فجوات عملاقة في مدينة عُمانية تطلق العنان لخيال الجيولوجيا

ولاية‭ ‬طاقة‭ (‬سلطنة‭ ‬عمان‭) (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬تتوارى‭ ‬فجوات‭ ‬عملاقة‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬كثيرون‭ ‬بوجودها‭ ‬أو‭ ‬أصلها‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الجبال‭ ‬الخضراء‭ ‬لمحافظة‭ ‬ظفار‭ ‬في‭ ‬سلطنة‭ ‬عمان‭ ‬حيث‭ ‬يعانق‭ ‬الضباب‭ ‬الكثيف‭ ‬الصخور‭ ‬الجيرية،‭ ‬وتُنسج‭ ‬حولها‭ ‬روايات‭ ‬مختلفة‭.‬

على‭ ‬بُعد‭ ‬نحو‭ ‬عشرين‭ ‬دقيقة‭ ‬بالسيارة‭ ‬من‭ ‬وادي‭ ‬دربات،‭ ‬إحدى‭ ‬أكثر‭ ‬وجهات‭ ‬ظفار‭ ‬السياحية‭ ‬ازدحاما،‭ ‬تختبئ‭ ‬إحدى‭ ‬تلك‭ ‬الحفر‭ ‬المثيرة‭ ‬للدهشة،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يرتادها‭ ‬إلا‭ ‬قليل‭ ‬من‭ ‬الزوار،‭ ‬ممن‭ ‬يفتّشون‭ ‬عن‭ ‬عجائب‭ ‬الطبيعة‭ ‬الخفية‭.‬

ويقول‭ ‬عبد‭ ‬السلام‭ ‬صواخرون‭ (‬47‭ ‬عاما‭)‬،‭ ‬وهو‭ ‬مرشد‭ ‬سياحي‭ ‬من‭ ‬ظفار،‭ ‬مشيرا‭ ‬الى‭ ‬الفوهة‭ ‬الواسعة‭ ‬للحفرة‭ ‬المسمّاة‭ “‬إذابة‭ ‬شيحيت‭”‬،‭ ‬إن‭ ‬عمقها‭ ‬يمتد‭ ‬بين‭ ‬45‭ ‬و75‭ ‬مترا،‭ ‬وقطرها‭ ‬بين‭ ‬120‭ ‬و60‭ ‬مترا‭.‬

ويشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الروايات‭ ‬الشعبية‭ ‬المتداولة‭ ‬تعتقد‭ ‬بأن‭ “‬إذابة‭ ‬شيحيت‭” ‬حدثت‭ “‬بسبب‭ ‬نيزك‭”.‬

لكن‭ ‬التفسير‭ ‬العلمي‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬عوامل‭ ‬طبيعية‭ ‬وجيولوجية‭ ‬اجتمعت‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬واحد‭ ‬حتى‭ ‬تكوّنت‭ ‬تلك‭ ‬الفجوات‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬آلاف‭ ‬السنين‭.‬

ويقول‭ ‬الباحث‭ ‬في‭ ‬الجيولوجيا‭ ‬علي‭ ‬فرج‭ ‬الكثيري،‭ ‬ولديه‭ ‬أيضا‭ ‬مؤلفات‭ ‬عن‭ ‬النيازك،‭ ‬إن‭ ‬الحفر‭ ‬الموجودة‭ ‬في‭ ‬الجبال‭ ‬والمسماة‭ ‬حفر‭ ‬الإذابة‭ ‬أو‭ ‬الحفر‭ ‬الانهيارية‭ “‬ليست‭ ‬نتيجة‭ ‬لاصطدام‭ ‬النيازك‭”.‬

