فجر‭ ‬الحكمة‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬الغروب- د. محمد غاني

في‭ ‬صباي‭ ‬صاحبت‭ ‬حكيما‭ ‬سمعت‭ ‬منه‭ ‬ان‭ ‬سجود‭ ‬القلب‭ ‬ليس‭ ‬بعده‭ ‬رفع‭ ‬من‭ ‬السجود‭ ‬لانه‭ ‬خضوع‭ ‬ابدي‭ ‬لقهرية‭  ‬الواحد‭ ‬الاحد،‭ ‬التي‭ ‬يعيشها‭ ‬كل‭ ‬عبد‭ ‬عبد‭ ‬اضطرارا،‭ ‬و‭ ‬انما‭ ‬الصلوات‭ ‬و‭ ‬سائر‭ ‬الشعائر‭ ‬انما‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬المقصد‭ ‬تدريب‭ ‬لتحقيق‭ ‬ذلكم‭ ‬الشعور‭ ‬بالتسليم‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬عين‭ ‬مغزى‭ ‬تسمية‭ ‬الدين‭ ‬بالاسلام‭.‬

الاسلام‭ ‬ان‭ ‬تسلم‭ ‬ارادتك‭ ‬في‭ ‬إرادة‭ ‬المولى‭ ‬عز‭ ‬وجل‭ ‬و‭ ‬ترضى‭ ‬بقضائه‭ ‬و‭ ‬قدره‭ ‬تسليما‭ ‬لا‭ ‬منازعة‭ ‬قلبية‭ ‬فيه،‭ ‬فتكون‭ ‬في‭ ‬حضرته‭ ‬عز‭ ‬وجل‭ ‬كالميت‭ ‬بين‭ ‬يدي‭ ‬غاسله‭.‬

آنذاك‭ ‬فقط‭ ‬كما‭ ‬يرى‭ ‬جلال‭ ‬الدين‭ ‬الرومي‭ ‬يهب‭ ‬المولى‭ ‬عز‭ ‬وجل‭ ‬روحك‭ ‬جناحين‭ ‬لانك‭ ‬تخليت‭ ‬عن‭ ‬حصان‭ ‬الجسد‭ ‬فتزداد‭ ‬سرعة‭ ‬سيرك‭ ‬الروحي‭ ‬و‭ ‬تتطور‭ ‬حاسة‭ ‬تذوقك‭ ‬للمعاني‭ ‬العرفانية‭.‬

اسلام‭ ‬ارادتك‭ ‬في‭ ‬ارادته‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬التواكل‭ ‬البتة،‭ ‬بل‭ ‬يعني‭ ‬معرفة‭ ‬السباح‭ ‬لمجرى‭ ‬الرياح‭ ‬و‭ ‬سيره‭ ‬في‭ ‬اتجاهه‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يتعب‭ ‬ان‭ ‬اتجه‭ ‬في‭ ‬مجرى‭ ‬معاكس،‭ ‬فإن‭ ‬الريح‭ ‬موالية‭ ‬لمن‭ ‬يعرف‭ ‬اتجاهه،‭ ‬و‭ ‬البحر‭ ‬يسخر‭ ‬لمن‭ ‬يعرف‭ ‬انه‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬موجته‭.‬

لا‭ ‬شك‭ ‬ان‭ ‬بناء‭ ‬سفينة‭ ‬نوحك‭ ‬ايها‭ ‬الانسان‭ ‬وسط‭ ‬طوفان‭ ‬الغفلات‭ ‬تبنى‭ ‬بخشب‭ ‬تجاربك‭ ‬في‭ ‬هاته‭ ‬الحياة،‭ ‬تجاربك‭ ‬طبعا‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تعيشه‭ ‬انت‭ ‬و‭ ‬الا‭ ‬فلن‭ ‬تكفيك‭ ‬حتى‭ ‬لبناء‭ ‬قارب‭ ‬نجاة،‭ ‬و‭ ‬انما‭ ‬تتوسع‭ ‬تجاربك‭ ‬بالقراءة‭ ‬كتب‭ ‬تجارب‭ ‬غيرك‭ ‬و‭ ‬قراءة‭ ‬آيات‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬الكون‭ ‬المحيط‭ ‬بك‭ ‬من‭ ‬المخلوقات‭ ‬فتتوسع‭ ‬مداركك‭ ‬و‭ ‬تتقوى‭ ‬صواري‭ ‬اشرعتك‭ ‬فتسافر‭ ‬في‭ ‬أمان‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬رياح‭ ‬اقدار‭ ‬العناية‭ ‬الربانية‭.‬

