رواية (فرنكشتاين في بغداد) تستعدي التوقف بكل محتوياتها، ومن العنوان والاستهلال الى المتن، وهي رواية ذات بناء بوليسي وذات خيال تاريخي وسردي يدفع القارئ الى التشويق والملاحقة.

وقال الروائي والقاص شوقي كريم : ان احمد السعداوي قد اخلص بوعي عميق ومقدرة  بارزة للفن الروائي ، حيث وضع اسمه الى جانب افضل وابرز الروائيين العرب والعراقيين، وهو لم يكتب  رواياته تقليدا لاحد وانما كتب عن مكان عراقي وشخصيات عراقية ومشكلات عراقية ليقدم بذلك رواية عراقية.

وتحدث الروائي والقاص احمد السبعاوي عن تجربة قراءة رواية (فرنكشتاين في بغداد) مؤكدا : ان الرواية كانت  في غاية  التشويق، وانه قرأها في ثلاثة ايام  دون انقطاع وانشغالات اخرى، وانه يعجب من كثرة تفاصيلها ، ومن اين جمعت هذه التفاصيل، ويبارك لاحمد السعداوي قدرته على ادارتها، وحسن التصرف بها وتوظيفها، والتوسع   المسيطر عليه فيها.

وقال الناقد والشاعر  علي حسين  الفواز: ان من سمات رواية (فرنكشتاين في بغداد) انها استخدمت من اسلوب  التحقيق، وقدمت  شخصيات متوازية ذات كينونات  مختلفة، وجعلت نصها اشتباكيا صراعيا، وكانت ماهرة في التعاطي مع الزمان والمكان وصنع الخطاب السردي، وهي ذات رؤية جديدة فيها الكثير من المرارة والتشاؤم، لانها شاهد  على زمن عراقي  فيه الكثير من المصائب والفواجع والنكبات، والروائية من ناحية اخرى ركزت على الحس الاجرامي  في البيئة العراقية، ولكنها  لم تقرن ذلك بالتطهير ولم تدفع الشخصيات الى التحرر من النوازع الاجرامية.

واثنى الروائي والقاص محمد جبر علوان جبر على الرواية عادا اياها  بالرواية  المليئة والمكتنزة التي استطاعت الانتفاع على سعة وتوترات  الرعب،  وان تتناول احداثا  وتفاصيل كثيرة دون الوقوع   في فخ المباشرة والتقريرية.

وتساءل: هل امتلكت الرواية  شروطها الجمالية،  وحققت  التعامل اللغوي المناسب لها، وهل اعطت للمكان استحقاقه؟

وكانت  الاجابة مع الرواية، كما ان الناقد علوان السلمان اشاد بالرواية مؤكدا انها استوجبت العديد من التجارب الروائية دون ان  تكون محسوبة على واحدة منها، كما انها استطاعت ان تتناسب  مع اجواء وخصائص المكان ، وان تحقق لبعض شخصياتها القدرة على الايحاء والترميز وان  تكون  شاهدة  على ما يعيشه العراق  من ظروف  ماساوية   بسبب عمليات  القتل والتفجير والعنف الطائفي، وبسبب الابتعاد عن الهوية العراقية الوطنية.

ويتساءل الناقد اسماعيل ابراهيم عبد: لماذا كتب السعداوي هذه المدونة الغائرة في الكشف، الغريبة بوسائلها الفنية لفضح طبيعة العنف؟ ، لم كل هذا الايغال في ابراز مظاهر الجريمة؟ ثم ما الفكرة التي سيتم بها تدوين  التحولات اللاحقة؟

ويجيب: ان حادثة الرواية انفجار وموت تقع في مكان واقعي (البتاوين قطاع 7) والوقت (ذهاب العجوز ايليشوا للصلاة) والفضاء (حركة باص الكيا) فاية معقولية  في (ان سبب الانفجار مغادرة العجوز المباركة  الى الصلاة) بمعنى، لعدم وجود  بركة العجوز في البتاوين حدث الانفجار!

ثم اية معقولية تجعل  حركة الكيا فضاء للحدث!