ويوضح‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬الجيولوجية،‭ ‬هناك‭ ‬ثلاثة‭ ‬عوامل‭ ‬رئيسية‭ ‬لتكوّن‭ ‬حفر‭ ‬الإذابة‭ “‬كلها‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬محافظة‭ ‬ظفار‭”. ‬وتُختصر‭ ‬في‭ ‬تخلّل‭ ‬المياه‭ ‬في‭ ‬الشقوق‭ ‬أو‭ ‬عبر‭ ‬المسامات‭ ‬الصخرية‭ ‬حاملة‭ ‬معها‭ ‬ثاني‭ ‬أكسيد‭ ‬الكربون‭ ‬الذي‭ ‬يتفاعل‭ ‬ليتكوّن‭ ‬حمض‭ ‬مخفّف‭ (‬كاربونيك‭ ‬آسيد‭) ‬يذيب‭ ‬الصخور‭ ‬الجيرية‭ ‬عبر‭ ‬الشقوق،‭ ‬فتتوسع‭ ‬الحفر‭ ‬وتصير‭ ‬كهوفا‭ ‬أو‭ ‬مغارات‭ ‬كبيرة‭ ‬مع‭ ‬استمرار‭ ‬هذه‭ ‬الوتيرة‭ ‬لآلاف‭ ‬السنين‭.‬

وعلى‭ ‬بُعد‭ ‬نحو‭ ‬ثلاثين‭ ‬دقيقة‭ ‬بالسيارة‭ ‬شرق‭ ‬شيحيت،‭ ‬تقع‭ ‬حفرة‭ “‬طوي‭ ‬اعتير‭” ‬التي‭ ‬تُعد‭ ‬من‭ ‬أشهر‭ ‬الحفر‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬إذ‭ ‬وضعت‭ ‬فيها‭ ‬سلالم‭ ‬تتيح‭ ‬للزوار‭ ‬الاقتراب‭ ‬من‭ ‬الفوهة‭ ‬والتجوّل‭ ‬جزئيا‭ ‬حولها‭ ‬والتقاط‭ ‬صور‭.‬

و‭”‬شيحيت‭” ‬و‭”‬طوي‭ ‬اعتير‭” ‬اثنتان‭ ‬من‭ ‬أربع‭ ‬حفر‭ ‬إذابة‭ ‬تتوزع‭ ‬في‭ ‬محافظة‭ ‬ظفار‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬سلطنة‭ ‬عمان‭ ‬بين‭ ‬جبال‭ ‬تلفّها‭ ‬رطوبة‭ ‬الضباب‭ ‬وتكسوها‭ ‬خضرة‭ ‬كثيفة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الحفرتين‭ ‬الأخريين‭ ‬وهما‭ “‬كهف‭ ‬طيق‭” ‬و‭”‬شعت‭”.‬

ويوضح‭ ‬الكثيري‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬هي‭ ‬الحفر‭ “‬الموثقة‭ ‬رسميا‭ ‬حاليا‭ ‬في‭ ‬ظفار،‭ ‬والتي‭ ‬تمّت‭ ‬دراستها‭ ‬ونزلت‭ ‬إليها‭ ‬فرق‭ ‬علمية‭ ‬وبحثية‭”.‬

ويقول‭ ‬الكثيري‭ ‬إن‭ ‬حفرة‭ “‬كهف‭ ‬طيق‭” ‬أكبرها،‭ ‬بل‭ “‬من‭ ‬بين‭ ‬الأكبر‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬العالم‭”. ‬ويبلغ‭ ‬قطرها‭ ‬150‭ ‬مترا‭ ‬فيما‭ ‬يصل‭ ‬عمقها‭ ‬إلى‭ ‬211‭ ‬مترا،‭ ‬وفق‭ ‬أرقام‭ ‬وزارة‭ ‬الإعلام‭ ‬العمانية‭.‬

وحوّلت‭ ‬ضخامة‭ ‬وفرادة‭ ‬تلك‭ ‬الحفر‭ ‬هذه‭ ‬الأماكن‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬ظواهر‭ ‬جيولوجية‭ ‬إلى‭ ‬مساحات‭ ‬مفتوحة‭ ‬للخيال‭ ‬الشعبي‭.‬

ويُقال‭ ‬إن‭ ‬اسم‭ “‬طوي‭ ‬اعتير‭” ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬بئر‭ ‬الطيور‭ ‬بلغة‭ ‬محلية‭ ‬يتحدثها‭ ‬أهالي‭ ‬جبال‭ ‬ظفار،‭ ‬في‭ ‬وصف‭ ‬للفجوة‭ ‬العميقة‭ ‬التي‭ ‬تحلّق‭ ‬حولها‭ ‬وداخلها‭ ‬الطيور،‭ ‬فتملأ‭ ‬المكان‭ ‬بالأصداء‭.‬

