فرنسا لا تزال معبراً نشيطاً للتهريب ومكاتب مشبوهة تتربح من معاناة المهاجرين

باريس‭ (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬سواء‭ ‬تعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بما‭ ‬يُسمى‭ ‬‮«‬مراكز‭ ‬تدريب‮»‬‭ ‬مدفوعة‭ ‬لتحضير‭ ‬طالبي‭ ‬اللجوء‭ ‬قبل‭ ‬المقابلة‭ ‬مع‭ ‬المكتب‭ ‬الفرنسي‭ ‬المختص،‭ ‬أو‭ ‬نصائح‭ ‬يقدّمها‭ ‬شبه‭ ‬قانونيين‭ ‬لاستخراج‭ ‬تصريح‭ ‬إقامة‭ ‬أو‭ ‬تجديده؛‭ ‬تزدهر‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬ممارسات‭ ‬الاحتيال‭ ‬التي‭ ‬تستهدف‭ ‬الأجانب‭ ‬الضائعين‭ ‬في‭ ‬متاهة‭ ‬الإجراءات‭ ‬الإدارية‭ ‬لتسوية‭ ‬أوضاعهم،‭ ‬بلا‭ ‬رقيب‭ ‬أو‭ ‬حسيب‭. ‬في‭ ‬حرارة‭ ‬الصيف،‭ ‬امتد‭ ‬طابور‭ ‬طويل‭ ‬ضم‭ ‬أشخاصا‭ ‬قادمين‭ ‬من‭ ‬الجزائر‭ ‬والكاميرون‭ ‬والسلفادور‭ ‬أمام‭ ‬‮«‬حافلة‭ ‬التضامن‮»‬‭ ‬التي‭ ‬توفرها‭ ‬نقابة‭ ‬المحامين‭ ‬في‭ ‬باريس،‭ ‬في‭ ‬الدائرة‭ ‬الثامنة‭ ‬عشرة‭ ‬ذات‭ ‬الطابع‭ ‬الشعبي‭. ‬في‭ ‬الداخل،‭ ‬كان‭ ‬أربعة‭ ‬محامين‭ ‬يقدّمون‭ ‬الاستشارات‭ ‬المجانية‭ ‬للمنتظرين‭. ‬قال‭ ‬أحمد،‭ ‬وهو‭ ‬تونسي‭ ‬معرفته‭ ‬بالفرنسية‭ ‬ضعيفة،‭ ‬إنه‭ ‬جاء‭ ‬على‭ ‬أمل‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬معلومات‭ ‬تُمكّنه‭ ‬من‭ ‬تسوية‭ ‬وضعه‭ ‬بدل‭ ‬أن‭ ‬يظل‭ ‬أجيرا‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬السوداء‭. ‬كان‭ ‬يمسك‭ ‬بيديه‭ ‬الخشنتين‭ ‬كشوف‭ ‬رواتبه‭ ‬دليلا‭ ‬على‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬البناء‭. ‬بناء‭ ‬على‭ ‬نصيحة‭ ‬إحدى‭ ‬الجمعيات،‭ ‬توجه‭ ‬الرجل‭ ‬الخمسيني‭ ‬لطلب‭ ‬الاستشارة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تعرض‭ ‬للاحتيال‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬شخص‭ ‬قدّم‭ ‬نفسه‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬‮«‬خبير‭ ‬قانوني‮»‬‭ ‬ابتزَّه‭ ‬700‭ ‬يورو‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يوضّح‭ ‬له‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬مؤهلا‭ ‬لتسوية‭ ‬أوضاعه،‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬أنه‭ ‬ممكن‭ ‬في‭ ‬حالته‭. ‬يقول‭ ‬أحمد‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬‮«‬في‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬كنت‭ ‬أراجعه،‭ ‬كان‭ ‬يطلب‭ ‬مني‭ ‬إحضار‭ ‬مستند‭ ‬جديد‭ ‬ويأخذ‭ ‬90‭ ‬يورو‮»‬‭. ‬ولم‭ ‬يجرؤ‭ ‬العامل‭ ‬على‭ ‬الاعتراض‭ ‬خوفا‭ ‬من‭ ‬ترحيله‭. ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الحالات‭ ‬نادرة،‭ ‬وفق‭ ‬جمعية‭ ‬‮«‬أنتاناك‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تساعد‭ ‬من‭ ‬يواجهون‭ ‬صعوبات‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬وتقديم‭ ‬الطلبات‭. ‬وتقول‭ ‬مؤسستها‭ ‬إيزابيل‭ ‬كارير‭ ‬إن‭ ‬مزيدا‭ ‬من‭ ‬الاشخاص‭ ‬يقصدونها‭ ‬نظرا‭ ‬‮«‬لتعقيد‭ ‬الإجراءات‮»‬،‭ ‬وكذلك‭ ‬بسبب‭ ‬أخطاء‭ ‬يرتكبها‭ ‬‮«‬محامون‭ ‬عديمو‭ ‬الضمير‭ ‬أو‭ ‬مبتدئون‭ ‬وغير‭ ‬ملمين‭ ‬بقانون‭ ‬الهجرة‮»‬،‭ ‬أو‭ ‬جراء‭ ‬مكاتب‭ ‬خدمات‭ ‬تعتمد‭ ‬أساليب‭ ‬‮«‬غير‭ ‬نزيهة‮»‬‭ ‬تستغل‭ ‬معاناة‭ ‬المهاجرين‭.‬