هذا عبث  وسخرية منضمان ليقولا المعقول  في اللامعقول والواقعي  في الاسطوري. ثم ليصر الاستغال الروائي مدونة مصيرية لطبقات القاع الاجتماعي المستهدفة  في هذا الخراب كله.

وبغض النظر عن  الاتجاه الفني الجمالي الذي يتوج به العمل نتساءل، ما القيم الحداثية للثقافة المولودة في المقطع اعلاه؟

الثقافة  كسلوك والثقافة كتجربة متنوعة والثقافة كوسيلة  للعيش تنتظم  هنا بثلاثية:

1. اسلوب الروي استثمر اللغة الوسطى المبسطة القريبة من لغة التخاطب الشعبي لان القوى المشاركة فيه لا تتمتع بصفة ادبية فهم شرطة وامريكي ودلال ومترجم. ثم ان المستجوب دلال من طبقة الشغيلة، والمتوفون  شحاذون، فلا يتلائم السرد الروائي باللغة  البليغة مع شخوص هذا المجتمع.

ومن نتائجه الثقافية والاجتماعية، لغة حداثية منسجة مع روحية الحكاية الحديثة الشرا ئح المشاركة فيه يصيرون المشهد موجها، بالشؤون التي وصفناها، الى  طبقات القاع الاجتماعي.

2. يتيزيا النص بلبوس الفكر الاسطوري فتقترب من الخرافة لولا عناصرها  المادية وطريقة التصاق الشحاذين  بوضعية الجلوس تغطي سخرية الكاريكاتير وهو هدف غير المنظور يراد به  جعل الماساة ملهاة جديدة دموية.

3. الخلط الحضاري بين عليا الاقوام والاقوام الاقل تحضرا وبين الطبقات القاعية اي الخليط المشكل  من الامريكي والدلال والشحاذين، يحيل مباشرة الى مفارقة عجائبية تشبه اسطرة المصائر في العراق واسطرة الضمائر العالمية  عن الوعي عمدا.

4. الاهتمام باسباب الموت يخفي فعل عدم القدرة على معرفة مصادر الجريمة، وعدم الجدية  في مكافحتها.

5. وضع الروائي  ليزيد في اسطرة الحكاية- مسؤولية التقصير في حماية الناس على الشرطة  والامريكان الذين وضعوها بصورة غير مباشرة على عاتق افراد لا صفة لهم في الدولة الجديدة، كالدلال  والعتاك والشحاذ ونساء الازقة الفقيرة، وكان الجرائم ليست سوى حكاية.

النص الفائت يقدم رؤية متنامية لـ:

– حداثة لغوية تفيم جسرا بين لغة الادب ولهجة السوق.

– تخالط بين اكثر من حضارة

– موقف للامريكان من العراقيين وبالعكس وما سيفرز من اوضاع اجتماعية لاحقة، وهناك اربعة احلام مقتطعة من الرواية كامثلة عشوائية  تفيد تنويع وظائف ما بعد تداولية، يستثمر الكاتب سلوك الفرد الصحفي، المثقف ليدل على ازداوجات  الشرقي المتفاوتة  بين الاجتماعي والثقافي والفني:

1. عدم اكتمال اللذة لا في السلوك ولا في التخيل.

(نهرها فصمتت، ثم كبس بيده على فمها وهو يلتحم بها من الخلف- رواية  فرنكشتاين  في بغداد، 263).

2. استغراق الشرقي في الحلم يفسد عليه  الواقع.

(كانت تشبه نوال كثيرا .. وكان محمود معها يحقق اقترابه الاعمق من نوال – رواية  فرنكشتاين  في بغداد، 264).

3. استفحال التصور الادبي، بان المراة حاضرة اينما يذهب ، وبمجرد وجود  رجل وامراة ستكون النتيجة إما حبا أو زواجا.

(رأى محمود انه يمسك بيد نوال الوزير- رواية  فرنكشتاين  في بغداد، 261).

4. تضخم عقدة الجنس ووصولها الى حالة من التوحش واللاارتواء.