ان‭ ‬فجر‭ ‬الحكمة‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬الغروب‭ ‬لان‭ ‬نور‭ ‬الله‭ ‬اذا‭ ‬اشرق‭ ‬في‭ ‬القلب‭ ‬لا‭ ‬يتبعه‭ ‬ظلام‭ ‬،‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬آي‭ ‬الذكر‭ ‬الحكيم‭ ‬في‭ ‬سورة‭ ‬الأنبياء‭ ‬آية‭ ‬18،‭ “‬بَلْ‭ ‬نَقْذِفُ‭ ‬بِالْحَقِّ‭ ‬عَلَى‭ ‬الْبَاطِلِ‭ ‬فَيَدْمَغُهُ‭ ‬فَإِذَا‭ ‬هُوَ‭ ‬زَاهِقٌ‭”.‬

من‭ ‬اراد‭ ‬بحر‭ ‬الحكمة‭ ‬ترك‭ ‬ساحل‭ ‬الوهم‭ ‬و‭ ‬من‭ ‬قصد‭ ‬نور‭ ‬العلم‭ ‬نفر‭ ‬من‭ ‬ظلمة‭ ‬الجهل‭ ‬و‭ ‬من‭ ‬رام‭ ‬وجه‭ ‬الحق‭ ‬جاز‭ ‬مهالك‭ ‬النفس‭ ‬الأمارة‭ ‬بالسوء‭. 

فمن‭ ‬اراد‭ ‬الحضرة‭ ‬فعليه‭ ‬خلع‭ ‬نعلي‭ ‬فعاله‭ ‬الحسية‭ ‬و‭ ‬المعنوية‭ ‬،‭ ‬أو‭ ‬قل‭ ‬فليتجرد‭ ‬من‭ ‬احساسه‭ ‬بفعل‭ ‬الجوارح‭ ‬و‭ ‬ليخلع‭ ‬شعوره‭ ‬بعمل‭ ‬القلب‭ ‬فلا‭ ‬فاعل‭ ‬في‭ ‬الاصل‭ ‬الا‭ ‬هو‭ ‬سبحانه‭  ‬جاء‭ ‬في‭ ‬سورة‭ ‬الصافات‭ ‬آية‭ ‬96،‭  “‬و‭ ‬الله‭ ‬خلقكم‭ ‬و‭ ‬ما‭ ‬تعملون‭”‬

أن‭ ‬رفع‭ ‬مشعل‭ ‬جذوة‭ ‬النار‭ ‬لا‭ ‬يقصد‭ ‬به‭ ‬فقط‭ ‬إنارة‭ ‬الطريق‭ ‬بل‭ ‬ايضا‭ ‬التدفئة‭ ‬فكذلكم‭ ‬قصد‭ ‬موسى‭ ‬عليه‭ ‬السلام‭ ‬حين‭ ‬قصد‭ ‬الوادي‭ ‬المقدس‭ ‬طوى‭ ‬عله‭ ‬يقتبس‭ ‬جذوة‭ ‬من‭ ‬نور‭ ‬تهدي‭ ‬طريقه‭ ‬في‭ ‬ظلام‭ ‬الغفلة‭ ‬و‭ ‬تدفئ‭ ‬روحه‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الآن‭ ‬بحرارة‭ ‬الايمان‭ ‬وسط‭ ‬برد‭ ‬جحود‭ ‬العباد،‭ ‬فكانت‭ ‬لحظة‭ ‬انسه‭ ‬و‭ ‬سعادته‭ ‬لما‭ ‬فارق‭ ‬الاهل‭ ‬بقوله‭ ‬امكثوا‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬لضرورة‭ ‬ترك‭ ‬الاهواء‭ ‬لدخول‭ ‬حضرة‭ ‬القدس‭.‬

و‭ ‬من‭ ‬بزغ‭ ‬فجره‭ ‬و‭ ‬تفتقت‭ ‬بصيرته‭ ‬و‭ ‬فاضت‭ ‬ينابيع‭ ‬روحه‭ ‬تناغمت‭ ‬تسبيحاته‭ ‬القلبية‭ ‬مع‭ ‬ترانيم‭ ‬الوجود