‭ ‬بطاقة‭ ‬غامضة‭ ‬

أدّى‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬تقديم‭ ‬المستندات‭ ‬الورقية‭ ‬إلى‭ ‬الإجراءات‭ ‬الرقمية،‭ ‬مع‭ ‬الارتفاع‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬أعداد‭ ‬الطعون‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الخمس‭ ‬الماضية‭ ‬وتشديد‭ ‬معايير‭ ‬تسوية‭ ‬الأوضاع،‭ ‬إلى‭ ‬خلق‭ ‬أرضية‭ ‬خصبة‭ ‬لانتشار‭ ‬أساليب‭ ‬الاحتيال‭. ‬قبل‭ ‬عام،‭ ‬ظهرت‭ ‬إعلانات‭ ‬في‭ ‬قطارات‭ ‬المترو‭ ‬وعلى‭ ‬لوحات‭ ‬الشوارع‭ ‬وفي‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬تروّج‭ ‬لمكتب‭ ‬يعرض‭ ‬مساعدة‭ ‬المهاجرين‭ ‬غير‭ ‬القانونيين‭ ‬لاستكمال‭ ‬‮«‬الإجراءات‭ ‬الفرنسية‮»‬،‭ ‬ولم‭ ‬يطل‭ ‬الأمر‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يقع‭ ‬كثر‭ ‬ضحية‭ ‬لمثل‭ ‬هذه‭ ‬الإعلانات‭. ‬تقول‭ ‬ساندرا‭ ‬موران،‭ ‬مسؤولة‭ ‬نقابة‭ ‬CGT‭ ‬في‭ ‬ضاحية‭ ‬باريس‭ ‬الشمالية‭ ‬إن‭ ‬‮«‬الحصول‭ ‬على‭ ‬موعد‭ ‬في‭ ‬الإدارة‭ ‬المختصة‭ ‬عبر‭ ‬الإجراء‭ ‬المبسّط‭ ‬مجاني،‭ ‬لكن‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬الجهة‭ ‬يكلف‭ ‬الأمر‭ ‬مئات‭ ‬اليوروهات‮»‬،‭ ‬مشيرة‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬رجل‭ ‬دفع‭ ‬2000‭ ‬يورو‭ ‬مقابل‭ ‬ذلك‭. ‬على‭ ‬منصة‭ ‬تيك‭ ‬توك،‭ ‬تعرض‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬يتابعها‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬23‭ ‬ألف‭ ‬شخص‭ ‬نصائح‭ ‬من‭ ‬‮«‬المدرب‭ ‬هيرفي‭ ‬ك‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يعد‭ ‬بإصدار‭ ‬بطاقة‭ ‬غامضة‭ ‬تتيح‭ ‬للمهاجرين‭ ‬غير‭ ‬النظاميين‭ ‬‮«‬التنقل‭ ‬بحرية‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬الترحيل‮»‬‭.‬