(غطس في اللذة بسرعة متصاعدة، غير انها بدأت تتأوه بطريقة غير مريحة. – رواية  فرنكشتاين  في بغداد، ص 262).

اولئك حصائل من ظاهر النصوص تحيل الى عدم التوصل لنتائج التاويل لما بعد تداول الانشائية، لو لا انها تضمر المستوى اللاتي  من القراءة.

– في الدراما تكون المواقف شبه متقاطعة او متكاملة لاجل الوصول الى عقدة في قمة الاحداث، ثم تبدأ الحلول بالنزول التدريجي او المتسارع . وفي النصوص  حركة درامية حين تعاد الى اصلها في الرواية، فهي تبدأ بالتخيل لتنتهي  في مركب عقدة النقص، العطش الجنسي المريض.

2. في الصنعة اللغوية للرواية يبث الخطاب بلغة حسية  تقترب من التجربة  الجنسية المباشرة بين طرفين يتناوبان اللعب  بمنظومة اللغة  ليحتالا على مثلبة الحب والاكراه.

3. في تاويل  الاهات، كونها تأوهات  جسدية لم يقطع بحقيقتها ليؤكد ابتذال  وزيف طرفيها.

4. الازداوجية تتاكد بسلوك التنافر والتشادد، كمرض نفسي، على ان الفتاة زينة فتاة حاجة وتعويض، ثم تعويض فقط، ثم مقوض للبديل الاصل وحالة التقويض تكون:

– الرفض الجسدي بين الطرفين

– تنافر طرائق تحقق رغبات المتعة

– استحالة التعويض

– تحتوي النصوص مقوضات ذاتية ظاهرية وتويلية.

ونلاحظ ايضا:

1. ثروة فرج دلال قد آلت الى زوال

2. الفندق كثروة مستقبلية قد تم اهمالها

3. صار الفندق  الحلم تحت تصرف القط نابو.

4. الرجل المجهول  ظل  مجهولا  بتميمة الشسمة.

5. تم ترحيل العلائق المضطربة، البشرية والحوانية الى صفاء سلوكي بين نابو والشسمة.

يقابل تلك الحصائل نتائج  ثقافية موازية منها:

1. الثروة الوطنية المؤلفة من عقارات الدولة والناس  تم ازالتها التخريب المباشر من قبل الملاك الجدد.

2. تم اهمال القطاعات الاقنتصادية كالسياحة والفندقة لتترك ثروة العراق سائبة بلا راع ولا مسؤول.

3.  السياسيون والمجرمون صاروا الملاك الحقيقيين على الرغم من مجهولية انتمائهم.

4. ظل  العنف مستورا ومجهولا  ومحميا بقصد وبتخطيط عالمي.

5. تم الاتفاق  بين قوى الارهاب والمتوحشين على التحكم بالبلاد والمصائر على  شكل  التخفي وراء اكاذيب الاصلاح والامن والسلام.

تلك خارطة، كما ان خارطة اخرى يتضمنها خطاب الرواية فيما يتعلق  برؤية  المدونة الشسمه.. هي التتمة الثانية للمنطق اعلاه المنوه عنه في النقاط العشر السابقة.. التتمات التاولية هي:

1. الشسمه مجمع من مزق الاشلاء البشرية التي طالها الانفجار الكبير بمسطر العمال  في الباب الشرقي عام 2006.

2. الاجزاء المجمعة عادت لها الحياة وقررت الانتقام.

3. المنتقم هو الكائن المجمع من الاجساد البشرية صار معوضا عن الابن المفقود للعجوز ايليشوا.

4. الاجزاء  المجمعة بالخيط واللحم والجلد والعظام على شكل جسم واطراف وراس بشري تعرف القتلة وتريد القصاص منهم، وهي كصنيعة ستتحرك بوحشية  مثل الصنائع المتحكمة بالبلاد.

5. سكوت سلطة الاحتلال على الجرائم وغض الطرف عن السراق والقتلة والطائفين سيجعلهم مسؤولين عن مساوئ البلاد.