فتاة القمامة

704

فتاة القمامة

كانت مستلقية على فراشها الحائل اللون، تحدق إلى الشرخ العميق الموجود في حائط الحجرة ذات السقف المتدلي كأنه يهم بالسقوط.

أشارت بيدها المرتجفة إلى الكأس البلاستيكي الممتلئ بالماء الموضوع مع أدوات أخرى عتيقة على منضدة صغيرة مقشرة الحواف في ركن من الحجرة، وقالت بصوت يرتعش:

“ناوليني كأس الماء يا فاطمة”

نهضت الفتاة التي كانت تجلس قربها، وابعدت خصلات شعرها فاحم السواد إلى الوراء، وحملت الكأس إلى المرأة العجوز بل إلى والدتها، أنها لم تعرف أم غيرها.

ارتشفت العجوز قطرات من الماء، وابتلعته على معدة خاوية ونفسها يضيق رويدا رويدا. .

وانفرجت شفتيها المصفرتين، وتدافعت الكلمات لاهثة كأنها تتردد بالبوح قائلة:

“سترحلين من هنا عند الفجر”

أجابت فاطمة بصوت خائف:

“إلى أين يا أمي؟!”

اشاحت العجوز بوجهها نحو النافذة الوحيدة في الحجرة، والريح تلاعب الستائر ذات الثقوب الواسعة، والليل يعلن هبوطه المتعجل، لم ترد بشيء واكتفت بأن استحضرت ذكرى ذلك اليوم قبل ستة عشرة عاما، تسير متوجهة نحو الشارع العام وعلى رأسها سطلا خشبي، ممتلئ بالاوساخ، اقتربت لرمي محتوياته، سمعت همسات تتردد حولها، وقفت للحظات تنتظر وتتلفت للتأكد من مصدر الصوت ثم تحولت الهمسات إلى صراخ، انحنت وأخذت تقلب بأصابعها الأكياس المتجمعة، تنهشها الذباب، ومن وسط فضلات الطعام برزت يد صغيرة ملطخة ببقايا الأطعمة، دهشت واتسعت عيناها ثم انتشلتها من ذلك الوسط وهي تقول بحسرة: “الله ينتقم من الذي كان السبب في وجودك هنا”

انتزعت المنديل الملتف حول عنقها، وغطت به جسد الطفلة وعادت إلى البيت، زالت عنها الأوساخ ومن يومها وهي لا تعرف لها أهل، بل أخذت تتقصى كل أخبار البلدة لعلها تسمع أحد يبحث عنها ولكن دون جدوى.

وعاد صوت فاطمة يخترق لجة ذكرياتها وهي غارقة بها.

“أرجوكِ يا أمي أخبريني إلى أين سأذهب، أنا .. أنا لا أعرف أحدا غيركِ”

التفتت العجوز إليها، وهي تحرك ساقيها اللذان يشبهان جذوع شجرة مسنة من تحت الغطاء الصوفي البالي، ثم قالت بصوت خافت:

“إلى الملجأ، هناك سيعتنون بكِ، ستكون لديكِ صديقات”

انهمرت دموع فاطمة وقالت:

“لا أريد الذهاب إلى أي مكان .. أريد .. أريد فقط البقاء معكِ، هنا في بيتنا هذا”

تاوهت العجوز:

“يا ابنتي، أنا لم يبق لي من العمر سوى أيام قليلة .. صمتت برهة وأخذت نفسا عميقا ثم استدركت:

“أن مت لم يبق لكِ أحدا .. ستصبحين منبوذة في مجتمع لا يرحم”

جلست قربها وتساءلت بدهشة:

“أين أبي؟ لماذا لم يكن لدي أب كباقي الفتيات؟!”

صعقت العجوز كأن أفعى سامة ألتفت حول عنقها الغارق بالتجاعيد، وكأنها تتفاجىء بالسؤال لأول مرة رغم أن تساؤلها قديم، وتذكرت ذلك التساؤل الماثل الآن أمامها حين كانت تجلس ذات يوم في الحافلة، وبجانبها فاطمة تنظر من النوافذ للفتيات الصغيرات وهن يمسكن أذرع ابائهن، ويلتهمن قطع الحلوى بشراهة، يغمرهن فرح دائم، قفزت حينها من مقعدها، ووقفت أمام المرأة التي كانت تعتقد بأنها أمها وتساءلت بصوت يتفجر بالحرمان:

“وأنا أين أبي؟ أريد واحدا من هؤلاء الآباء”

وعادت تحدق من النافذة وواصلت:

“اشتري لي واحدا، أريد أن أمتلك أب كبقية الفتيات”

وردت المرأة بصوتٍ حالم:

“ولكن الآباء لا يشترون، نحن نأتي إلى الحياة ونجد هناك أب جاهز”

عادت العجوز تقول بعد أن نفضت عنها غبار الذكريات:

“هيا يا ابنتي اجمعي ثيابك واستعدي سيأتي شخص من الملجأ يأخذك معه، ستعتادين على العيش هناك، صدقيني”

كفكفت فاطمة دموعها وأجابت:

“حسنا، لكن بشرط أن تأتي كل يوم لرؤيتي، أنا لا أستطيع العيش بعيدا عنك”

اجهشت بالبكاء مجددا، وكأن الدموع تأبى أن تفارق عينيها الخضراوان.

ضغطت العجوز يدها على صدرها، تبارح شدة الألم وقالت:

“إذا جاء يوم ولم ازرك به تأكدي من موتي” ثم بكت بحرقة ونفسها لازال يتلاشى.

مرت ثلاثة أيام على وجود فاطمة في الملجأ، كانت تجتمع مع الفتيات حول مائدة كبيرة للأطعمة وودت لو أن أمها معها تسد رمقها من الجوع تحت سقف أمن بعيدا عن بيتهم الايل للسقوط، وهي تتذكر دموعها ويدها الممدودة نحوها عند الوداع.

وضعت فاطمة رأسها على الوسادة تنتظر قدوم الغد، لترى أمها وجاءت بالقرب منها إحدى الفتيات تتلهى بثرثرتها ثم استسلمت للنوم.

صباحا طلبتها مديرة الملجأ، وركضت إليها فرحة، تأمل أن والدتها جاءت لرؤيتها كما وعدتها، وحين لم تجدها في غرفة الإدارة، تسارع نبضها وتعرق جبينها.

امرتها المديرة بالجلوس ثم قالت بحزن:

“لقد توفيت والدتكِ منذ يومين، نحن هنا عائلتك الأخرى”

صرخت فاطمة باكية، وهي ترفس الأرض بقدمها، واستنجدت المديرة بإحدى مدبرات الملجأ فجاءت لتحتضنها، وتهدءها ثم قالت فاطمة من خلال دموعها:

“لقد ماتت أمي للمرة الثانية ولم يبق لي أحد”.

سرور العلي – بغداد

مشاركة