‭ ‬استسلام‭ ‬للقدر‭ ‬

من‭ ‬يتصل‭ ‬بهذه‭ ‬الجهة‭ ‬هاتفيا‭ ‬يُعرض‭ ‬عليه‭ ‬مباشرة‭ ‬اشتراك‭ ‬بقيمة‭ ‬365‭ ‬يورو‭ ‬مقابل‭ ‬‮«‬المساعدة‭ ‬على‭ ‬اتمام‭ ‬الإجراءات‮»‬،‭ ‬مع‭ ‬تنبيه‭ ‬المتصل‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬السعر‭ ‬سيرتفع‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬التالي‭ ‬إلى‭ ‬495‭ ‬يورو،‭ ‬لتشجيعه‭ ‬على‭ ‬الدفع‭ ‬فورا‭. ‬وحتى‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬طالب‭ ‬الخدمة‭ ‬مؤهلا‭ ‬لتسوية‭ ‬وضعه‭ ‬عبر‭ ‬العمل،‭ ‬فإنه‭ ‬يُشجَّع‭ ‬على‭ ‬دفع‭ ‬الاشتراك‭ ‬لإعداد‭ ‬ملف‭ ‬لجوء،‭ ‬بحسب‭ ‬حالة‭ ‬اطلعت‭ ‬عليها‭ ‬وكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭. ‬ضمن‭ ‬مجموعة‭ ‬على‭ ‬‮«‬واتساب‮»‬‭ ‬تضم‭ ‬مئات‭ ‬المهتمين‭ ‬بهذه‭ ‬الخدمات،‭ ‬تُعرض‭ ‬أيضا‭ ‬‮«‬دورات‭ ‬تدريبية‮»‬‭ ‬للعمل‭ ‬كمربيات‭ ‬أو‭ ‬مساعدات‭ ‬منزليات‭ ‬‮«‬حتى‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تصريح‭ ‬إقامة‮»‬،‭ ‬مقابل‭ ‬800‭ ‬إلى‭ ‬1200‭ ‬يورو‭. ‬وبمبلغ‭ ‬1299‭ ‬يورو،‭ ‬يمكن‭ ‬الانضمام‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يسمّى‭ ‬‮«‬أكاديمية‭ ‬اللجوء‮»‬‭ (‬Asile‭ ‬Academy‭). ‬وتشمل‭ ‬الكلفة‭ ‬‮«‬كتابة‭ ‬وتنقيح‭ ‬السيرة‭ ‬الشخصية‮»‬‭ ‬التي‭ ‬يُطلب‭ ‬من‭ ‬المتقدم‭ ‬صياغتها‭ ‬لشرح‭ ‬وضعه‭ ‬وظروفه‭. ‬وتُعد‭ ‬هذه‭ ‬السيرة‭ ‬وثيقة‭ ‬أساسية‭ ‬يعتمد‭ ‬عليها‭ ‬موظفو‭ ‬الدولة،‭ ‬المتمرّسون‭ ‬في‭ ‬كشف‭ ‬التصريحات‭ ‬الكاذبة،‭ ‬عند‭ ‬البت‭ ‬في‭ ‬منح‭ ‬صفة‭ ‬اللاجئ‭. ‬وتمتلئ‭ ‬مجموعة‭ ‬النقاش‭ ‬التي‭ ‬تضم‭ ‬نحو‭ ‬600‭ ‬عضو‭ ‬بصور‭ ‬إيصالات‭ ‬التحويلات‭ ‬المصرفية،‭ ‬فيما‭ ‬يتم‭ ‬إسكات‭ ‬الأسئلة‭ ‬القليلة‭ ‬عن‭ ‬الأسعار‭ ‬بلا‭ ‬مجاملة‭ ‬بالرد‭ ‬عليها‭ ‬بالقول‭ ‬‮«‬اختر‭ ‬ما‭ ‬يناسبك‭ … ‬وتجنّب‭ ‬إغراق‭ ‬المجموعة‭ ‬بالاسئلة‮»‬‭.‬

توضح‭ ‬موران‭ ‬أنّ‭ ‬الضحايا‭ ‬الذين‭ ‬‮«‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬يشعرون‭ ‬بالخجل‮»‬‭ ‬من‭ ‬وقوعهم‭ ‬في‭ ‬حبال‭ ‬المخادعين‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تعرضوا‭ ‬سابقا‭ ‬للنصب‭ ‬والاحتيال‭ ‬خلال‭ ‬رحلتهم،‭ ‬‮«‬يتعاملون‭ ‬مع‭ ‬الأمر‭ ‬وكأنه‭ ‬قدرهم‭ ‬نوعا‭ ‬ما،‭ ‬وكأنهم‭ ‬يستحقون‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬لهم‮»‬،‭ ‬مشيرة‭ ‬إلى‭ ‬أنهم‭ ‬يشعرون‭ ‬بأنهم‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬‮«‬ضعيف‭ ‬جدا‮»‬