فايروس عقلي – نيران كريم

فايروس عقلي – نيران كريم

لا تفتأ مسرة ذات الرابعة والعشرين ربيعاً، تراجع وبشكل يومي كلّ ليلة أحلامها وأمنياتها، وما تطمح إليه في المستقبل، تقسم الأيام والأشهر وتحدد ما ستقوم بإنجازه في كلّ منها ، تعمل بنهم وجد دون كسل . وكأحد الظروف الغير متوقعة التي لا نحسب لها حساب  طرأ على سكان الكوكب أجمع وليس عليها هي فقط مما أسهم في إفشال مخططاتها وتأجيلها ، اجتاح فيروس كورونا العالم أسره فأرجى الكل دون استثناءً في منازلهم ، قابعين فيها عنوة وإجبارًا . في البداية أعجبت مسرة فكرة العطلة. وقررتُ أن تجعلها فترة راحة واسترخاء ،خصوصاً وأنَّها  في الفترة السابقة استمرت في عمل متواصل لعدة أشهر دون انقطاع .هكذا استمعت في بداية تلك الأيام وقضت أوقاتها ما بين النوم، مشاهدة التلفاز، ومتابعة الأخبار لكن هذا لم يَدُمْ سوى بضع أيام. بعدة مدة من الزمن ، خيب الوضع آمال الجميع، استمر الحال أكثر مما هو متوقع ومحتمل ، مر شهر ونصف وحل محل السعادة الَّتي كانت ترتسم على وجه مسرة خيبة كبيرة  ويأس موحش،  تشعرُ بأن الوقت ينفذ منها وحتماً ستضيع منها هذه السنة دون أن تتمكنَ مِن إنجاز أي شيء فيها. أنّ البطالة ومقابلة الجدران الأربعة وضع لا ترتاح فيه ، بل أن ذلك يرعبها. لشد ما تخشى الفراغ، تخشى أن تداهمها فيه أفكارها وتستبد بها. وحصل  فعلاً ما خافت حدوثه ، استعصى عليها النوم في تلك الأيام  كأنَّما هجر عينيها، أصبحت تسهر لأوقات متأخرة مِن الليل ِولشدّة ما أحبطت وتكأبت نمت لها منذ يومين بثرة كبيرة ، بالقرب من فمها تحرقها وتلسعها كلّ حين، والأخرى لا تفتك تتحسسها بأطراف أصابعها كما لو أنها تتلهى بها ، هذه الليلة استولت عليها أفكارها وحاربتها بكل أنواع أسلحة الدمار الشامل الَّتي تستولي على العقل وتفتك به، كتبتْ نحو الثالثة صباحاً في دفترِ مذكرتها

– انقضى شهرًا وبضعة أيامًا أخرى على جلوسي في المنزلِ، أعلم أنني أنظر للأمور بشكل أنضج وواقعي وان اختياراتي أصبحت مرهونة بموافقة عقلي الواعي الَّذي يصر على اختيار الأشياء بمنتهى الدقة والحكمة. أعلم ايضآ بأن هذه ميزه إيجابية ، تميزني وتمنحني وسام الاختلاف ، الذي يفتقده الكثير. أن تكبر قبل عمرك وتشعر بأن من في فئتك  العمرية هم أقل نضجًا منك. كانت الخطة في البداية خمسة عشر يومًا؛ لكن وبطريقة ما بدأتْ تمتد أسبوعًا بعد آخر، إما بالنسبة للخمسة عشر يومًا الأولى فهذه يسيرة مثمرة كنتُ قد أعددتُ لها جدولًا وقسمتها بأيامها وساعاتها وانتهتْ بخيرٍ وفير، وإما ما أتى بعدها فلا أعرف كيف أتعامل معه. أتكاسلُ في أنجازِ أي شيء خلال هذه الأيام. كما إن جيش أفكاري بدأ مداهمتي بعد أن وجد فرصته المناسبة، يبدأ إنزال أفراده بعد الساعة الواحدة ليلًا فيثيرون كلّ ما حدث سابقًا ويسألون: ماذا بعد الآن؟

ازدياد حيرة

يَضَعونَني أمام هذا السؤال الصعب الَّذي لم أجدْ له جوابًا منذُ أربع سنوات لو أنني أعلم لما ازدادتْ حيرتي أكثر كلّ يوم عن سابقه، ولما انتهشتْ علقي أفكاري بضراوة دون رحمة. منذُ يومين وأنا ألجأ عبثًا إلى النومِ مبكرًا كطريقة للهروب؛ لكن أغفو كعادتي عند الساعة الثانية صباحًا، أكره الليل وظلامه أكره الأفكار الَّتي يبعث بها إلينا، أكره سواده الذي يحاصرنا دون رحمة كأننا المذنبون الذين فوتو حصة نومهم…

صباح ذلك اليوم نقلت مسرة إلى المستشفى وتوفيت بعد ثلاثة أيام . إن أحلامها التي نعتها دومًا وحرصت عليها ، وحملت همها لدرجة أن تسببت في إظهار تلك البثرة اللعينة لها ، نست معها بأن الفايروس ينتقل عن طريق التلامس بين اليد والفم ، أصيبت أخيرا دون أن تخرج من المنزل حتى،  في النهاية لم يقتلها الفايروس بل نحرتها أحلامها ” .

– بغداد

مشاركة