ويكسو‭ ‬الخضار‭ ‬هذه‭ ‬الحفر‭ ‬التي‭ ‬تنبض‭ ‬بالحياة،‭ ‬وفق‭ ‬صواخرون‭ ‬الذي‭ ‬يشير‭ ‬الى‭ ‬أن‭ ‬المياه‭ ‬تجري‭ ‬في‭ ‬أعماق‭ “‬إذابة‭ ‬شيحيت‭” ‬وتستوطنها‭ ‬كائنات‭ ‬حيّة،‭ ‬مثل‭ ‬الطيور‭ ‬والزواحف،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬حيواني‭ ‬النيص‭ ‬والربّاح‭.‬

وفي‭ ‬موسم‭ ‬خريف‭ ‬ظفار‭ ‬الممتد‭ ‬من‭ ‬أواخر‭ ‬حزيران‭/‬يونيو‭ ‬حتى‭ ‬أيلول‭/‬سبتمبر،‭ ‬والذي‭ ‬لا‭ ‬يشبه‭ ‬سواه‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬الصحراوية،‭ ‬تهطل‭ ‬أمطار‭ ‬خفيفة‭ ‬متواصلة‭ ‬تشبه‭ ‬الرذاذ،‭ ‬لتكسو‭ ‬الجبال‭ ‬بغطاء‭ ‬نباتي‭ ‬كثيف‭ ‬غير‭ ‬بعيد‭ ‬عن‭ ‬مناطق‭ ‬صحراوية‭.‬

وعلى‭ ‬حسب‭ ‬تقلبات‭ ‬الطقس‭ ‬وساعات‭ ‬النهار،‭ ‬قد‭ ‬يبتلع‭ ‬الضباب‭ ‬الحفرة‭ ‬بالكامل‭ ‬أو‭ ‬ينقشع‭ ‬فجأة‭ ‬مانحا‭ ‬المصوّرين‭ ‬فرصا‭ ‬ذهبية‭ ‬لالتقاط‭ ‬مشاهد‭ ‬نادرة‭ ‬خصوصا‭ ‬من‭ ‬الأعلى‭.‬

واكتسبت‭ “‬طوي‭ ‬اعتير‭” ‬شهرة‭ ‬عالمية‭ ‬منذ‭ ‬العام‭ ‬1997‭ ‬بعدما‭ ‬وثقها‭ ‬فريق‭ ‬من‭ ‬المغامرين‭ ‬السلوفينيين‭ ‬بالتعاون‭ ‬مع‭ ‬جامعة‭ ‬السلطان‭ ‬قابوس،‭ ‬وتُعد‭ ‬أيضا‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬أكبر‭ ‬حفر‭ ‬الإذابة‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬بحسب‭ ‬وزارة‭ ‬الإعلام‭ ‬العمانية‭.‬

لكن‭ ‬يظل‭ ‬هذا‭ ‬التراث‭ ‬الطبيعي‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬صيانة‭ ‬وحماية،‭ ‬إذ‭ ‬يعتبر‭ ‬مثلا‭ ‬محيط‭ ‬حفرة‭ “‬إذابة‭ ‬شيحيت‭” ‬خطرا‭ ‬على‭ ‬الزوار،‭ ‬ويسهل‭ ‬حصول‭ ‬انزلاقات‭ ‬للأشخاص‭.‬

ويؤكّد‭ ‬محافظ‭ ‬ظفار‭ ‬مروان‭ ‬بن‭ ‬تركي‭ ‬آل‭ ‬سعيد‭ ‬أن‭ ‬السلطات‭ ‬تُولي‭ ‬أهمية‭ ‬كبيرة‭ ‬لإجراءات‭ ‬السلامة،‭ ‬وتعمل‭ ‬بالتعاون‭ ‬مع‭ ‬شركات‭ ‬متخصصة‭ ‬على‭ ‬تأهيل‭ ‬المواقع‭ ‬السياحية‭ ‬وضمان‭ ‬جاهزيتها‭ ‬للزوار‭.‬